ومتى لم تهدّدنا اسرائيل، لكي نفاجأ اليوم بتهديداتها؟! ومتى لم تعتدِ علينا اسرائيل حتى نفاجأ بعدوانها علينا؟! ذلك أن وجودها بالذات هو تهديد. كذلك التنين الاسطوري المرصود الذي لا يترك أحداً من شره. أو تلك الوحوش المختارة، المنهوشة بسمومها، المفتونة ببراثنها، المحتفلة بالدماء التي تمتصها. إنها الوحوش التوراتية، وما أشرسَ الوحوش الطالعة من كهوف المعتقدات والأعراق الصافية، والأديان المستغلة ذرائع أو شعارات أو أحلاماً أو طموحات أو امبراطوريات أو أوطاناً أو أحزاباً أو جيوشاً أو أنظمة او هياكلَ. انها الفياصل التي تقطع بين النور والنور ظلمتين. المفرقة بين العين والعين عماءين. ولذلك، عندما يكون لأيديولوجيا ان تكسر العالم إلى شقفتين، لها البياض ولسواها السواد، لها المطلق خيراً ولسواها المطلق شراً، معلنة حرب المطلقات واليوتوبيات (والشموليات والجواهر)، يقال إنها مداراتها ومركزيتها وعمقها من عناصر الأديان والغيوب. واسرائيل اكثر مَنْ تحتضن هذه المواد الأولية التي تصنع منها كائناتها الجهنمية تفلتها، باسم انها المختارة والمميزة، عند الله (الذي جعلته ايضاً من مختاريها ومتاعها ومن لوازمها ومتعلقاتها). فكيف تواجه منطقاً انسانياً بمقدّس؟ وكيف تحاور شعباً، هو أصلاً، لا يعترف بسِوى انه المصطفى وبأنك المُنتفى، وما بين المصطفى والمُنتفى ما بين الانسانية الهشة، والمطلق المغلق: ذرة تواجه الكتلة. نقصان يواجه الكمال الالهي؟!. ولأن اسرائيل من أهل الايمان النقي (يا للرعب) والفوقي، (يا للاستكبار) فمن الطبيعي أن ترسم لها حدوداً غير معلنة، هي حدودها الدينية. (راجع سفر التكوين) ، تماماً كما كانت الممالك والامبراطوريات والأنظمة التي كانت رسماً مطابقاً لتراتبيات السماء: من الاله المطلق إلى الجنود الملائكة، إلى الجنات إلى النار، فإلى تدمير الكائن الانساني، ليعامل كعَدَم ، أو كشيء، أو كذبيحة في هيكل الأنظمة، أو المؤسسات أو الكهان والمشعوذين، وأدعياء التقديس، والعصمة، وصولاً إلى القتل. ذلك ان اسرائيل، قد تكون، (ربما لماماً) مزيجاً من الأخناتونية (يقول فرويد إن موسى هو وارث أخناتون آخر الفراعنة الذي كان يعين الله التوحيدي لأنه كان فوق الله. وهو النسب الأول للتوحيد. هكذا يقول فرويد، وهو اليهودي الذي اتُهم بمعاداة السامية، وهناك، اليوم، حملة في فرنسا لتدمير صورته، ويمكن مراجعة كتاب الفيلسوف ميشال أونفراي الذي يدأب فيه على تحطيم أسطورة رائد التحليل النفسي) المهم أن اخناتون وبعبقرية الأواخر، وبلحظات الغروب أسّس كما ورد عند كثيرين للأديان الموحدة. (هكذا يقال)، لكن الفارق أن اخناتون كان يعين بنفسه الإله كما يعين اليوم الأئمةُ والحُكامُ رؤساءَ وزرائهم. انها البرهة الدينية التي حاولت وضع حد لما كان يسمى الوثنية (تعدد الآلهة) وبين التوحيدية (اله واحد لكل العالم).
