يتساءَل مُعظم اللبنانيين، اليوم، كما أمس (منذ ست سنوات وأكثر) إلى من سيلجأون لكي يحميهم؛ يحمي وجودهم، وكرامتهم وممتلكاتهم ودور العبادة والمحال والشوارع؛
يتساءلون: من سيحمينا؟ من سيوفر لنا حريتنا! وديموقراطيتنا؟ وتعدديتنا؟ وأولادنا؟ ومناطقنا. واختباراتنا ولقمتنا واقتصادنا... وكذلك استقلالنا وسيادتنا.. وعدالتنا؟
يتساءل اللبنانيون، اليوم، لأن الوضع فاق كل تصور. ولأن التسلط بلغ كل مبلغ. ولأن القهر أدرك ذراه.. أقصد قهرهم، ولأن السلاح ينشر، في كل لبنان، على بعض الأحزاب والمنظمات والحركات ومن كل الأعيرة: من الرشاش والبي سن إلى الصاروخ.. والمدفع، وأين: في الأحياء السكنية وفي الأزقة ولأن الأبطال من كل هذه الفلول المستعادة على جهوزية تامة للانقضاض على كل نشاز وعلى كل صوت آخر، وعلى كل احتجاج.. وعلى كل صرخة تنادي بوجوب سيادة الدولة والقانون والقوى الشرعية. فهذه الأسلحة التي ظنّ اللبنانيون أن الميليشيات سلمتها للدولة بعد اتفاق الطائف، ها هي عادت بحروبها ورموزها وبقدرة قادر وخصوصاً بعد انتفاضة الاستقلال.. فكأنها خرجت من الشباك ودخلت من الطاقة. وهنا تختلط هويات الأسلحة باختلاف حامليها، وتتنوع مصادرها بتنوع الخارج وتوظيفاته داخل المجتمع اللبناني.
بمعنى آخر، أن يكون هناك سلاح للمقاومة لمحاربة إسرائيل وبأيدي مقاتلي حزب الله في الجنوب أو في أماكن المواجهة شيء (تحت شعار المقاومة والجيش والشعب!) ووجود الأسلحة المختلطة، من حزبية وميليشيوية وعشيرية وقبلية وعائلية ومذهبية ومناطقية، شيء آخر! فسلاح المقاومة الذي حرّر الجنوب والبقاع الغربي من العدو الإسرائيلي تُحيّا وظيفته التحريرية. وهذا لا يختلف عليه اثنان في لبنان؛ باعتبار إنه وإن كان سلاحاً فئوياً بتركيبته، فإنه، وبوجهته المقاومة يصبح سلاحاً عمومياً، أي سلاحاً يتجرد من فئويته ليمثل عموم لبنان واللبنانيين. وهذا ما كتبناه على امتداد المقاومات الوطنية والشعبية والإسلامية منذ نصف قرن وأكثر. وكما تجاوزنا الهوية الأيديولوجية للمقاومة الوطنية (أمّ المقاومات في لبنان) التي حررت بيروت من العدو الصهيوني وواجهته في الجنوب، وكنا وراءها، (لا لهويتها الأيديولوجية الماركسية، أو اللينينية، أو القومية السورية، وإنما لهويتها التحريرية. وهذا أمر طبيعي حدث عند معظم حركات التحرير في مواجهة الاحتلال ونستحضر تجربة المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي لفرنسا عندما توحدت تحت جبهة عريضة تضم الديغوليين والحزب الشيوعي والبروتستانت والكاثوليك والوسط...) وعندما انتهى الاحتلال عاد الفرقاء إلى مواقعهم أي إلى صراعاتهم الأيديولوجية والسياسية.
