من يقرأ التحقيق الذي نشرته الأسبوعية الفرنسية لونويل أوبسرفاتور في عددها الماضي، حول تنامي اليمين المتطرف (الأبيض بإذنه تعالى) وتجذر خطابه وجنوحه ضد الرئيس أوباما، يتوصل إلى أن أوباما قد يكون في دائرة الخطر، أو احتمال ان يلقى مصير الرئيس جون كينيدي في الستينات. ومن له أن يتابع بعض وسائل الإعلام الأميركية كفوكس نيوز، وسيل الشتائم والاتهامات التي تكال للرئيس الحالي، وبطريقة مركزة ومتواصلة يومياً، يتأكد أن فوبيا أوباما تتسع لا سيما في الميديا. وإذا عدنا إلى الشارع اليميني المتطرف مع بعض المجموعات اليمينية الهاذية بكراهيتها لأوباما، وحتى لعائلته وصولاً إلى العنصرية والاتهامات التي لم يسبق أن وُجهت إلى أي رئيس سابق للولايات المتحدة، بهذه الاستدامة ندرك إلى أي حدّ يُصعد هذا اليمين ، المجنون خطابه اللاعقلاني والسوقي، بحق أوباما منذ انتخابه. فكأن هذا اليمين قد صحا فجأة واستفاقت فيه كل الغرائز العدوانية والعنصرية والوطنية (باعتبار أميركا هي وطن البيض!) والسفلية، لتتعدى كل الخطوط الحُمر التي كدنا نظن إنها آخذة في الانطفاء، بعدما سجل انتخاب أوباما حدثاُ تاريخياً يتمثل بوصول أول رئيس أسود إلى البيت الأبيض. لكن جمر التطرف لم ينطفىء تحت رماد ما سُمي العصر الأميركي الجديد وانتهاء الثنائية التاريخية أبيض أسود، عبد سيد، فوق تحت اسم تحرير الشعب الأميركي من عقده، لصالح مواطنية مشتركة، لا يكون فيها الأبيض هو شعب الله المختار، ضمن الشعب الأميركي.
هذه الظاهرة المتطرفة التي راحت تتأصل منذ انتخاب الرئيس أوباما، ها هي ككرة الثلج تكبر في المجتمع الأميركي لا سيما في أوساط اليمين الأبيض. وكل ذلك نتيجة هذه الحملات المشحونة، المتتالية في وسائل الميديا. وفي العديد من المدن، من خلال مجموعات وخلايا تنظم تظاهرات ولقاءات تبث فيها أحقادها وعدوانيتها بطريقة صادمة.
فبعض هذه المجموعات (تردفها قناة فوكس نيوز من خلال مقدم البرامج الشعبي غلين بيك، والعديد من الاذاعات الخاصة والمنشورات) تقودها مشاعر تفوق العرق الأبيض تلتقي في مناسبات متكررة. ومن أبرز هذه التجمعات تي بارتي الذي نظم حاشدة مؤخراً(كما جاء في تقرير لونويل أوبسراتور)، تحت شعار جمع المال لإنشاء مؤسسة تساعد عائلات عسكريين العمليات الخاصة الذين قتلوا في المعارك. انه شعار خيري لنشاط سياسي؛ احتشد فيه اليمين ليضرب الأرقام القياسية في كيل الشتائم والاتهامات للرئيس الأميركي.. إلى حدود غير مسبوقة ومن قاموسهم ويافطاتهم وخطبهم العنيفة: استعادة شرف أميركا الضائع (بانتخاب أوباما طبعاً)، النضال ضد الأجندة الاشتراكية للرئيس الذي يعلن الحرب الأهلية المقبلة ومن التوصيفات التي تحرض على الرئيس: أوباما الماركسي ، اوبانا الماوي، أوباما النازي، أوباما الطاغية الذي يحضر سراً لإقامة معسكرات اعتقال ليزج فيها المحافظين، أوباما العنصري، اوباما العنصري، أوباما الغريب الذي لم يولد حتى في أميركا ولا يحق له أن يكون رئيساً للولايات المتحدة. ومن ملصقات التجمع في ميسون سيتي (مدينة صغيرة في إيوا): اوباما ديموقراطي اشتراكي، ولينيني، وستاليني، وأوباما هتلر جديد، أوباما الأسود، لا يحق له أن يكون في البيت الأبيض، انها حملة تخوين، وتسفيه وتشويه ونبرات تطهير متجددة. (كم نتذكر بعض قواميس من عندنا من تخوين وتهديد! تذكروا: قارنوا) واعلان حرب تمتزج فيها العرقية والأيديولوجية والسياسية والاثنية.. لتدمير صورة أوباما وتصويره عدواً لأميركا.. ومغتصباً للسلطة وطاغية.. ونقيض القيم السائدة عند اليمين الجمهوري.. على أبواب منتصف ولايته وبداية تحضير المعركة الانتخابية الرئاسية المقبلة.
