... ثم مات المنفيّ في وطنه. المفكر المصري الكبير نصر حامد أبو زيد، تنشق هواء وطنه ورحل، عن عمر يناهز السابعة والستين (مواليد 1943)، وهو في عز عطائه، وفي عز نضجه، وتبلور مشروعه الفكري - الديني، الذي قاربه، بجرأة وبعمق، وبشفافية، قلّما عرفها مفكر عربي آخر. قبل قرابة شهر ونصف الشهر رحل كبير آخر هو المغربي محمد عابد الجابري، الذي يتقاطع مشروعه الفكري في نقاط عديدة مع نصر حامد أبو زيد، على تنوع منهجيهما، وطرائق توجهاتهما. خسرنا مفكرَين في شهر تقريباً، في وقت يندر فيها أهل العقلانية، والاعتدال والتنوير، والاستقلالية.
لكن محمد عابد الجابري، وبرغم ما عاناه من المتشددين والأصوليين، بقي في بلاده، وتنقل في العالم العربي وأوروبا، ليشارك في الندوات ويقدم محاضرات وأبحاثاً. ولهذا، فالتجني كان أقسى على حامد أبو زيد. تجني المتخلفين، والمتعصبين، من أهل القرون الوسطى، والفترات الظلامية، والاستئصالية، التي تسعى بديموغاجية رهيبة، الى تدمير التراث العربي والديني، ومحاربة الأفكار النهضوية، والعالمية، وكذلك التراث الحداثي الذي ساهم العرب في بنائه، سواء من المفكرين المعاصرين أم القدامى. نصر حامد أبو زيد الذي حاول عبر الأدوات العقلانية المستمدة من المخزون الفلسفي العربي والإسلامي، وكذلك من إنجازات الآخر الخصب، في بلاد الله الواسعة، أن يقارب الواقع العربي، والنصوص الأساسية، بحس مرهف، دقيق، وبمعادلة متفتحة، وبتأويل متعدد، وبقراءات غير أحادية، وغير حرفية وغير جامدة؛ وقد أدرك نصر حامد أبو زيد أن قراءة التراث، أو الواقع، أو الحداثة نفسها، بأحادية إيديولوجية أو بذهنية متعصبة، هي قراءة ميتة، تنعكس على مجمل النص التاريخي أو الاجتماعي أو الديني. إنها القراءات الجاهزة المعممة التي تدفع التراث بإطار جامد، وساكن، وفضفاض بالخرافات والأساطير، والتخلف. وعندما واجهه بعض من هؤلاء من أصحاب الفتاوى والدسيسة، والنميمة، بسلاح الإرهاب الفكري، ووضعوه عن جهل وكيدية، في خانة خيانة الإسلام، أو الخروج على جوهره الى درجة التكفير، وتهديد حياته، وإصدار فرمانات تافهة، وادعاءات مريبة، وصلت الى حد الفتوى بانفصال زوجته عنه، لأنه من أهل النار وهؤلاء التعساء الجهلاء من أهل الجنة والإيمان. كان عليه، وتحت ضغط الإرهاب والترويع، وفي ظل إحساسه بالوحدة وفي ظل شعوره بأنه أعزل أمام هذه الوحوش، وتملص القيمين من حمايته، أن يختار المنفى، في أحد البلدان الأوروبية، ليمارس التعليم الجامعي، بعيداً من وطنه، ومع زوجته بالطبع، التي وقفت معه على امتداد محنته. نتذكر هنا الاعتداء البربري من أهل الفتنة الجاهلة على نجيب محفوظ (ونستحضر طه حسين)، والدعاوى التي أقامها بعض هؤلاء على أكبر شعراء مصر ومفكريها، من باب التعرض للإسلام، كجابر عصفور، والشاعرين حلمي سالم وأحمد عبدالمعطي حجازي وجمال الغيطاني، وسواهم، حيث ما يزال بعضهم مستمراً في سياسة ترهيب الثقافة النهضوية، وحرية التفكير، وديموقراطية الاختيار.
ونظن أن تخلي القيمين على حماية المجتمع عن أبو زيد، وكذلك أهل الفكر والمدرسين وزملائه، يدل على مدى انخراط كثيرين منهم في نهج التكفير، والإقصاء، والإنغلاق. فحامد أبو زيد طالب بالتحرر من سلطة النصوص، وكل سلطة تعوق مسيرة الإنسان في عالمنا. وكما قال المفكر اللبناني علي حرب يستهدف أبو زيد بالنقد والتحليل خطاب الوحي، ليجعله مادة لمعرفة عقلانية، مستلهماً موقف طه حسين الذي اعتبره أبو زيد الفدائي الأول في مقاومته للنظرة الجامدة للنصوص الدينية. وهذا يعود الى تبني نصر حامد أبو زيد التصورات العلمانية والمضامين الجدلية للحياة والكون والغيب.. وقد اتهم، وفي هذا الإطار بالإلحاد (وأهدر دمه) بانتهاج الفكر الغربي في تطوير كل شيء حتى العقيدة الدينية.
وإذا كانت أفكار حامد أبو زيد أثارت جدلاً واسعاً عند العلمانيين، وحتى الماركسيين، فإن هذا الجدل أخصب الأفكار المتصارعة، والمتواقعة باعتبارها صراعاً حيوياً بين التعدديات الفكرية، على عكس ما واجهه به بعض المتخلفين، بتحليل دمه، وتهديده، ونفيه!
نصر حامد أبو نصر، يرحل في زمن نحتاج فيه إليه. نحتاج فيه إليه مفكراً عقلانياً، عنيداً، وتنويرياً، وتقدمياً، وخارج التصنيفات الجاهزة. يرحل حامد أبو زيد، وكان استثناء، مع قلة من المفكرين والأدباء والكتاب والفلاسفة، يواجه معهم هذه الموجات التجهيلية التكفيرية المبرمجة والتي لا تصيب فقط الإسلام والمسلمين التنويريين وإنما أيضاً المسيحيين التنويريين، خصوصاً من قبل اليمين المسيحي المتطرف والمهوّد في أميركا وفي بعض أوروبا!
مات المفكر الكبير كبيراً، بل يمكن القول إنه مات شهيد أفكاره، سواء كنت معه أو لم تكن، في زمن تحوّلت فيه الأفكار الى بضائع استهلاكية وتجارية، تسليعية كهذا الزمن المسلع.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.