جريدة لوموند، أعرق الصحف الفرنسية وأهمها، والتي أصابتها، كسواها من كبريات الصحف والمجلات العالمية، الأزمات المالية المتلاحقة، والتحولات الأساسية في طبيعة الإعلام الراهن وتعابيره ووسائله، تحاول إنقاذ نفسها بإدخال مساهمين جدد عليها، من دون المساس باستقلاليتها، وبهيكليتها، وخطها السياسي يسار الوسط. إنها أزمة قراء أولاً وأخيراً. وأزمة إعلانات. وأزمة أزمنة جديدة، تحول فيها كثير من المتلقين، والأحزاب والكتاب والمثقفين والنخب السياسية والعمال والنقابات والمفكرين. كانت لوموند، بملاحقها الأدبية وزواياها والتحقيقات والتحاليل، مرآة حية للقضايا التي تشغل العالم، لا سيما العالم الثالث، من منطق ما بعد استعماري. كانت منبر القضايا الكبرى، التي تشغل الأنظمة، والشعوب. من فييتنام الى القضية الفلسطينية، الى القارة الإفريقية، وآسيا... تتناول فيها الظواهر والمسائل والاشكالات، بحس نقدي (صحافي) صارم، ومتقشف (من دون صور وريبورتاجات مصورة)، وإنساني أيضاً. (وهناك عدة أجيال تربت عليها وعلى لوموند دبلوماتيك، كمرجع ذي صدقية، واعتبار.
كل ذلك باستقلالية تمتعت بها صحف ومجلات أخرى (غير حزبية). ونظن أنه بهذه الاستقلالية، التي تعني التعددية في مقاربة الأمور، ظلّت لوموند تمثل الضمير الإعلامي في فرنسا، كتجربة طالعة من الديموقراطية المفتوحة، ولكن خارج الانحيازات الضيقة. هذه الاستقلالية المهددة اليوم هي التي تشغل القيمين عليها، وكذلك القراء الذين ينتمون الى مختلف الاتجاهات. الاستقلالية إذاً. الحرية إذاً. الديموقراطية إذاً، ولكن الوطنية في كل هذه الحالات، والمهنية كأساس.
انطلقت من المشكلة التي تعانيها لوموند في وجودها المتعرض للاهتزاز: الاستقلالية، الحرية، الديموقراطية والوطنية، والأهم احترام القارئ الفرنسية وكل قارئ من خارج الحدود. كأن فقدان هذه العناصر يعني فقدان الجريدة. إذ ماذا يتبقى من منابر إعلامية وميديا ووسائل اتصالات إذا كانت رهينة فئوية (تصبح منبراً فئوياً)، أو حزبية، أو إيديولوجية، أو سلطوية، أي تكون صدى أو بوقاً أو قناة أحادية لكي لا أقول أداة توتاليتارية. بمعنى آخر، أسوأ ما يواجهه الصحافي في مهنته أن يتحول موظفاً، مجرد موظف، أو باشكاتباً ينتحل صفة الصحافي، أو مجرد مرتزق ولو على حساب الحقائق الكبرى، والأوطان، ومصالح الشعوب. وماذا ينفع أي صحافي إذا ربح الدنيا كلها وخسر الحرية، والاستقلال، وحس العدالة: أي كائن هذا الذي، من أجل حفنة من المال، أو رقعة من السلطة (أي سلطة)، أو أي جاه، أو أي منصب... يتخلى عن سبب وجوده، خصوصاً إذا كان مفكراً، أو شاعراً، أو فناناً، أو محللاً، أو خبيراً، أو مديراً أو نفراً. لا شيء!
أن تكون حراً في الصحافة لا يعني أن تتمتع بحرية بيع مبادئك، أو أن تغيرها بما يتلاءم والمنابر التي تنتقل إليها، فتفقد بصَمْتك ونزقك، واختلافك. وصدقيتك. فالحقائق الكبرى وُجدت لكي يكون حاضراً من يُعبّر عنها، ولو على حد السيف، ولو في زمن الخطر (آه! ما أجمل الخطر، ومن يمكن أن يكتب أو يشعر أو يعمل صحافياً أو شاعراً إذا جافى الخطر وعانق السلامة. السلامة والأمان مقابل القضايا والوقائع والمواقف الخطرة. والشعر هو أقصى الخطر سواء بتعابيره السياسية أو اللغوية: اللغة هاوية).