ويهمنا القول إننا هنا لسنا في صدد الدفاع عن أوباما، ولا عن سياساته الشرق الأوسط والعالم، بقدر ما نحاول تبيان مخاطر تعميق هذا الخطاب اليميني الأعمى وتداعياته حتى في العالم.
ويتساءل بعض المحللين عن دور الحزب الجمهوري في دعم هذه الظواهر التي تلتقي بعض توجهاته البوشية والمكارثية.. باعتبار أن المكارثية التي حسب بعضهم انها أفلت ها هي تطل من جديد من خلال هذا الخطاب المحافظ الفاشي، والعنصري والمغلق والمتعصب. البعض يقول إن الحزب الجمهوري (كما ورد في التقرير لونويل أوبسراتور)، يحاول أن يستفيد من هؤلاء في معركته الرئاسية القادمة. لاضعاف الديموقراطيين ومنهم الرئيس الحالي، وإن كان يكّن احتقاراً لهؤلاء الأغبياء والتافهين من اليمين الأبيض على حد قول أحد المعلقين. وإذا حاولنا التوقف عند بعض ما أفرغه هؤلاء من اتهامات وشتائم. نلحظ أن عناصر قد تكون جديدة أدخلت في قاموسهم، وتتجاوز المعهود وتنذر بالمخاطر.
اول هذه العناصر اعتبار أوباما غريباً ومن أصول غير أميركية، ومولود خارج البلد. قد نجد مثل هذه الظواهر في أوروبا.. واليوم في فرنسا في قضية المهاجرين.. لكن إذا كانت مكونات الولايات المتحدة من المهاجرين على امتداد تاريخها، وان عدة رؤساء ومسؤولين وجماعات وكتاب ومفكرين من أصول غير اميركية، فيعني أن هذه النغمة الجديدة من شأنها إذا تعمقت ان تحدث انشقاقاً بنيوياً في المجتمعات الأميركية وافرازاً هو من سمات الحروب الأهلية، لا تقتصر على الملونين والأفارقة والسود.. وإنما على البيض أيضاً.
إذ ماذا يتبقى من البنية الأميركية إذا تفككت فيها مكوناتها الأساسية. يبقى الخراب ولهذا فإن هؤلاء اليمينيين المتجذرين (وكثيرهم من أصول غير أميركية) انما يساعدون على تجديد نكء الجروح القديمة.. والشروخ التاريخية ليطول ذلك الجماعات كلها من أوروبية وإسلامية وعربية ومكسيكية وايطالية.. وأفريقية: بل كان النظام الأميركي نفسه الذي جهد بعض أطرافه في محاولة تمتين أواصر هذه الجماعات وتحضير انتماءاتها.. قد فشل إلى حد كبير، وها هو على شفير أنظمة التميييز العنصري والحروب العرقية وإلى ظواهر كانتونية! بحيث يصبح كل الأميركيين غرباء في بلد الغرباء!
العنصر الثاني هو تجدد موجة المكارثية التي قامت على تخوين الناس واتهامهم بالعمالة للسوفيات وللستالينية وللنازية... ونتذكر كلنا انجازات هذه المكارثية التي تجلت باضطهاد الفنانين، والكتاب والسياسيين (ومنهم الرئيس أيزنهاور الذي اتُهم بالشيوعية! وبعده الرئيس كلينتون وما بينهما فنانون وكتاب كبار كأورسون ويلز وشارلي شابلن وارثر ميلر وهمنغواي... في الوقت الذي تفككت الشيوعية في الاتحاد السوفياتي يعيد هؤلاء اللغة الأيديولوجية التي كانت سائدة في الحرب الباردة بين أميركا والسوفيات. وهذا غريب! وغبي! وتافه! ونظن أن ما يغذي هذه المكارثية المتجددة مجموعات متفرقة.. ولكن الأهم بعض الإعلام اليميني الموتور لا سيما فوكس نيوز وعدد من الإذاعات والمحطات التلفزيونية والمنشورات التي تقود هذه الحملات. ويقول أحد المحللين انه لم يشهد التاريخ الأميركي الإعلام يتحول معارضاً للرئيس المنتخب (جون أماتو).
العنصر الأخير في هذه الموجات المتتالية هي العرقية أو العنصرية فالجمهوريون يعتبرون أوباما مغتصباً للسلطة. أي انهم لا يعترفون بنتائج انتخابات يفوز فيها أسود يعني أنهم يحاولون سد كل أفق على تجديد ولاية أوباما من جهة، وترشح أي أسود للانتخابات الرئاسية وربما أي منصب كبير آخر. عودة إلى الثنائية القاتلة: الهويتان: الأبيض والأسود! ويبدأ الذبح على الهوية! (نتذكر حروبنا، نحن اللبنانيين المظفرة). ويكفي أن يتهم اليمينيون المتطرفون أوباما بالعنصرية لكي تعرف إنهم يدأبون على تعميق هذه العنصرية!
