الشاعر الصامت حتى في شعره، الشفاف، المتواري، رحل في الألم بعد صراع طويل مع المرض الذي فتك به. إنه الشاعر الكبير فؤاد رفقة، غادرنا عن واحد وثمانين عاماً قضاها في الكتابة الشعرية وفي الأبحاث والترجمات والتدريس. إنه علامة مختلفة بين روّاد الستينات.
كان وراء الكواليس، وراء الضجيج ووراء النرجسية. كان هو كما كان يمشي بالشارع بذلك الهدوء، يبني معماريته الأدبية والشعرية والنقدية.
إنه الحطّاب الذي يخاف من الفأس. إنه المهجوس بالموت الذي بقي يحب الحياة ووراء شعره بتلك الميتافيزيقية المتأملة والنضرة وذلك القرب من الأشياء والطبيعة والحياة والأفكار. كأنه ما زال طالعاً من الطبيعة بكل طزاجتها ومباشرتها وعنفها وليونتها ورقتها وأسرارها.شاعر الأسرار، ولكن أحياناً من دون أسرار، وشاعر الغموض، ولكن أحياناً بوضوح متفتح. شاعر الغنائية، ولكن تلك الغنائية السرية الحية التي لا ترفع صوتاً سوى إذا كان نشيداً يختزن الحالات النفسية والقلق والخوف والحزن والمعاناة.
أعطى فؤاد رفقة الكثير بدون أن يمنّن أحداً، وسجل إنجازات شعرية بدون أن يطنطن لا بأدوار وهمية ولا بنرجسيات فاقعة، ترجم هايدغر وريكله وجورج براك، وكان قريباً من الثقافة الألمانية، وعليماً بها ومتخصصاً بها، حتى أنه كان من الذين قاربوا هايدغر عندما أجرى حواراً مميزاً جداً معه.
يفتقد الشعر اللبناني والعربي في فؤاد رفقة صوتاً أليفاً وصافياً وحنوناً وتجربة دائماً تأتي على هامش التنظيرات والنظريات والمدارس والدوغمائيات والأيديولوجيات.
كان فؤاد رفقة من أوائل الشعراء العرب الذين تمرّدوا على كل ما هو سابق للتجربة وجاهز من الأفكار والادعاءات.
فؤاد رفقة شاعر مثل النبع، يطلع فينا كل يوم، النبع الذي ينبغي البحث عنه من فرط خجله من إعلان نفسه.
فؤاد رفقة سنفتقدك كثيراً وكثيراً وأنت في كل شعرنا وفي كل همومنا، سنفتقدك كثيراً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.