نصر حامد أبو زيد حمل منفاه في نصه، متاعه الأخير. وألمه الأخير (والمعرفة جرح، والوعي يأس أحياناً)، حتى تحوّل هو منفى نازفاً. اضطهد في وطنه وكُفِّر وطُورد، وأُهرق دمه (هذه العادة الجاهلية المُرة)، ليجد لمنفاه، منفى آخر، أو منافيَ أخرى في بلاد الله الضيقة ليحط رحاله (مجبراً في هولندا). إنه الذبيحة الفكرية التي رفعها المارقون والاستئصاليون وأهل الجهالة والنميمة رافعو ألواح العدم والقتل والإلغاء: أبناء العنف الإلهي (والله بريء من هؤلاء) في وجه هذا المفكر الكبير العقلاني، الجدلي، المنفتح، الحضاري، الإنساني والوطني. وهي صفات غريبة عن قبائل المكفرين الذين ملأوا ساحات التاريخ البشري على امتداده سواء في ما يتعلق بالسلطة الكنَسية خصوصاً في القرون الوسطى مع محاكم التفتيش، أم مع توالي السلطات الهجينة المتعلقة منذ ما قبل الثورة الفرنسية ومع روبسبيارها مروراً بالثورة البولشفية اللينينية والستالينية، فإلى ثورات العالم الثالث ودكتاتورياته الثورية واليمينية، لا سيما أنظمتنا الثورية المظفرة بإذنه تعالى وبإذن الطوائف والعائلات التي تمثل الجماهير خير تمثيل وتجسد آمال الشعوب بالإرهاب والقتل والسجن والنفي والنهب ومصادرة خيرات الناس باسم الرأسمالية هنا، وخصوصاً باسم الاشتراكية من دون أن ننسى العروبة وباسم القيادات التي ألّهت نفسها، وهي غير مؤهلة للحكم أصلاً إلا بالحديد والجهل وبالهزائم (بعض شروط بقاء بعض أنظمتنا في السلطة قبولها الهزيمة الأبدية تحت شعار الانتصار الأبدي).(فنَصر أبو زيد لم يكن غريباً عن هذه الخلائط الأيديولوجية العلمانية (بمُضمر ديني أو قبلي أو طائفي)، ولا عن طبائع الاستبداد التي تمثلت باسم النص الأيديولوجي أو السلطة النص، أو القائد النص، أو الحزب النص. وهو يعرف جيداً أن مطالعاته الإسلامية حول سلطة النص، إنما ستؤدي إلى مقاربة نص السلطة. وهذا ما أشار إليه في تحديد العناصر التي تتكون فيها مقولة الحاكمية. وهو يعرف جيداً أن الأنظمة العلمانية والثورية والاشتراكية المتماهية إما مع الستالينية، أو الفاشية، (أو الفرانكوية) اتخذت من النص الأيديولوجي (دستوراً وقوانين ومراتب وطرق تفكير وحكم وممارسة وشعارات) ذريعة لاستخدامه لضرب الحرية أولاً وأخيراً وقمع الديموقراطية وإلغاء التعددية واعطاب المجتمع المدني وتدمير أدواته وانجازاته وموقعه كمصدر أساسي للسلطة وللنظام وللدولة وتدمير الدولة كجامع لكل الإرادات والحساسيات والتمايزات وكحامٍ للحقوق الفردية والجماعية وكفاصل بين دولة الناس ودولة القانون ودولة النظام ودولة الحاكم. تماماً كما هي الحال، ولكن من مواقع أخرى (مُتوأمة على تناقضها) مع تأكيد سلطة النص (اللاهوتي الفقهي) كمصدر ثابت ودائم، لا لتفسير الموروث الديني وحتى التقاليد والطقوس، وليس كمصدر تفسيري أحادي للمراجع الدينية والدنيوية الشرعية والتشريعية ولا لمكونات مقولة هؤلاء الماضويين الذين فصلوا النصوص (كسلطة مرجعية) عن التحولات الاجتماعية والأيديولوجية والعملية والتقنية والسياسية وحتى الدينية ولا لأنهم اتبعوا العقل بمنظوماتهم اللاتاريخية واللازمنية واللاعقلانية وإنما لأنهم استخدموا الدين أساساً لمرجعياتهم الجامدة للوصول إلى السلطة. تماماً كما استخدمت