8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جنرالات يبحثون عن رئاسة رئاسة تبحث عن جنرالات!

هل يصبح انتخاب الجنرالات في لبنان رؤساء جمهورية تقليداً يشبه ما شهدناه في عدد من الأنظمة العربية ولا سيما الثورية أي الانقلابية، أو أنظمة التيجان والنجوم... والبزات، والقبعات؟
يقال إن إسرائيل أيضاً هي بلد الجنرالات الحاكمة (وأبطال المجازر..) وهذا ما سيسوقها (مع تمنياتنا الحارة) إلى الجحيم!
اللواء فؤاد شهاب كان أول جنرال ينتخب رئيساً في لبنان. (ريمون اده وحده مع نوابه رشح نفسه ضده. ونذكر أيضاً أن العميد ريمون اده وحده مع نوابه رفض التصويت لإتفاق القاهرة. الوحيد في مجلس النواب اللبناني آنئذ).
لكن فؤاد شهاب، كما خبرناه، كان جنرالاً بعقل مدني، وبحس سيادي وذا مشروع إصلاحي، واتجاه تغييري نحو بناء دولة (بعيداً عن أكلة الجبنة بحسب تعبيره).. فؤاد شهاب المتقشف (والحمدالله انه لم ينجب اولاداً، لا جنرالات ولا نواباً محتملين ولا لصوصاً...) أدار البلاد بحكومة رباعية جمعت المعارضة والموالين، بهدف الخروج من رواسب أحداث 1958 (اثر الوحدة بين سوريا ومصر والتي أنجبت نظاماً أمنياً مشتركاً على رأسه في دمشق عبد الحميد السراج) ومنحاها الطائفي والسياسي والعنفي. كان رجل دولة فؤاد شهاب: عسكرياً بلباس مدني ومدنياً بعقل صارم. والصرامة عنده صبت في محاولة لمّ البلاد ضمن مشروع توحيدي وانمائي واجتماعي. وهذا ما أدّى إلى تحقيق انجازات كبيرة ما زلنا نعيش على بعضها، بعدها جاءت الحروب التقسيمية في 1975 وما بعد لتعطلها أو تنسفها أو تشوهها.
البارز في تجربة فؤاد شهاب أنه حاول حشد الطاقات، والدساتير والقوانين والمواثيق لخلق ثورة إنمائية مدنية؛ لكن ما خرّب كل هذه الانجازات وطمس بعضها، (لدى الناس) هو ممارسات ما سمي آنئذ المكتب الثاني (أو الدكتيلو اقتباساً من فيلم زد ) أو بتوع الفولزفاكون)؛ فهذا المكتب حاصر القضاء السياسي بنزعة أمنية (عسكرية) لم تكن موجودة أيام عهد الرئيس الشيخ بشارة الخوري. (على الرغم من فساد عهده المتمثل بشقيقه الشيخ سليم، وبعض الزبائنية من دون أن ننسى غرائب داهش!) وراح يُبدع في قمع الحريات وتلفيق التهم وافلات البلطجية والشبيحة وكانت تسمى الأشباح آنئذ على الناس (ارتين الأسمر) إلى درجة مطاردة المعارضة ومحاولة اسقاطها في الانتخابات واقصائها بالتزوير والتهديد وحتى محاولات القتل (عدة محاولات لاغتيال العميد ريمون اده)؛ وصار بعض النافذين الأمنيين والعسكريين مرجعيات سياسية، تُعيّن النواب وتؤلف اللوائح، وتزوّر النتائج (اسقاط ريمون إده في جبيل وكميل شمعون في الشوف وأسد الأشقر في المتن). ولا ننسى المحاولة الانقلابية الفاشلة في 1960 التي قام بها الحزب القومي السوري الاجتماعي وما أعقب ذلك في قمع واعتقالات واستغلال الانقلاب لترسيخ الحكم الأمني والمكتب الثاني وفساده وجرائمه، وإسكات المعارضة وضربها وتهميشها.
