8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الشاعر السوري زهير غانم غادر شلته اليومية في بيروت إلى شلته الأبدية في اللاذقية

برحيل الشاعر السوري زهير غانم، هكذا، فجأة، وقد خانه جسده، (كما خاننا مرات وخان كثيرين)، أثر مضاعفات وأزمة قلبية، اصابته، وكانت قاضية. من اللاذقية ودمشق جاء زهير ، قبل عشرين عاماً، وأقام، في بيروت، وهي مدينة لكل العرب وغير الموقع الشعري، والموقع الإنساني؛ وانخرط في الفضاء الثقافي العربي في لبنان وكان له على امتداد اقامته ان يشارك ناقداً وشاعراً، في الحركة الثقافية في بيروت. ناقداً عرف كيف يتناول الأعمال بذائقة خاصة، وبلغة محفرة، وبقراءة مركبة؛ وشاعراً بقصيدة غير مبسطة، وغير محصورة لا بمذهب شعري أو حتى أيديولوجي: بلا سقوف. فكان نبرة لها نكهتها وبين النكهات، وحيوية لها سياقها في الشعرية لجيل السبعينات والثمانينات.. والنبرات أبعد من التبسيط، تقدم زهير غانم مغايراً لما هو سهل في القصيدة في لغة غير جاهزة، مفاجئة في ايقاعاتها، صادمة في تراكيبها مشغولة في بنيتها. وهذا ما جعله بعيداً من شعر المناسبات أو الانحيازات السياسية المباشرة أو الوظائف التي تجعل من الشعر تابعاً: كأنه يقول علينا ان نجعل المجتمع شبيهاً بالشعر، وليس الشعر شبيهاً بالمجتمع.
وإذا كان زهير غانم، بقي، كالعديد من الشعراء على هامش الاحتفاليات والمناسبات وهذا يحسب له، إلا انه وجد في بيروت، وتحديداً في شارع الحمرا شِلّته التي تجمع شعراء وكتاباً، اختاروا جلستهم اليومية في الكافيه دي باري قبل اغلاقها ومن ثم تحولها إلى مطعم، لتنتقل الشلة مهجرة إلى عدة مقاه، وتستقر في مقهى الروضة نهاراً، والسيتي كافيه مساء. انها شلة الانس، والحكي والمناوشة والظرف يتصدرها الشاعر الصديق عصام العبدالله، وتضم عديدين منهم جودت فخر الدين، وهيثم الأمين وشوقي بزيع وعلوية صبح وفوزي بعلبكي وحسن عبدالله وخيرات الزين وعلي نصار وقاسم قاسم. انها شلته اليومية يقصدها كما يقصد زملاء له وأهلاً وأشقاء.
واللافت ان زهير غانم، كان يحسن فن الاصغاء الايجابي على تقشف في الكلام وقوة في الحضور. هذه الجلسة العائلية (جامعها الأدب والفن) قطعها زهير برحيله، وما زال كرسيه شاغراً وما زال حضوره مفتقداً. صحيح أنني لم أكن مداوماً في الشلة لكنني كنت اتسقط اخبارها وطرائفها ومناوشاتها البيضاء. وكنت في المقابل، التقي زهير في أحد شوارع الحمراء ونتقاطع في التقاطع نفسه؛ هو ذاهب إلى المقهى أو إلى عمله وأنا ذاهب مشياً إلى الجريدة كيفك زهير، منيح. كيف أحوالك ويرد زهير كالعادة وصحتك منيحة؟ (يقصد بعد العملية): لا! أنت افضل بكثير ويكمل كل منا طريقه.
أنا افتقد زهير في ذلك التقاطع من شارع الحمرا وهو يحمل سبحة في يده. (والسبحة جزء من ميزاته)، كما يفتقده أصحابه في الشلة اليومية.
فجأة، غادر زهير المقهى والشارع، وعاد إلى اللاذقية، سقطت السبحة من يده، لكن حباتها لم تنفرط.
غادرنا إلى شلته الأبدية، تاركاً وراءه شعراً خاصاً، وحضوراً منفتحاً، وألماً فينا.. يساوي الآلام التي خلفها فينا مغادرة أحبائنا وأصدقائنا من الشعراء والكتاب.
وإذا كنت غادرت بيروت فجأة وأصحابك وزملاءك فأنت لم تغادر قلوبهم، ومشاعرهم؛ فقد تركت آثاراً شفافة خلفك. بين كل هؤلاء!
آثار ذلك الشاعر الذي جاء إلى بيروت من اللاذقية، وعاد إليها وفياً للمدينتين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00