الأحزاب العلمانية واليسارية والقومية والليبرالية منظوماتها الفكرية العقلانية، للوصول إلى السلطة وتماماً كما استغلت بعض المؤسسات الكنسية بسلطتها للسيطرة على السلطة. إنها توائم متشابهة من حيث تسليعها الأفكار والمخزون الديني كجزء تبريري من سياساتها القمعية والسلطوية وبالأخص من حيث إنها وسائل تخديرية للناس. وإذا كان ماركس قد قال الدين أفيون الشعوب (ونقصد هنا مؤسساته) فإن الأيديولوجيات المادية والتاريخية استعملت أيضاً كأفيون للشعوب ونتذكر هنا المفكر الفرنسي جان أرون. فالأفيون التخديري مشترك بين هؤلاء. وكل ذلك أدّى إلى خلط غريب بين الأولويات والثانويات بحيث يمكن أن يسحب هؤلاء شعاراً تافهاً، ويحوّلوه قضية مركزية مقابل سحبهم قضايا كبرى واستهلاكها في ماكيناتهم الإعلامية. فالأيديولوجيا كما علمتنا التجارب (منذ الثورة الفرنسية وحتى اليوم) واحدة، عندما تكون أضيق من الواقع، وأوسع من الحرية. واحدة لدى الحاكميين ولدى الكنسيين ولدى الدكتاتوريات العلمانية: وهي أيديولوجيا النص الأساسي المغيب لمصلحة النصوص الهامشية أو لجانب النص الشخص، النص النظام، النص الحزب، النص العائلة - النص العسكر، النص الأمن النص اللازم، النص المطلق. ونظن أن ما يفعله بعض الدينيين المنغلقين من مسلمين ومسيحيين اليوم (في أميركا مع اليمين المسيحي المهوّد) هو تتلمذ على أيدي الأنظمة الحداثية من نازية وفاشية وصهيونية وستالينية، وماوية. فالينبوعان الأيديولوجيان المتعاكسان يتفجران أحياناً من صخرة واحدة أو يصبان في بحر واحد. ولو عَدّلنا في مصطلحات الشعارات المشتركة الأرثوذكسية المادية التاريخية والأرثوذكسية الدينية (بالمعنى الحرفي الجامد) وصولاً إلى الأرثوذكسية الليبرالية كما صارت مع العولمة نجد أن المشتركات كثيرة بينها والأدوات المتشابهة كثيرة والأهداف المتماثلة كثيرة، وهي إلغاء التعدد وإلغاء الفارق بين الحريات الفردية والاجتماعية وضرب التنوع وتخريب الوجود الإنساني ونشر الاستغلال وتأليه القائد وتدمير الدولة. انها مُتوأمات اللانظام في النظام الاستبدادي، واللاسلطة في السلطة الأحادية واللاحرية في حرية الطبقة الحاكمة واللاديموقراطية في ديموقراطية الدكتاتور (الذي يتمتع وحده بالحريات والديموقراطية) واللاإشتراكية في اشتراكية النهب والسرقة وتعميق الفروقات بين الأغنياء والفقراء.
ونظن أن أخطر ما يمكن مقاربته هو إحلال الفرد الحاكم محل كل النصوص (ولو بدا انه ينتمي إليها) وعندما يصير القائد أو الرئيس أو الزعيم هو النص، فيعني أنه هَمّش كل النصوص، ورماها. فهو الدستور، وهو المرجع. وهو الإله الذي لا يخطئ وهو المؤول الأول والأخير. وهو السلطة كاملة، وهو الذي ينتخب الشعب بدلاً من أن ينتخبه الشعب. فيصبح قائد الله المختار والرئيس الرسول من السماء والمنقذ وهنا باسم الدستور (كنص) يلغي الدستور، وباسم القضاء (كنص) يلغي القضاء. وباسم الحقوق المدنية (كنص) يلغي الحقوق المدنية فكلامه بمثابة وصايا أو آيات هابطة من لدُن الآلهة لا تقبل لا المعارضة ولا النقد.. وإنما تقبل فقط موافقة الناس وطاعتها وإيمانها المطلق، واستعدادها للتضحية بنفسها من أجله والتفاني من أجل سلطانه، والصلوات من أجل عزته وإدامة عهده. هذا الملهم