نتذكر هنا مئات الصحافيين (والمصورين) الذي استشهدوا من أجل هذه الحقائق. فالحقائق تحتاج الى من يدافع عنها، وينقلها، ويؤتمن عليها. ونتذكر في المقابل ضروباً من المثقفين والصحافيين الواقعيين بحكم الحاجة كذريعة فلا يرون في العمل الصحافي سوى مهنة أو حرفة أو تجارة أو ارتهان بأي جهة تدعم، وإن دكتاتورية أو فاشية أو مجرمة أو قامعة أو جلادة أو سجانة شعوبها، أو فاسدة.
فالصحافة، سواء مرئية أو سمعية أو مكتوبة، هي الأداة الأولى للديموقراطية المباشرة. وهي الأداة الأولى للتواصل مع الناس، والدفاع عنهم، وهي من الخطوط الدفاعية عن القضايا الوطنية والتحرير والسيادة والاستقلال. وجريدة لوموند الفرنسية، باستثناء بعض الإنزلاقات في بعض أقلامها، لعبت، مع سواها، دوراً أساسياً في الانخراط في معارك الحريات، والهموم الشعبية، وتقويم الانحرافات، والتزام حقوق بعض شعوب العالم الثالث أو ما يسمى الجنوب وما كان لها أن تحقق ذلك (أو تحاول) لو لم تكن عندها هذه الهوامش الرحبة من الاستقلالية، وما تتمتع به من وضوح في مسائل الالتزام، والتعدد في مقاربة الأمور. ويعني ذلك أيضاً عدم خضوعها لا للعبة الشعبوية ولا الابتزاز ولا امتهان ركوب الموجات، أو التنازل عن المستويات المحددة، ولا الوقوع في أحادية فكرية أو سياسية أو إيديولوجية. صحيح أنها تنحو خطاً يسارياً معتدلاً (يسار الوسط مع لو نوفيل أوبسرفاتور) مقابل اليمين المعتدل (لو فيغارو) أو لو بوان، أو حتى الاكسبرس، على إيقاع يساريي حركة 68 التي تعزفها لا ليبراسيون...
ولكن هذا لا ينفي تعددية مطارحاتها، أو موضوعية معالجاتها وتحقيقاتها، ولا طليعية مواكباتها ولا انفتاحها على ما يمكن من المواقع المختلفة لكن بالحدود التي لا تسمح بتشوّش مواقفها، أو بخيانة منطلقاتها، ولو شكّلت مثلاً القضية الفلسطينية في بعض محطاتها، نقطة ضعف في موضوعيتها وصدقيتها، لانحياز جائر الى العدو الصهيوني شأنها شأن منابر أخرى، شكلت مواقفها عاراً على الصحافة الفرنسية، كمثل بعض مواقف مجلة الاكسبرس مثلاً.
لسنا هنا في معرض مراجعة سياسات الجرائد والمجلات الفرنسية، ولكن توقّفنا عند لوموند ارتبط بالأزمة المالية التي تعانيها، وبحثها عن ممولين لإنقاذها، وتهافت بعضهم على الحصول عليها، وهاجس القيمين عليها، الجمع بين عروض الإنقاذ وبين المحافظة على الاستقلالية، لكي لا تلقى مصير زميلات لها في إيطاليا وأميركا وإنكلترا، التي فقد بعضها، وبسبب الأزمات المالية التي عصفت بها، ومحاولات إنقاذها، فقدت الكثير من دورها، واستقلاليتها، ومن موقعها، ومن سبب وجودها. ونظن أن جوهر المسألة، في الصحافة عموماً، يتمثل بين أن تكون مستقلة، حرة، أو لا تكون، حتى في الجرائد الصفراء فما بالك بمنابر تاريخية ساهمت في إرساء الديموقراطية، والمجتمعات المدنية، وأدواتها، وتعدديتها، وتناقضاتها. إنها لعبة الأمم، أحياناً. ربما. لكنها لعبة الاختيار في النهاية. وبالقدر الذي تختار الوسيلة (قلت الوسيلة وليس الغاية)، أهدافها، بقدر ما تحدد مفاهيمها، وخطها، ونهجها، وأفقها، أي فضاءها