هذه البرهة الدينية كان لليهود (بملمومات توراتهم من حضارة الرافدين والفراعنة والمنطقة: ما علاقة نشيد الأناشيد بالمناخ الديني: انه كتاب رائع لكن غزلي (ينسب إلى سليمان)، تأثر فيه شعراء من العالم ومن عندياتنا وبلدياتنا وبلديتي بشكل فاضح) ان يقطفوها، قبل غيرهم: قبل المسيحية، والاسلام... لكن لتكون ايضاً فاصلاً جديداً بين هذه الأديان التوحيدية الثلاثة. بعض المفكرين اليهود وغيرهم يزعمون ان اليهودية ام الديانات التوحيدية متجاوزين ما برز قبل نشوئها. وآخرون من المؤرخين اليهود ينفون حتى وجود موسى ويعتبرون انه شخصية وهمية. إن هناك عدة موسوات انتحلوا اللقب في تلك الأزمنة. بل وهناك المؤرخون اليهود الجدد الذين يدحضون فكرة ان اليهود طردوا من مصر. وأكثر: ان اليهود لم يكونوا في مصر أصلاً لكي يطردوا! اكثر: يعلقون على ما جاء من ان 600 ألف رجل يهودي هربوا الى سيناء من الاضطهاد الفرعوني ويعني انه اضافة إلى 600 ألف رجل هناك نساء وأطفال... بما يضاعف هذا العدد: أي مليون وأكثر. فهل هرب من مصر مليون يهودي وإلى سينا؟ وتعليقاً، يقول بعض المؤرخين اليهود الجدد، إن حكاية الهروب من الفراعنة إلى سينا كمن يهرب من واشنطن الى نيويورك هرباً من النظام الأميركي باعتبار ان كل المنطقة آنئذ كانت تحت سيطرة الامبراطورية الفرعونية. كل ذلك قد يعنينا ولا يعنينا. وقد يكون كله من باب التشعير أم التبصير أم التكهن. ولكن اذا كانت المكونات التاريخية التي تشكل ذريعة لاسرائيل، في ادعاء تميزها الديني وتفوقها العرقي على سائر البشر، فما يعني هذا التشكيك الذي يفصل بين الاسطوري والديني والدينوي والعقلاني والمنطقي؟ وماذا يعني سوى تفكيك هذه المكونات (اللاتاريخية أصلاًَ، وربما اللادينية) لصنع اسطورة هذا الشعب من ناحية واستخدام هذه الأسطورة العجائبية الغرائبية من استراتيجية تقوم على الحق الالهي لتأسيس الدولة العبرية، واحتلال ارض الآخرين (أرض بلا شعب!) وزرع كيان على انقاض وطن فلسطيني وفرض شعب من لمام العالم مكان شعب أصلي، كمن يقتلع الجذور ليزرع طحالب. ونظن أن هذه الروح المتوحشة، العدوانية، السادية، (وحتى المازوشية الذات تدميرية: نتذكر حكاية شمشون وعليَّ وعلى اعدائي يا رب!) أصولها وفصولها دينية. هذا اذا كان الدين مصدراًَ ميتاً لا ينجب سوى الموتى، وآلة قاتلة لا تنجب سوى القتلة، وقد شهدنا وخبرناهذه الكيميائية العرقية الصافية المنتوجة على كيميائية عدمية، كيف، وعبر 62 عاماً من قيام دولة الكيميائيات العرقية والأثنية، تأسست الممارسات (وكأنها من محصلة غرائزية: الدين يصبح غريزة الالغاء)، وتراكمت الرؤى وأعلنت الحروب وارتكبت المجازر وبنيت المستوطنات وهُودّت الأراضي والهواء والنبات والتراب (في فلسطين وفي الجولان!) بمعنى آخر، كأنما الكيان الاسرائيلي الاحتلالي ومن تكاوينه التاريخية والخرافية لا