ونعود إلى المقاومات فنقول إنه يجب أن تجمع على الأصوات التي تلتقيها في مواجهة العدو وإن تكن على خلاف أيديولوجي أو ديني أو سياسي معها. فالمقاومة لا تكون مقاومة إذا لعبت دوراً تقسيمياً في الداخل في ظل تهديدات الخارج. ولهذا لا يمكن أن يكون سلاح أي مقاومة في العالم سلاحاً تقسيمياً في الداخل؛ على العكس تماماً، فالمقاومة سواء كانت جبهة عريضة أم كانت حزبية أم دينية يجب أن تشكل تياراً جامعاً، وإلاّ كانت بعد التحرير أو أثناءه ذريعة لحروب تجزيئية أو أهلية. وإذا كان سلاح المقاومة تحريرياً، فيعني أنه يحرر أهله وشعبه من قهر المحتل، ومن هيمنته ومن طغيانه؛ وهذا يفضي إلى أن هذه المقاومة، إذا ما استخدمت سلاحها في صراعاتها الداخلية، إلى النتيجة ذاتها: قهر شعبها بسلاحه لا بسِلاح المقاومة... وربما تلصق به صفة السلاح الانقلابي، أو سلاح القهر والهيمنة والتسلط واستعمال العنف لفرض الإرادة على ناسه. هذا ما خبرناه وشهدناه عند معظم الأنظمة التحريرية أو الانقلابية في العالم الثالث ولا سيما في عالمنا العربي.
فالمواطن الذي يؤيد مقاومة العدو لا بدّ ان يرفض استخدام هذا السلاح في المعادلة السياسية الداخلية. فإذا لم يكن المواطن شيوعياً أو قومياً وأيد المقاومة الوطنية، في الثمانينات، فلا يعني أنه سيقبل أن تعمد هذه الأخيرة إلى فرض أيديولوجيتها عليه بالعنف ذاته الذي تواجه به العدو: والأخطر من كل ذلك أن يساوي هذه الأسلحة، أثناء التحرير أو بعده، بين العدو وبين من يختلف عنها فكرياً أو سياسياً فتخلط بين دور المقاومة (الذي يجمع عليه المواطنون وبين هويتها السياسية والتي ينقسم عليه المواطنون). وعندها يكون أن يستخدم السلاح المجابه العدو سلاحاً ينفي الآخر سياسياً ويخونه ويكفرّه ويقمعه ويضعه في شبهة دائمة، ليقضي على التعددية الاجتماعية والفكرية وحتى الدينية التي أعطته شرعية المقاومة. (تشرشل وهو أحد رموز النصر على النازية سقط في الانتخابات البرلمانية بعد التحرير، ولم يُخوّن أحداً. وحتى ديغول بطل التحرير في فرنسا سقط في الانتخابات ولم يخون أحداً: انه إرث الديموقراطية! وحبذا.. وحبذا بتوعنا!) ونقول أكثر إنه من حق أي مقاومة أو حركة تحرير أن تقبل كل مساعدة معنوية أو مادية من الداخل أو من الخارج: الثورة الأميركية ضد الاستعمار الانكليزي دعمها الفرنسيون مالاً وسلاحاً وعدة (ولم يستعمروها بعد تحريرها من الإنكليز). عبد الناصر ساعد بقوة الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي لكنه لم يحاول قبض ثمن عونه هيمنة عليها، أو تدخلاً في شؤونها الداخلية. بينما عندما دعمت أميركا القوى المناهضة لصدام حسين، احتلت العراق وصادرت القرار السياسي والاقتصادي وفتحت السجون وأنشأت المحاكم واستولت على السلطة.
كأن نستبدل نظاماً استبدادياً باحتلال استبدادي: وما الفارق عندها سوى شعارات تطلق وتتبخر ومقولات منتهية صلاحياتها. وبدلاً من طغيانية أحادية للنظام... بات عندنا في العراق طغيانيات متنوعة هي صنيعة الارتباطات الأيديولوجية أو الدينية بما يسمى الدول المجاورة وأميركا.. من دولة دكتاتورية إلى دولة دكتاتوريات متصارعة! انه ثمن التحرر من النظام. مقابل الهيمنات الخارجية ومحاصصاتها وجنونها ووحشيتها وبربريتها وما زال بعضهم يطلق على مفجري الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة في المساجد والكنائس وفي المدارس بالمقاومة!
