8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الطُّغاة يُحصون أيامهم الأخيرة بالقتل!

ثورات من أجل الديموقراطية والحرية في الربيع العربي من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، وسقوط نظامين (مصر وتونس) وعدة أنظمة تقاوم نهاياتها بالقتل والتهجير وبالمقابر الجماعية، وبالأسلحة الثقيلة من دبابات وطائرات (من غير شر) وجيوش تستخدم لقمع أهلها. وفي المقابل انتخابات تشريعية في تركيا، لم يشكَّ أحدٌ من الخاسرين في نزاهتها، وأسفرت عن تعددية حزبية وسياسية تعبر عن واقع الامبراطورية العثمانية السابقة. أردوغان فاز بالأصوات التي انتخبته، والآخرون أيضاً فازوا بالأصوات التي انتخبتهم.
حدث هذا في بلاد لا تبعد عنا (العالم العربي) أكثر من عشرات أو مئات الكيلومترات. حدثت في جوارنا حيث لنا ولهم الغيوم ذاتها. والبحر ذاته، وكثير من العناصر المشتركة ذاتها... رمية حجر أحياناً تفصل بين عالمين: عالم تمارس فيه الديموقراطية كتركيا وعالم آخر يحكمه طغاة عرب ينتخبون منذ ستة عقود شعوبهم بدلاً من أن تنتخبهم شعوبُهم، ويستبد بهم حاكم أورث أولاده وبناته وأشقاءَه وأصهاره هذه الجمهورية أو تلك من دون أن يخجل من أن يسمي البيعة المخابراتية، والتزوير حكماً استبدادياً بنسبة 99,99 % والانسان العربي الذي كان المغلوب على حياته ومصيره وأمنه ولقمته يتطلع إلى تركيا (الجارة) بغيرة وبمرارة وبتساؤل: ولماذا ليس نحن؟ شو ناقصنا؟ لماذا لا يحق لنا أن نمارس(كشعب عربي) ما يمارسه الأتراك من حرية؟ اترانا قاصرين إلى هذا الحد؟ أترانا عاجزين عن اختيار مصالحنا الوطنية إلى هذا الحد، ولكي نكون تحت وصايات طغاة مجرمين، وأميين وجهلة ولصوص وعملاء ومتآمرين يحكموننا بالشبيحة والبلاطجة ومرتزقة أنظمتهم؟إنها أسئلة المرارة. كُبِتت عشرات السنين. خصوصاً عندما كان لبعض الأمكنة الاستثنائية التي مورست فيها ديموقراطية ولو نسبية كلبنان: أولسنا قادرين كهذا الشعب العربي الشقيق أن نمارس تداول السلطة، وان نستمتع بسماع الرئيس السابق أو بالبرلمان السابق، أو بالحكومة السابقة في الوقت الذي نُكحل عيوننا بسحنة الدكتاتور الواحد وبحكوماته الشخصية الواحدة وبرلماناته العائلية الواحدة، ونُشنّف آذاننا بشعارات تافهة، تموّه القمع والتسلط، وتبرر استعبادنا من أفراد هؤلاء لا سيما عندما تنطق بوطنية عالية (واطئة) وبممانعة شجاعة (جبانة) وبمقاومة مقدسة (وهمية) وبمواجهة باسلة (لفظية) مع عدو تتنامى قوته وتكبر سطوته ويزداد توسعه عبر مستوطنات وتهويد لفلسطين ويدوم احتلاله للجولان أو لمزارع شبعا. شيء مخيف: إعلام كاذب وتخوين لكل صوت يُفكر همساً بالمعارضة أو بالنقد، إنها اسئلة المرارة كان الشعب العربي يبتلعها، بدلاً من أن يبصقها في وجوه هؤلاء الطغاة (الحرامية والقتلة) أو يخنقها بدلاً من أن يفجرها في عيونهم الفجعانة الحمراء من دماء أهلهم. هذا كان يا ما كان: فالانتخابات التركية جرت هذه المرة في قلب الربيع العربي الكبير: للثورة العربية الكبرى، التي ترفع شعبنا إلى مستوى التحدي، إلى مستوى تحقيق المستحيل، إلى مستوى اجتراح المعجزة. نعم! لم تعد تركيا أو سواها، موضع غيرة منّا والمرارة صاغت خطابها العالي بالحرية، بأصوات الثوار وأجسادهم في الميادين والساحات والطرقات والشوارع والأسطح والأزقة... تقول كفى! ارحلوا أيها القتلة!