ولهذا فالنهج الشهابي بصورته الأمنية العسكرية توافق إلى حد كبير مع بعض الموجات الانقلابية العسكرية في العالم العربي من الناصرية إلى القذافية والبعثية، (الله يسامحك يا ميشال عفلق: انجبت لنا بعثين! وَلوْ! بعث واحد يكفي للتخريب والهزائم!). فاليمنية... كأنما لبنان أراد حينها الالتحاق بتلك المنظومات المعسكرة وبطغاتها). لكن اللواء فؤاد شهاب لم يكن من طينة هؤلاء على الرغم من هذه الظاهرة الاستخباراتية التي أحاطت به، فهو رفض التجديد. ليخلفه، ومن ضمن النهج ذاته الرئيس شارل حلو.. وكان علينا أن ننتظر الحلف الثلاثي الماروني شمعون، إده والجميل المدعم بالرئيس صائب سلام وكامل الأسعد لإطاحة النهج الشهابي برمته بانتخاب سليمان فرنجية، رئيساً بفارق صوت واحد.. ثم هبت الحروب... ودخلنا في منعطفات حروب الآخرين بالجملة والمفرق على لبنان وعلى سيادته (اتفاق القاهرة، وفتح لاند في الجنوب) وعلى وجوده وكيانه ووحدته، حيث أصبح لبنان تحت عدة وصايات واحتلال: الوصايات السورية والعراقية (بعثان في بعث واحد، وبعث واحد في بعثين والعوذ بالله!) والقذافية والاحتلال الإسرائيلي (لاحقاً) في الجنوب وفي البقاع الغربي من دون أن ننسى قوات الردع العربية التي اختزلت بعدها بقوات الردع السورية!
فؤاد شهاب إذاً كان أول جنرال ينتخب رئيساً. وعلينا أن ننتظر جنرالاً آخر من جبلة أخرى: ميشال عون ما غيرو الذي حلم بالرئاسة، وخاض حربين: تحريرية مزعومة ضد السوريين وإلغائية ضد القوات اللبنانية في ظل تأليفه أول حكومة تقسيمية طائفية من العسكر في لبنان. جنرال ولا كل الجنرالات. دمّر البلد وهرب وأعيد مشحوناً مع بضاعة الوصاية السورية التي حاربها ونفته. جنرال الهزائم عاد على دم الحريري و14 آذار ليتنكر لهما. وككل الجنرالات (الله يستر) اعتبر وصوله إلى الرئاسة حقاً له ومسألة مصيرية، فانخرط في 8 آذار تحت مظلة حزب الله والوصاية السورية! وما زال يحلم! وبين حكم اللواء شهاب وجنون الجنرال ميشال عون، أطّل جنرال ثالث هو العماد إميل لحود، من المؤسسة العسكرية. هذا الأخير الذي طوبته جماعة نواف الموسوي المقاوم الأول والجنرال المقاوم... لم يرث من فؤاد شهاب نهجه الإصلاحي، ولا ترفعه ولا نزاهته ولا إيمانه بالسيادة والاستقلال، ولا انجازاته.
لا شيء من كل ذلك. ورث عنه محيطه المخابراتي والأمني ملقحاً بالتجربة السورية الاستبدادية المخابراتية. أخذ منه نوافله. لكن الفارق أن اميل لحود صاحب العهد الأكثر سواداً في لبنان (أكبر كمية من الاغتيالات السياسية في تاريخ البلد في ظل ضحكته وابتسامته.. العريضتين بسبب وبلا سبب (أبو ضحكة جنان)، فُرض لحود على اللبنانيين بقرار من الوصاية السورية لاستكمال الإطباق على لبنان، وتحويله كله مزرعة أمنية مخابراتية بواجهتين تافهتين فاسدتين هما غازي كنعان ورستم غزالي السيئ الذكر. وفي عهد هذا الجنرال المشؤوم فتكت الوصاية السورية (والإيرانية مع ربيبها حزب الله) بكل المفاصل اللبنانية، النيابية، والقضائية والحكومية والاقتصادية وطبعاً الرئاسية. لم يبق شيء خارج البراثن السورية. من الأمن العام (جميل السيد) إلى الجيش، فإلى القوى الأمنية. صار البلد فريسة سائغة وسهلة في اشداق النظام البعثي ونظام ولاية الفقيه (دام ظله الشريف الوارف والوريف والمرواف!)