الاستقلالي. وبقدر ما تحاور هذه الوسيلة الواقع، أو السلطة، أو القوى، أو الأنظمة، أو الدولة، تحدد فاعليتها. وعندما نقول الحوار فيعني النقد، والمعارضة، ومواجهة الأمراض الدكتاتورية، والاجتماعية، والعنفية، لتتماهى برسالتها الأساسية، أي بمنطلقها ودورها المفترض، والمطلوب، أي لتتماهى بوجودها. فأي وسيلة هذه، يمكن أن تسمى موجودة (في ذاتها) وهي تنطق باسم نظام فاشي، قامع، او استبدادي. فهي إذاً وسيلة هذا النظام، وتشبهه، وهي إذاً، تُعتَبر عدوّاً للناس، وللحقوق، وللعدالة، وللضمير. فجدوى مثل هذه الوسائل كجدوى السجون والمعتقلات، بل هي لا تختلف عن السجون والمعتقلات. وأي جدوى بجريدة (غربية أو عربية) إذا غطت الجرائم والمذابح والمجازر بفعل مواقعها أو ارتباطاتها، فجدواها في أنها تشارك في الجريمة. فهي مجرمة، تشبه المجرمين والقتلة من أهل الأنظمة والمؤسسات والأحزاب. وماذا ينفع المال والجاه والسلطة لذوي تلك المنابر، إذا كان مكدساً على دماء ناسهم؛ إنهم مصاصو دماء لا أكثر ولا أقل. أو لم يكن كثير من الوسائل الإعلامية المرتبطة بالأنظمة الدكتاتورية عندنا (بإذنه تعالى) وعند غيرنا... مجرد ذرائع للأنظمة التي قامت وتأسست على القتل والانقلابات والمشانق والإعدامات والإرهاب والترهيب؛ إنها جزء من أدوات السلطة المطلقة. لكن المشكلة ليست في مثل هذه الأنظمة، أو جوارها، بقدر ما هي ظاهرة تكاد تكون عمومية، وهي سعي البعض، الى موازاة هذه الوسائل، بأي نظام، أو بأي مرجعية، توفر له، وجوداً مصطنعاً، أو على الأقل وجوداً مستمراً، وإن على حساب كل شيء: فبقاء الجريدة، أو المحطة التلفزيونية، أو الإذاعية، بالنسبة للقيمين عليها أهم من بقاء المبادئ، وحتى الأوطان، وحتى المصالح الشعبية... بل وحتى المصير نفسه. فهل يمكن تسمية كل ذلك هدايا ديموقراطية مسمومة، أو معلبات إعلامية موبوؤة..؟ ربما! ولكن كيف يشعر هذا القائد الميدياوي عندما يقبل أن يكون تحت سلطة ما، سلطة مخابراتية، أو سلطة خارجية، أو سلطة مافيوية أو بوليسية، تملي عليه مواقفها وترسم له شكل التواطؤ، حتى في المانشيت الرئيسية الإذاعية أو التلفزيونية أو المكتوبة؟ ماذا يبقى للصحافي عندها من إرث الصحافي سوى أنها محطة من محطات الترقي المادي أو السياسي، والانحطاط الوطني والمهني والأخلاقي. لا شيء إذاً. وعندها يمكن أن يكون للمنبر المرتبط اثر أو لا يكون: لكن الأثر يأتي بمردود مخيف يتصل بمصالح الشعوب والوطن. فأحياناً الوطن كله مقابل المنفعة! أف! أإلى هذا الحد تبخس الأوطان؟ وأحياناً القضايا الكبرى مقابل حفنة ما. أف! أإلى هذا الحد ترخص أحياناً القضايا. وأحياناً الحرية بكل أحلامها مقابل خدمة السلطة. أف! أإلى هذه الدرجة ترخص الحرية عند الذين يفترض أن تشكل الحرية سبب وجودهم. فوجودهم أحياناً (أقصد هؤلاء) مقابل مردودات باطلة. فما أرخص وجودهم. وماذا سينفع المال أو الجاه أو المنصب إذا انتفى الوجود نفسه: ولهذا يتحول الإعلام عند هؤلاء وعند بعض الأنظمة الى شبح أو الى آلات جهنمية، أو الى وحول متحركة يغرقون فيها ولا من منقذ.