انقسم العالم العربي إلى طغاة وثوار. وكان، من قبل، منقسماً إلى طغاة وطغاة. لا مكان بينهم لصوت. أو لحقيقة. أو لحياة. الطغاة +الطغاة = الموت. الطغاة +الطغاة = الهزيمة. اليوم، صار الطغاة حيث كانوا في الأمكنة التي يدافعون فيها عن أنظمتهم الدائمة والزائلة والآفلة. صار الطغاة حيث كانوا دائماً: في مواقع القمع الدموي والقصف والاعدام والتهجير والحصار... والتدمير المنظم بالمدافع والدبابات والطائرات، والثوار أيضاً صاروا في الأمكنة التي كان يجب أن يكونوا فيها من زمان: انهم اليوم، أي الثوار، يحررون أرضهم من احتلال أنظمتهم. يحررونها شبراً شبراً، زنقة زنقة، داراً داراً، وجهاً وجهاً، سحنة سحنة... إنهم اليوم أهل التحرير وأهل الحرية (وهل يستقيم تحرير من دون حرية)؛ نقول هذا لأن هذه الأنظمة احتلت أوطانها كما احتله أي عدو خارجي، بقوة السلاح والبطش. ولهذا نحن اليوم في الزمن الاستقلالي الثاني، الأول الاستقلال عن الاستعمار والانتدابات، والثاني اليوم الاستقلال عن صنائع الاستعمار أي الطغاة. فيا لها ثورات متعددة الأحلام: ثورة في ثورات، وثورات في ثورة، التأم فيها العمل على التحرير، والحرية والكرامة والعبودية والاحتقار والإلغاء والتذليل والتجويع والديموقراطية... كلها معاً، على غير انفصام، وهي كما رأينا، تليق بالثوار، هؤلاء الذين رفعوا أحلامهم هذه إلى مستوى الشهادة والموت وتحمّل التعذيب والتمثيل بالجثث والمقابر والترويع والتهجير. كل هذا يذوقه يومياً الثوار العرب، حيث يدافع الطغاة عن أمكنتهم الأخيرة، ويَعدُّون أيامَهم المتبقية بشعار عليّ وعلى شعبي يا رب! الثوار يضعون أرواحهم على أكفّهم وصدورهم وأصواتهم ويواجهون الوحشية والبربرية والهولاكية والهمجية. الطغاة يلعبون أوراقاً قديمة بائسة انتهت صلاحيتها، وينبشون شعارات ممجوجة تعينهم في معاركهم الخاسرة.
لم تعد تركيا النموذج ولم يعد الغرب. أو الديموقراطيات الرائجة المثال. لم تعد من أيديولوجيات مقولبة تقولب الثوار: الحرية وحدها تصنع الأفكار. الحرية تصنع الأمن. وليس الأمن ما يصنع الحرية. الحرية تؤمن الرغيف. وليس الرغيف ما يؤمن الحرية. انها أمثولات حفظوها على امتداد احتلال الطغاة لبلادهم (الطغاة الوراثيين). نموذجهم النضالي ميداني يحفر طريقه كل يوم، من معاناة التجارب ومن تحديات المواجهة (تماماً كالشعر والمسرح والابداع عموماً) نموذجهم من كل صوت يرتفع. من كل شهيد يسقط. من كل بيت يدمره المجرمون. من كل تهجير. انها إلفة الفكرة والحواس والأمكنة. انها إلفة الدم ولونه وسيلانه والأرض والزرع والتاريخ كأنما الخروج من اللاتاريخ الذي عاش فيه الشعب العربي على امتداد الدكتاتورية الموروثة إلى التاريخ، هو الانتقال من زمن الأوهام إلى زمن الحقائق الحية، إلى زمن الحقائق المستنبتة من الواقع الحي، الذي بات على حدود الاحتمالات والتحولات. هناك من صُنع له التاريخ بقوة الطغيان، وهناك من يصنع تاريخه، بفكره الطازج وشغفه الجامح، وبحواسه الملتهبة وبصدوره الحية. الطغاة فرضوا حقائقهم الميتة على الشعوب، حقائقهم القاتلة، هوياتهم المغلقة، قوالبهم المكلّسة، وها هم الثوار يفتحون كل جروحهم دفعة واحدة على تاريخهم الجديد: دماؤهم الجديدة تغذي العالم الجديد. أصواتهم الجديدة تملأ كل سماء جديدة. شهداؤهم يدمرون الأنصاب والتماثيل والرموز القديمة. ها هو نموذجهم في نماذج: فضاءات متعددة لكل قدمٍ فيها موطئ، ولكل يد ملمس، ولكل حياة ما يليق بها، ولكل فكر ما يشرع له الأمكنة، والأبواب. انه نموذج المفتتح بلا نماذج موحدة. وبعد ما كنّا (شعراء ومفكرين وفنانين... ومؤرخين وسياسيين) نحتذي ما نحتذي مما خلّفه الآخرون لنا، الغرب وسواه، ها هم، هناك، في المقالب الأخرى باتوا يهتدون ثوراتنا العربية: في أوروبا وغيرها. انها النهضة الجماعية (الثانية، التي بات فيها الشعب كله هو النخبة؛ ثورات لا تخرج من الثكنات ولا من صالونات (النخب) ولا من المكاتب، ولا من الرواد ولا من العباقرة المرتهنين والأنبيقيين الذين يفكرون بأدوات مطهرة بالسبيرتو، ولا من شعارات الماضي، ولا من محطاته المبهمة. هذا هو الجديد. وامتدت 30 عاماً حتى استقامت وتكرست الثورة الفرنسية انجبت روبسبير الذي أعدم أكثر من ستة آلاف فرنسي في أسبوعين، وانجبت الطاغية الاستعماري نابوليون بونابرت. الثورات العربية في الخميسنات انجبت أسوأ دكتاتوريات في العالم. انجبت أسوأ الأفكار الشمولية والدينية والعلمانية والطائفية والأصولية.