الباقي من الأبد إلى الأبد انه المقدس المشترك ونحن نعيش اليوم بين مقدسات أصولية دينية لاهوتية وبين مقدسات علمانية وبين مقدسات مادية. إنها السلطة بجوانبها الشتى. أي السلطة التي تهتدي المرجعيات الطاغية من سلفية وحاضرة ومستقبلية (وأبدية) للهيمنة على النظم، وخلق جماهير مستقبلية مُغيّبة، مسحوقة، قابلة، مؤفينة غير عقلانية، مطحونة بأسبابها وثقافتها وعجزها وأنماطها وعاداتها، كقطعان محكومة بحاجاتها مسوقة بعصا سحرية، إلهية، عجائبية، خرافية. إذاً هي الخرافة اكبر من الأسطورة بدورها التدميري. وبآلاتها الغيبية وفصولها الجهنمية وفتاواها وأحكامها حيث يجتمع الدين المعمم كنص، وبين القائد الملهم كنص، وبين الظواهر الاقتصادية كنص، لتكتمل الدائرة وتطبق على كل احتمال تأويلي أو تفسيري غير أحادي مفروض، وغير نقدي: لا شيء سوى القتل يتفجر من هذه النصوص المتواكبة أو المتواجسة أو حتى المتعاكسة. وعلى هذا الأساس قاربنا محنة نصر حامد أبو زيد ومن قبله محنة ابن رشد وجبران (الذي كفرته الكنيسة) وطه حسين (في الشعر الجاهلي) ونجيب محفوظ (أولاد حارتنا) وصادق جلال العظم (نقد الفكر الديني وذهنية التحريم) وصولاً إلى الشاعر المصري حلمي سالم والمفكر جابر عصفور والروائي جمال الغيطاني امتداداً إلى سلمان رشدي (آيات شيطانية)؛ قاربناها ليس بوصفها فقط مسائل فقهية أو كلامية (أو لاهوتية) وإنما بوصفها تنفتح على الحريات العامة وعلى العقلانية والسياسي والنظم. وبمَ تختلف هذه الظواهر الدينية النصية والتي تهدر دم المفكرين والكتاب تحت يافطة التفكير عن الأنظمة والأحزاب الاستبدادية الشمولية التي تجمع في عتادها سلاح التكفير وسلاح التخوين والعمالة والمس بالأمن القومي وتغيير النظام والتآمر على الوطن وبزج السياسيين المعارضين والكتاب والمفكرين في سجونها لتمارس عليهم أشد أنواع التعذيب والإهانة والشروط غير الإنسانية والقتل.
ونصر حامد أبو زيد الذي كُفِّر ولا يستبعد أن يكون خُوّن ونفي وأهدر دمه، تلقى الدرسين من النظام الثوري ومن السلفية الارتدادية: الاثنان معاً. وهذا ما يحدث اليوم في بعض البلدان غير العربية في أخطر عمليات قمعية جماعية وفردية باسم المقدس. وباسم السلطة الإلهية وباسم الوطنية حيث بات تنظيم مظاهرة سلمية كفراً وخيانة وخدمة للأعداء.. وللخارج!.
فاللعبة واحدة يمارسها الاستبداديون الشموليون العلمانيون ثم يورثونها للاستبداديين الشموليين الدينيين كأنما تناوب على صنع التاريخ المقلوب أو تناوب على تزييف الانتماءات الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية وإلغاء الحريات وتعطيل العقل الناقد، الحي، المتنور، الباحث، الذي من المفترض أن يُخضع مجمل الأمور والظواهر لحركته وديناميته. صحيح أن العقل عاجز عن تفسير كل الظواهر ولكن الصحيح أيضاً أن العقل هو مصدر الحرية والاختيار والاختلاف. فعندما يستهدف العقل كأداة مرجعية إنما تستهدف الحريات والتطور والتقدم؛ وإذا كانت المقولة الشهيرة أنا أفكر إذاً أنا موجود صحيحة إلى حد كبير (يقابلها أنا أشعر فأنا موجود) فيعني ضرب حرية التفكير إلغاء للوجود الإنساني ككل. إلغاء للمميزات البشرية لتتساوى وكل الكائنات والأشياء غير المفكرة وتنعدم فيها الحياة نفسها.