؛ وثم استكمال العدة لضرب كل ما يمت إلى المعارضة! وإلى آثار العرفاتية والحركة الوطنية والمقاومة الوطنية والأطراف المسيحية والإسلامية واليسارية والقومية الفاعلة: سُجن سمير جعجع ونُفي كل من ميشال عون وريمون أده وأمين الجميل، وإبراهيم قليلات وصائب سلام وتقي الدين الصلح.. وانتقلت المقاومة من أيدٍ فلسطينية لبنانية إلى مقاومة إسلامية (شيعية) تم انشاؤها بصفقة بين الرئيسين حافظ الأسد ورفسنجاني! وعندها غرقت في البلاد في الترهيب، والقمع والنهب والسرقة وتلفيق الملفات (عدنان بك عضوم) والزج في السجون والخطف وممارسة التعذيب وتحول كل من عنجر والبورياج والحمراء (جامع جامع) إلى مراكز للاعتقال والقتل والإذلال والإبتزاز. إذاً عهد الجنرال لحود كان محطة كبرى انضم فيها النظام اللبناني إلى قافلة الأنظمة الاستبدادية الشمولية الطغيانية بواجهات لبنانية وأدوات سورية إيرانية. وكما سجل الحلف الثلاثي وحلفاؤه من القوى الأخرى ضربة للنهج الأمني الشهابي، (بانتخاب فرنجية)، ومحاولة فتح صفحة جديدة تلطخت بدماء الحروب المتعاقبة، ها هي ثورة الأرز، بعد اغتيال الشهيد الرئيس الحريري، تقلب المعادلة، ولكن هذه المرة بثورة استقلالية شعبية كانت المفتتح الواسع للثورات العربية القائمة بسلميتها وشفافيتها وتعدديتها وتعابيرها التي تجاوزت ردود الفعل إلى فعل تغييري سياسي يؤكد الحقائق الكبرى، من العدالة (المحكمة) إلى الحرية، إلى الديموقراطية، والسيادة والاستقلال وفصل السلطات.. وكما سقط النهج الأمني (الشهابي) على يد الحلف الثلاثي وحلفائه، وكان ذلك مؤشراً لفشل الجنرالات في تسلم السلطة، (على الرغم من التوجه الإصلاحي والإنمائي) تهاوى مع ثورة الأرز حكم الجنرالات. (لحود ـ السيد ـ عضوم ـ والوصايات) وقوى الأمر الواقع سلاح حِزب الله وسائر التنظيمات ذات الولاء للوصايتين). وكما بددت حروب الميليشيات في السبعينات احتمالات قيام نظام ديموقراطي مع ترحل النهج الأمني الشهابي، فإن قوى الثورة المضادة (حلف الوصايتين) أي 8 آذار وقفت بسلاحها الخارجي والخوارجي لاجهاض هذه الثورة الشعبية القائمة على معادلة: العدالة، الحرية، السيادة، من خلال التهديد والتخوين والغزو (7 أيار) وضرب الدولة واحتوائها وشل المجلس النيابي المنتخب، ومحاصرة الحكومة (السنيورة) ومن ثم اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري (بقوة السلاح والقمصان السود والغدر: ميقاتي، الصفدي...) ويمكن لحظ قاسم مشترك آخر هو دور الجنرال الممروض بالرئاسة ميشال عون الذي استخدم كطربوش ماروني لكل هذه الاتهامات والتعديات والموبقات. إذاًَ ورثنا جنرالين رئيسين: فؤاد شهاب وإميل لحود وثالث: مرشح أبدي... والثلاثة كانوا على شكل أو آخر من زرّاع بذور الأنظمة الأمنية أو من حُصّادها أو من ملموماتها وزؤانها. (هنا نميز الرئيس الشهاب عن الآخرين بما لا يقاس من الخصائص الإيجابية) وكذلك من أوائل ربط البلد بمرجعيات خارجية (عون ارتبط باسرائيل وصدام حسين والأميركيين وربما الفرنسيين وصولاً إلى السوريين والإيرانيين، وكذلك وأكثر إميل لحود. وهنا نميز مرة أخرى فؤاد شهاب عن الآخرين ذا الحس السيادي البالغ). وهنا نعود إلى جنرال آخر لم يسعفه الحظ هو الجنرال إميل البستاني صاحب قضية الكروتال! (كما أذكر). والمؤيد لاتفاق