رائع! وما أروع الإيمان الذي يلعب أدواراً إلهية ايضاً هناك إذ تحول النظام من نظام الهي علماني إلى أنظمة إلهية مذهبية! رائع! فالتعددية في مثل هذه البنى شكلية (أو قناع لأحادية) والتحرير نظري والديموقراطية المباشرة (الانتخابات) إجرائية. وها هو العراق، بعد صَدّام، وبعد الانسحاب الأميركي منه، غابة مفلتة عليها كل أشكال العنف والاستبداد والكراهية. أسوأ مما كانت أيام النظام الصدامي بل أكثر: العراق منتهك من القوات الأميركية ومن قوى الجوار والأبعد. ليستخدم السلاح الذي ساهم في تحرير العراق من النظام القديم إلى سلاح تفرض عبره الإرادات الخارجية. رائع! فلا سيادة ولا استقلال ولا استقرار ولا حرية.. كل ذلك لأن الذين ساعدوا على دحر البعث في العراق طالبوا بالعراق نفسه ثمناً وهذا ما يحصل في فلسطين اليوم: ثمن المساعدة إما تنازلات من قبل السلطة تحت ضغط الأميركيين أو تكريس التقسيم من قبل السلطة ورفض حتى الحوار بين حماس والسلطة؛ وذلك عبر إرادات خارجية كإيران مثلاًُ لتكون المعادلة المهيمنة إيرانية أميركية. (لم يتمكن أحد من تأليف الحكومة العراقية حتى الآن بسبب الارتباطات بالخارج) وهذا يذكرنا بأحوالنا لدى تأليف الحكومة الحالية ومدى الضغوط التي مورست (ضغوط وتهديدات ومغامرة غزو بيروت والجبل = اتفاق الدوحة!) لفرض الثلث المعطل والحصول على بعض المقاعد الوزارية المعينة.
ولو راجعنا بهدوء الأساليب التي استخدمت على مدى السنوات القليلة الماضية لاكتشفنا وبدون أي جهد وعلى الأرض والميدان والعيان إن سيف ديميقليطس مصلت فوق الرؤوس: تحت شعار: السلاح مقابل الأمن. مقابل الحكومة. المحكمة مقابل الهدوء وربما مقابل الجمهورية وربما الحكم. من يدري. وهي المعادلة التي خبرناها على امتداد تواجد الوصايات المتعاقبة علينا منذ بداية السبعينات وحتى اليوم. فلا المدن آمنة. ولا السلطة مستقرة ولا الاقتصاد معفي ولا الديموقراطية متاحة وهذا يعيدنا بالطبع إلى تجربة قوى الأمر الواقع في زمن الميليشيات، حيث أفرزت الأرض والمناطق والأزقة والشوارع بين الميليشيات المسلحة، ومن منا لا يتذكر حروب الأخوة وحروب الخندق الواحد والقضية الواحدة.. وحروب الأعداء والمجازر والمعارك الطاحنة في الشوارع بالمدفعية والصواريخ وراجمات الصواريخ، حتى دُمرّت العاصمة كلها. كلها! إضافة إلى مناطق اخرى تحصى بالمئات ودفع عندها اللبنانيون ثمن أسلحة التحرير والعروبة والوطنية والكرامة واللبنانية تهجيراً وهجرة ودماراً وخوفاً ورعباً وفقراً وتعتيراً وتخلفاً. كانت تلك المعارك تندلع احياناً من خلاف على ربع زاروب، أو على خوة على مؤسسة أو مجرد اختلاف على أفضلية المرور... ثم والعوذ بالله تتحول جحيماً! طبعاً بين أهل المتراس الواحد، وأهل الصمود الواحد وأهل التصدي الواحد وأهل الشعب العنيد الواحد!