ومن الطبيعي أن يركز هؤلاء الذين يستخدمون كل الأسلحة في حملاتهم الموتورة ليتوصلوا في مهمتهم العنصرية.. إلى اتهام أوباما بالاسلام. امر آخر ينضاف فوبيا الإسلام. (وتستمر الحملة عليه في مطالبته من عدة أيام ببناء مسجد في المكان الذي فجرت فيه الطائرتان في وول ستريت في 11 أيلول). فهؤلاء يسخرون أيضاً من أصول اوباما الإسلامية. وهذا يعني اضافة فوبيا جديدة على معركتهم: الدينية. من حرب عنصرية (أبيض أسود) إلى حرب سياسية (جمهوري ديموقراطي) إلى أيديولوجية (رأسمالية اشتراكية) فإلى دينية (مسيحية (بيضاء) واسلامية) حرب تحمل حروباً كثيرة! فاليمين المكارثي المتجدد بحلل متعددة اللون، لا يتورع عن شيء: التخوين (تذكروا بتوع التخوين عندنا: ما أشبه اليوم بالأمس، وما أشبه الأمس بالأمس وما اشبه اليوم باليوم: رائع: كيف يتكرر التاريخ بهذا الشكل الكرنفالي والفتنة وتذكروا مثيري الفتن عندنا) والتهديد بحرب أهلية أميركية (تذكروا المهددين عندنا بحروب أهلية)..
ولكن من المفيد أيضاً التوقف عند نقطة مركزية يعلنها اليمينيون المهلوسون وهي حقهم في استعمال السلاح وهجومهم على من يسعى لمنعه، ليصلوا إلى أوباما ومن حق حمل السلاح إلى المجاهرة برغبتهم إما بموت أوباما.. أو بالتخلص منه.
ويمكن العودة إلى ما صرح به (أو اسره) داعية معمداني : أنا ذاهب إلى الفراش لأنام ولأصلي لكي يموت أوباما ويذهب إلى الجحيم لكي ننقذ بلادنا.
وكذلك لنعود إلى ما أسّر به أحد المتطرفين كريستوف بروتون لأحد الصحافيين سيكون من مصلحة هذا البلد ان نتخلص من أوباما انها رغبة معلنة لا مبطنة: وكل هذه الحملات المشحونة المسعورة ضد الرئيس الأميركي كأنها تمهيد لاغتياله.
والغريب أن هذه الحملات المتتابعة المتراكمة الناضجة بالغباء واللاعقلانية والديماغوجية (تذكروا الحملات عندنا.. وطبيعتها في السنوات الأخيرة فالله يخلق من الشبه أربعين)! يبدو انها قد اعطت ثمارها: فبحسب استطلاعات مؤسسة غالوب فان أوباما يتمتع الآن بتأييد 80 بالمائة من السود، وبـ 38 بالمائة من البيض. كل هذا في منتصف ولايته وعلى أبواب الانتخابات الجديدة!
فالديماغوجية لها فعلها. والجعير له فعله والتهديد بالقتل له مقوماته ونتائجه والشحن الغرائزي والعنصري له نتائجه وها هي أمامنا في بعض الاستطلاعات! فهذه القلة الشعبوية الهستيرية تحرك الكوامن والمضمر والباطني بحيث لا تلغي فقط الخصم كما فعلت مع أوباما بل تلغي الصراع السياسي والفكري وتحوله صراعاً مذهبياً (تذكروا ما حصل عندنا على امتداد نصف قرن) وعنصرياً والهياً بحيث يستعيد العرق الأبيض، لقب شعب الله الأبيض المختار (وكأن الله ذا بشرة بيضاء او سوداء او سمراء) وان العرق الأسود عرق الشيطان: شيطنة الآخر وتأليه الذات، وهذه بداية كل الحروب والكوارث!
مسكين أوباما فلا هو مع سيدي بخير ولا مع ستي بخير: آخر استطلاعات جرت بينّت أن العرب والمسلمين فقدوا الثقة بأوباما وكذلك فان الاسرائيليين كما صرح بعضهم لا يثقون به والآن: ينضم إلى هؤلاء كلهم اليمين الناضح بالوسخ.. اليمين الجمهوري الديماغوجي المهزوز، الممسوس بالجنون!
كلمة أخيرة تختم به لونويل أوبسراتور تحقيقها نقلاً عن أحد المحللين هناك مخاوف من اغتيال أوباما قبل انتخابات 2012.
فالخطر موجود في جنون هذا اليمين اللوناتيكي!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.