والواضح أن لوموند شكلت في أزمتها الراهنة صدمة كبرى للناس. كأنما برج إيل كرمز مهدد. صدمة أصابت المثقفين أصابتها لعموم الناس. ذلك لأن هذه الأزمة، وإن كانت جزءاً من الأزمات التي تعيشها الصحافة المكتوبة في العالم، فإنها، مع لوموند (وسواها من الصحف الأوروبية والأميركية العريقة)، كأنما تشكل منعطفاً تاريخياً في أحوال الديموقراطية وأدواتها الحزبية والسياسية والنقابية والثقافية. كأنما المطلوب، هو الانخراط في لعبة التخلي عن القيم الحية، وحرية الاختيار، والاعتراف بالتعدد، والى نوع من الشمولية التعبيرية، أو التوتاليتارية الديموقراطية المدموغة بما هو سائد في الميديا والشاشات الصغيرة والإنترنت: أي إضعاف التمايزات التي ترتكز على الزوايا الحادة في النقد والمواجهة، وبالوسائل التعبيرية الخاصة، وإغراقها في ما يسمى مجتمع الفرجة والاستهلاك، والاستسهال، وابتلاع التوجهات والتوجيهات القطبية. إنها ستالينية ليبرالية جديدة، من الصعب، لكي تنمو استراتيجياتها الرأسمالية المتوحشة وبضائعها عابرة القارات، ومصارفها، ووحوشها المالية، ومظاهرها الخلابة البراقة والاحتفالية، هذه الموبقات، وأشكال الاستغلال والبربرية. يريدون من الصحافة المكتوبة أن تتكلم بلغة الترفيه، أو بلغة خالية من الاعتراض، أي خالية من أي رفض يسارياً كان أم غير يساري. إذا كانت لوموند وسواها من إرث الحداثة التنويرية، وصراع الأفكار والإيديولوجيات والطليعيات والاجتراحات، فإن المطلوب منها أنه تنضم الى ما يسمونه زمن ما بعد الحداثة أو زمن ما بعد نهاية التاريخ أو زمن ما بعد الديموقراطية المتعددة، أي زمن انعدام الاستقلالية الفردية، أو الجماعية.
من هنا يتمسك الناس بهذا المنبر، لا لأنه جزء من الإرث فقط، بل لأنه امتداد للزمن التنويري المحاصر بظلامية الاستبداد والتعصب والعنف والاستغلال والرق والمتاجرة بالقيم الإنسانية (حتى بالأعضاء البشرية والأطفال والفقراء).
أما نحن، فيبدو أنه بقدر ما يناضل المتمسكون باستقلالية الصحافة في فرنسا وسواها، نناضل مع من يناضلون، من أهل القضايا، والعروبة، والأديان، والطوائف، والمذاهب، والإيديولوجيات، من أجل البحث عمن يرفدهم، لا للتحرر من التبعية، بل من أجل التحرر من الاستقلالية. وعلينا منذ الآن فصاعداً، مراجعة وقائع الصحافة اللبنانية لا من حيث مهنيتها، ودورها التاريخي، بل من أجل التساؤل: ماذا فعلت الصحافة المكتوبة (وسواها) في زمن الحروب وحتى اليوم: وهل ستبقى جملة شارل حلو المشهورة مناسبة عندما وجهها الى وفد صحافي كان يستقبله أهلاً بكم في وطنكم الثاني لبنان. هذا إذا بقي وطن أو لبنان بوجود كل هذه الارتهانات السياسية والإعلامية والمذهبية والثقافية!
كيف لمنابر غير مستقلة أن تبني وطناً استقلالياً. وكيف لمنابر ترتبط بأنظمة دكتاتورية أن تتكلم عن الديموقراطية. وكيف لمنابر ملتزمة إثارة الصراعات الطائفية أن تشهر علمانيتها أو عروبتها أو قوميتها. وكيف لمنابر تزحف تحت السقوف الواطئة أن تتكلم عن فضاءات الحرية؟
بهذا المعنى كان لنا أن نقارب أزمة لوموند وحرص أصحابها على استقلاليتها! مفهوم؟ مفهوم! براو!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.