هذا ما كانت تفعله الأسلحة المنتشرة في القرى والدساكر والمواقع والمدن البعيدة عن مواجهة المدن وعندما كان أحدنا يطالب بنزع سلاح القوى الخاصة من هنا وهناك أو عدم استخدامها في الأحياء المدنية كانوا (مثل اليوم) يتَهَّمون هذه المُطالِب بأنه يخدم العدو الصهيوني وانه يريد تحقيق إرادة العدو بسحب أسلحة المقاومة الفلسطينية (أو اللبنانية المقاومة للوجود الفلسطيني آنئذ) واليوم كأنه التاريخ يُعيد نفسه. هناك أسلحة لأحزاب عديدة في كل لبنان. أحزاب دينية، وعقائدية وعائلية وعشيرية... وعندما يطالب المواطن الذي عانى من هذه المظاهر، بنزع السلاح غير الشرعي أو حتى التساؤل عن وظيفة سلاح المقاومة في أزقة بيروت وفوق الجرود والجبال... تسحب التهم ذاتها وتدور اسطوانة بيضافون المشروخة: انهم يستهدفون سلاح المقاومة خدمة لإسرائيل أو لغرض المحكمة.. فكأن كل السلاح الموجود عند الأفراد والأحزاب سواء المتحالفة مع المقاومة أو غير المؤيدة سلوكها واحد. بل كأن السلاح الحزبي (خارج المقاومة) يريد إما أن يستدرج الفئات الأخرى للتسلح، أو لتبرير وجود أي سلاح في بيروت، أو في البسطة، أو في صنين أو في كسروان.. وذلك يعني أن السلاح بات عموماً جزءاً أساسياً من المعادلة السياسية: ناس من دون سلاح وآخرون مسلحون! المسلحون يستفردون غير المسلحين وغير المسلحين يلجأون إلى الدولة والجيش. وهكذا دواليك.
وعندما تُعلن الجهات المعنية أن إجراءات أمنية مشددة قد اتخذت فيعني ذلك أن كل الأسلحة ما زالت موجودة حيث كانت في الثلاثاء الأسود. بل نخشى أن مقولة الإجراءات الأمنية المشددة هي تكريس السلاح الحزبي والمذهبي في بيروت وفي سائر المدن والمناطق ليبقى ذريعة تفجير أو فرض أو قهر أو تهديد أو ترويع! ومن حق المواطنين في بيروت، وطرابلس وسواهما أن يطالبوا بحسم مسألة السلاح الفئوي تطبيقاً لاتفاق الطائف. ومن حق الناس الذين يعيشون في الرعب والخوف أن يعتبروا أن السلاح المزروع في بيوتهم وأسطحهم وشوارعهم ليس سلاح مقاومة ولا مقاومين.. بل سلاح قهر المقاومة المدنية والإرادة الشعبية والسلطة الشرعية.. وكلنا رأينا هول الخراب الذي أحدثه قتال الأخوة (من غير شر وحروب الشوارع والاغتيالات. من حق المواطنين اللبنانيين ان تكون معادلة الشعب والمقاومة والجيش انتصاراً لقرار الدولة والشرعية والديموقراطية وليس العكس، باعتبار ان هذا الشعار يستعمل كلمة الشعب (بأل التعريف) يعني كل الشعب، ويفترض هذا أن يكون كل الشعب وراء هذه المعادلة وأن تكون هذه الأخيرة يافطة كبرى لتمييز سلاح المقاومة عن الأسلحة الأخرى، وتالياً لتمييز سلاح المقاومة كوظيفة أولى وأخيرة في مواجهة العدو.. بعيداً عن أي وظيفة سياسية أخرى في الداخل، فلا تكون بديلاً لا من الديموقراطية ولا من الشرعية، ولا من التعددية الشعبية!
الناس تنتظر هذه المرة. ونظن أن تكرار ما جرى بطريقة أو أخرى، سواء في بيروت أو في أي منطقة أخرى سيضع الناس أمام خيارات أخرى بداياتها المقاومة المدنية السلمية... وآخرها؟ ومن يدري ما من شأنه ان يكون آخرها!
والجواب: راجعوا سجل قوى الأمر الواقع من لبنانية وعربية..على امتداد نصف قرن (وحتى الاحتلال الصهيوني) تعرفون كل شيء!
وأخيراً ما أحزنَ الناسَ المنكوبين بهذه المعارك انهم لم يسمعوا من أحد عبارة نأسف أو نعتذر.. بل سمعوا تهديدات.. وتخويناً واستصغاراً! (والله على كل شيء قدير!)
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.