القاهرة! توسلاً للوصاية الفلسطينية والعربية آنئذ بحمله إلى سدة الرئاسة. فشل هذا الجنرال! انها لعبة جنرالات إذاً. وعلينا، وبعد ثورة الأرز ان ننتظر جنرالاً آخر تمّ انتخابه بالإجماع (بأكثرية نيابية لثورة الأرز) وبتوافق عربي وغير عربي في مؤتمر الدوحة. خسر ميشال عون معركة العمر واستل الجنرال ميشال سليمان الرئاسة منه. من جنرال إلى جنرال فإلى جنرال (اليوم عندنا الجنرال قهوجي، فهل يتكرر التاريخ!) والعماد ميشال سليمان كان يمكن ان يكون أقرب إلى ذهنية فؤاد شهاب، إو إلى سياسية شارل حلو. إو إلى توافقية رينيه معوض (دفع حياته ثمنها) أو إلى تجرؤ بشير الجميل (دفع حياته ثمنها) ، أو إلى حكمة الياس سركيس، قد يكون جمع أطرافاً من هذه المواصفات لكن بقيت متناثرة. (فالأجواء مختلفة) مبددة في فضاء رمادي. ألقى خطاب القسم وكان وعداً لمعظم اللبنانيين من الكلام على السيادة، إلى الكلام على الوحدة الوطنية فإلى التعددية... فإلى الإنماء، فإلى بناء الدولة.....! لكن مع الزمن كأن خطاب القسم صار وراءنا ووراء الرئيس سليمان. بل أكاد أقول ان ما يميز خطاب القسم الذي تلاه الرئيس لحود محاولة هذا الأخير تنفيذه قطع الأيدي... والرؤوس، وقد قُطعت فعلاً أيد ورؤوس... وحدثت اغتيالات وتفجيرات وكان من ضحاياها أبرز رموز 14 آذار وفي المقدمة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. نفّذ إميل لحود في خصومه وخصوم الوصايتين ما وعد به اللبنانيين. اما سليمان الآتي من مكان آخر (ونتمنى الا نكون مقارنة بينه وبين لحود). قدم إلينا المن والسلوى ولم يهطل شيء علينا؛ وقد تجسد هذا التراجع عن الوعود في الانقلاب الذي دبرته سوريا وإيران ونفذه ربيبهما حزب الله (دام ظله الوريف الشريف العفيف النظيف...!) وكأن الرئيس سليمان كان جزءاً فيه أو على الأقل متواطئاً معه، او متساهلاً، أو متغافلاً: وكلها أخطاء لا تغتفر: رئيس انتخب شرعياً بالإجماع وبأكثرية نيابية لـ 14 آذار يُسهّل تنفيذ انقلاب بالقوة وبالقمصان السود.. عبر تمديد المهلة لميقاتي وحزب الله (دامت سيادته على لبنان وعلى نفطه الآتي وربما على أرزه الخالد وعلى جنونه المُحرر!) وليتوفر لهما (وبضغط من سوريا) استكمال لعبة الانقلاب! هذا غير مقبول. وغير مغتفر. وهو يشكل محطة أساسية انقلابية في عهد سليمان المتماهي مع ميليشيات حزب الله.. من دون أن ننسى دعوته إلى حوار لا تعترف 8 آذار بتواقيعها في جلساته السابقة. انت لكي تحكم عبر المؤسسات الشرعية عليك أن تعرف شيئاَ أساسياً: لا يمكن رئيساً فعلياً إذا بقي الجيش مهمشاً (كما كان أيام إميل لحود) وإذا بقيت دويلة حزيب الله أقوى من الدولة وإذا وقف لبنان ضد قرارات المجتمع الدولي (المحكمة، العدالة) وإذا بقيت الوصايتان تحكمان لبنان بسلاحهما الموهوب لحزب ولاية الفقيه.
نحن كنا معك عندما كنت مع القسم! أما اليوم، فلا نعرف ما نقول، لكن ما زلنا نتردد في تشبيهك بإميل لحود.. أو ببعض الجنرالات!
هذا البلد ليس ملكاً لحماية السلاح الخارجي، ولا لمخطط الوصايات ولا لمتجاوزي الحرية والديموقراطية.. والقوانين والدساتير!
... ودعنا نقول أخيراً: عسى ان يكون هذا العهد.. ختام عهود الجنرالات وبداية عهود السياسيين والمدنيين.

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00