الثورة العربية اليوم، كأنما انجبها الشعب كله، وانجبت بدورها، الشعب كله. وضعت كل الأحزاب والمجموعات المتوأمة للأنظمة الاستبدادية وصمام أمانها، في المقامات الخلفية، وفي أزمنتها المتقادمة المستهلكة. لم تنجب القائد الملهم. ولا الزعيم الأبدي، ولا الأفكار الثابتة. ولاالحزب الواحد. ولا العائلة المقدسة. ولا الشخص الذي يختزلها. ولا الصوت الذي يصادرها. انها ثورة الثوار الهامشيين تننتصر على المتون نقصد الهامشيين من المثقفين والطلاب والمدارس والفقراء والعاطلين عن العمل والمقهورين والمذلين والمقموعين: لا حزب قائداً يقوم بانقلاب ويفرز نخبة عسكرية تعسكر المجتمع والفن والفكرة وإذا كانت النهضة العربية الأولى تعبر عن انتصار المتون الثقافية على هوامش الواقع، والتي صارت جزءاً من السلطة، فان ثوارنا اليوم ثوار يريدون استرجاع الدولة، من دون أن يسعوا إلى سلطة. (انه الشعر بامتياز. سلوك بعض الشعراء الذين يناضلون من دون أي طموح بسلطة أو بمال أو بدور سياسي أو اجتماعي) واسترجاع الأرض من دون أن يحتلوها واسترجاع دور الشعب من دون أن يصادروه. وهذا تحديداً ما يميزها عن ثورة الطلاب (1968) في فرنسا، التي اطلقت زعماء منهم كوهين بندت الذي صار زعيماًَ سياسياً في فرنسا وهذا ما يميزها ربما عن تحركات تمت تحت شعارات خارجية رنانة. كمحاربة الامبريالية، أو هزم الغرب أو معاداة العولمة... لا شيء من كل ذلك: هناك نموذج متحرك مفتوح على محور الحرية: ينبوع كل القضايا (أيّ تحرير لفلسطين من دون حرية) ذلك لأن الأنظمة الاستبدادية وضعت القمع والنهب والطغيان كشرط من شروط الممانعة ومواجهة العدو والصمود والتصدي ودول الطوق، ومكافحة الأصولية... (وهم من صناعها!). وضعت قوانين الطوارئ كمعادل لنضال لفظي مقنع بالاستبداد. وقد اسقط الثوار كل هذه الذرائع، وسفهّوها، واظهروا بطلانها، إنها أسلحة الطغاة لكي يحاربوا شعوبهم بدلاً من أن يحاربوا العدو الذي يحتل أرضهم. انها أسلحة الطغاة لكي يربطوا امن بلادهم بأمن العدو ليديموا هيمنتهم عبر تبادل الخدمات معه (شيلني يا عدو اشيلك) ، واذا كانت الثورات ما زالت قائمة وصامدة ومتصاعدة ومتكاثرة في مواجهة حروب الابادة والتهجير والاعتقالات والترويع التي تمارسها أنظمة الطغاة دفاعاًَ عن أرماتها الأخيرة، فإن هؤلاء الثوار الصامدين ولأنهم حطموا جدران التردد والخوف والحذر وحسابات السلامة والأمن (مقابل حرياتهم) وصلوا إلى نقطة اللاعودة في اليمن وفي ليبيا وفي سوريا: لم يعد في قاموسهم الجديد أن يعيشوا في كل الأنظمة التي تصر على الاستمرار في قتلهم، ولا أن يصالحوا الطغاة الذين يعرضون عليهم اصلاحات وهمية مخدرة ولا أن يحاوروا من ارتكب جرائم جماعية؛ فالطغاة يحاولون اللعب على الوقت، ومن خلال ذلك إما القضاء على الانتفاضات واما استيعابها وفي الحالين، على الثوار أن يرفضوا كل حوار معهم، والاستمرار في رفع شعار اسقاط هذه الأنظمة ورموزها وفاسديها ومفسديها ومجرميها وحرامييها.
ذلك لأن من يُهدر دماء شعبه ويقمعه ويهجره ويدمر بيوته ويحرق محاصيله... غير صالح للاصلاح.. أو للاصلاح أو لبناء دولة أو لارساء دساتير، أو لتوفير الحرية!
ذلك لأن من يُلغي شعبه غير قابل للاصلاح... وانما للإسقاط! والأنظمة هذه لم تعد صالحة إلا للكسر... انها خردة وطغاتها باتوا مثلها خردة.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00