8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

القصيبي رحل في عز عطائه

رحيل الشاعر والكاتب والوزير السعودي غازي القصيبي خسارة كبيرة للأدب السعودي والعربي باعتباره أحد الموفقين بين الحساسيتين الحديثة والموروثة في الشعر العربي المعاصر. وقد دافع عن المعطيات التجديدية ضمن الحدود التي يؤمن بها سواء في الرواية أو القصيدة أو القصة. دائماً بين عالمين يجمعهما جمع المبدع، وبين تناقضات والانعطافات غير الحادة، بين عوالم الكتابة والمسؤوليات الإدارية والوزارية والأفكار والمقاربات التنموية والاجتماعية والإدارية: جامع الماء والصلب، جامع الواقع اليومي والوظيفي والعالم الشعري. ولكن وفي مختلف هذه الأمور كان الشاعر والكاتب هو الفيصل وهو الحاسم، سواء باستمراره في إصدار دواوينه ونتاجاته القصصية والروائية، أو من خلال تعاطيه مع الأمور الأخرى، شفافية المسؤول السياسي وشفافية الكاتب، شفافية الناقد والمعلق وصائغ المقالة والموقف وحلم الإنسان الخاص. وهي معادلة ليست بالسهلة؛ كأن يقول قائل إن الوظيفة المسؤولة كالوزارة أو السفارة.. من شأنها أن تجفف التجارب الداخلية أو الكتابية، أو أن تقطرها بالتزامها المباشر أو بإلزامياتها المحافظة. هذا القول قد ينطبق على العديد من الكتاب الذين التهمتهم المهنة أو الوظيفة أو المنصب، ولكنها ليست قاعدة باعتبار إن شعراء وكتاباً كباراً تسلموا مناصب ومهام وزارية ووظيفية في الإدارات والسفارات كعمر أبو ريشة ونزار قباني وكذلك حديثاَ الشاعر المغربي محمد الأشعري الذي تولى وزارة الثقافة وقبله الفنانة ثريا جبران وكذلك الفنان المصري فاروق حسني والشاعر السوري علي عبد الكريم سفيراً لسوريا في لبنان ولا ننسى بعض كبار الشعراء العالميين كبول كلوديل (عُيّن سفيراً) ومثله سان جون برس، وقبلهما لامارتين وغوته (وزير في عدة وزارات)..
الكاتب الراحل القصيبي (مواليد 1940) ينتمي إلى هؤلاء الذين لم تحجب وظائفهم لا مواهبهم ولا عطاءاتهم ولا حيويتهم ولا روح المبادرة والتجديد. فهو خاض كشاعر السياسة والوزارة والسفارة والتنمية والإدارات. خاض كشاعر ينظر إلى كل هذه العوالم المختلفة نظرة توحيدية كشاعر وكإنساني: أي انه في مزجه الخاص بالعالم تغلب الخاص. وفي توليه المهام الجماعية (كالتي تخدم الناس) تغلب الفرد بكل التفرد، وفي نظرته إلى التنمية ربط الفكرة الواقعية العلمية بأفق التقدم وفي تنكبه المواقف السياسية أو الوطنية تنكّبها كشاعر ملتزم بالقضايا التزامه بالشعر.
هذا الكاتب المتعدد الذي رحل في عز عطائه، وتدفقه، خَلَّف حزناً وأسفاً وراءه، كما خلَّف أثراً دامغاً من دواوين وكتابات وأقاصيص وكتب اجتماعية وتنموية وخلّف كذلك فراغاً أدبياً ملموساً. ولكن ما دام هذا الشاعر كان من المدشنين المعروفين للقصيدة السعودية الحديثة، ومن مخترقي بعض الالتزامات المتصلة بالدوافع ومن المقتحمين للشعر الحداثي من الباب الكلاسيكي، والمقدمين الكلاسيكي من الباب التحديثي، فإن هذه المعادلة أعطت ثماراً، وأزهاراً في السعودية والخليج، كإشارات واضحة من نوافذ مفتوحة على التطور والتجاوز.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00