ولو راجعنا اليوم خريطة مبسطة لكثير من مناطق العالم الجنوبي والشمالي فسنجد أن الإرهاب الديني، (الأصولي من كل الديانات) يتمدد خلف ذرائع النص الإلهي وخلف المنتوجات الحزبية الإلهية وخلف القامات السماوية التي تتلبّس الإلهية والفقهاء والرواد ورجال الدين (من كل الطوائف) أو القيادات العنصرية بحيث اختلطت النصوص الإلهية القاطعة بالنصوص الأثنية والهويات القاتلة لتصل إلى عمق التقسيمات المذهبية (في لبنان عرفنا على امتداد نصف قرن عدة أحزاب وحركات إلهية، وما زال هناك من يستنفر الله حتى الآن باسمه. في هذه المنطقة أو ذاك الكانتون. وما كان لهذه الواجهات البلدية الفائضة بالإيمان القاتل والمرتبط معظمها بمخابرات الخارج (الإلهية منها والليبرالية والإقطاعية والعنصرية) أن تزدهر لولا ابتكار زعماء طائفيين ومذهبيين كرموز مقدسة تدير بعقول ماضوية مرتهنة مصير ناسها كذبائح لأوطان وقضايا أخرى. وهنا تصبح الفتاوى من هذا المرجع أو أمر اليوم من ذاك المرجع الخارجي (يؤمن المال والزعامة والسلاح.. والقداسة) أو الإرشادات من ذاك الرأس بمثابة صراع، مرجعيات حاسمة وقاطعة في أنظمة ميني توتاليتارية (طائفية ، مذهبية) تساق عبرها الجموع كما تساق القطعان بلا نقد ولا مراجعة ولا محاسبة ولا تحليل ولا تململ ولا اعتراض: فالجموع منساقة بغياباتها النباتية حتى الاستغراق الصوفي ويعني كل ذلك، وهذا هو المعنى العميق الذي يصب عنده فكر نصر حامد أبو زيد والمتمثل بجعل العقل (أو الوعي) تابعاً للغيبيات اللاعقلانية. وهذه من معاني الأبحاث التي وضعها مثقفون كبار قاربوا المسائل الفقهية المسيحية والإسلامية من حيث سلطة النص أو نص السلطة كصادق جلال العظم، وعلي حرب، ورضوان السيد وطه حسين وعبد الكبير الخطيبي ومحمد أركون وحسين مروة ومحمد باقر الصدر ومحمد عابد الجابري ومحمد حسين فضل الله (رحمه الله) وبرهان غليون وهشام جعيط وزكي نجيب محفوظ ووجيه كوثراني ونجيب محفوظ (في بعض أعماله الروائية والقصصية) وجابر عصفور وطيب تيزيني وسواهم. وهؤلاء نجادلهم ونقاربهم لا لكونهم مفكرين إسلاميين أو مسيحيين. أي ليس لكونهم مجرد كلاميين أو فقهيين وإنما لكونهم تجرأوا على محاولة تحديد علاقة النص الديني، بنص السلطة والمجتمع والدولة والحداثة والتحولات والصراعات؛ أي حاولوا وبأدوات مختلفة ماركسية أو بنيوية أو لسانية أو تفكيكية أو قديمة (الزمخشري، ابن رشد، المعتزلة، أخوان الصفاء..) أي محاولة تفسير النص في ضوء التحولات لا تفسير التحولات في ضوء سلطة النص كمرجعية ماضوية وحيدة..
ولو اكتفى هؤلاء المفكرون اليوم (ونستحضر الكواكبي والطهطاوي ومحمد عبده والأفغاني.. وفرح انطوان وجبران خليل جبران..) بمناقشات فقهية وكلامية لما أكببنا عليهم ولكانوا تحركوا في دوائر وحلقات ضيقة لا يخترقها إلاّ أهل اللاهوت والكلام.. والإرِشاد!) ولكانت أعمالهم وأبحاثهم اختنقت في هذه الأبراج الإيمانية الخانقة.
ونصر حامد أبو زيد نقرأه بشغف لا لأنه مجرد مفكر إسلامي يبحث في أمور النصوص والفتاوى ولكن لأن وراء جهوده هاجس الحرية، وهاجس الاختبار والوعي والديموقراطية والإيمان بالمجتمع المدني المتعدد والدولة المدنية ورفض تفسيره الظواهر بردها إلى مبدأ أولي وبرفضه اليقين الذهني والحسم الفكري ورفضه أيضاً التوحيد بين الفكر والدين.. انها علامات وجود العقل الحي وحرية التفكير والاختيار وتأكيد على مبدأ أن الإنسان هو محور الكون وكل الأفكار الغيبية أو العلمانية تصب في تثبيت وجوده واحترامه ككائن متنور يصنع تحولاته وتاريخه ومصائره...
بدلاً من أن يكون مجرد ذاكرة ميتة تميت كل شيء حولها.. ذاكرة النصوص الغيبية والمادية والتاريخية.. أي ذاكرة سلطة النص القاطع الذي هو في النهاية.. نص السلطة!
أو الأحرى سلطة الإرهاب أو إرهاب السلطة!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.