يمكن الاّ ان ينتج ما أنتجه: انها عناصره المكونة التي تجعل منه وارثاً للامبراطوريات الطغيانية التقليدية، وكذلك وارثاً للأنظمة العنصرية (النازية والفاشية والستالينية) تحت عنوان الصهيونية صيغت على اساس فكري حداثي (تأملوا)، وعلماني (تأملوا) واشتراكي (تأملوا) وديموقراطي (تأملوا!) لاستدرار اعجاب الذين فرضوا الكيان من أهل الغرب، باعتبار انها الدولة الحضارية الديموقراطية الوحيدة في المنطقة. كأنما للتزويق مثل هذه الشعارات التي تُنَصّب اسرائيل نفسها، عبرها، معادية للأصولية. اف! اسرائيل ضد الأصولية؟ وهي دولة أصولية! رائع، ودولة حديثة وهي قائمة على خرافة شعب الله المختار وديموقراطية؟ وهي ترفع التهويد الديني كأساس للتفرقة العنصرية؟ وعلمانية؟ وهي من متجذرات الظواهر الغيبية. وعندما يقال اليوم، في الغرب، ان اسرائيل تعيش ما بعد الصهيونية أي ما بعد المبادئ الغربية نفسها فكأن هؤلاء الذين يرثون الصهيونية، يصدقون فعلاً ان الدولة العبرية آمنت بتلك المبادئ! غريب! اذ كيف يمكن لدولة بهذه المواصفات الحضارية ان ترفع مداميكها على القتل والاغتيال (تماماًَ كما بعض الأنظمة العربية المظفرة!) وكيف يمكن وباسم الدفاع عن نفسها (جيشها العدواني يسمونه جيش الدفاع الاسرائيلي!) ان تصبح أكبر قوة نووية في الشرق، وأكبر ترسانة حربية تتفوق وحدها على كل البلدان المسكينة الهزيلة حولها! فهل ان دفاعها عن نفسها يدفعها إلى سرقة المنازل، ومصادرة الأراضي وتهجير الناس من أرضهم وإحراق المحاصيل، وزج المناضلين الفلسطينيين بالألوف في سجونها، وارسال التهديدات إلى كل من في جوارها والأبعد؟. وهل يكون دفاعها عن نفسها باستمرار احتلال الجولان (أين انت يا جولان!) ومزارع شبعا واستمرارها في توسيع خططها الاستيطانية؟ وهل وصلت بعد 62 عاماً من اغتصاب فلسطين (تسمية ذكرى الاستقلال! طبعاً الاستقلال عن البشرية والانسانية!) وعبر كل الحروب التي خاضتها مع جيرانها، وأشكال العدوان التي ارتكبتها والارهاب الذي زاولته كمهنة يومية والتفوق العسكري الفاضح وامتلاك الرؤوس النووية... هل توصلت إلى حماية نفسها، وإلى شاطئ أمانها وإلى الاستقرار والاطمئنان؟
في مقالة لافتة في يديعوت أحرونوت 25/4/2010 ترجمة عباس اسماعيل، جاء أقيمت دولة اسرائيل لكي تكون شاطئ أمان للشعب اليهودي، لكن يبدو منذ اقامتها شكلت بالتحديد المكان الوحيد في العالم الذي يلقى فيه اليهود حتفهم باستمرار خلال مواجهات عسكرية أو هجمات ارهابية (تحريرية).(...) وتضيف المقالة: أجيال من عملية التزود بالعتاد والسلاح من دون توقف، تحولت اسرائيل خلالها إلى قوة اقليمية عظمى مع جيش هو الأقوى في الشرق الأوسط، لم تبدد مخاوفها. لذلك، كما تضيف المقالة، فالدولة التي اقيمت من أجل ان لا تقع محرقة جديدة هي المكان الوحيد الذي يجرؤ فيه سياسيون محليون على توجيه التهديدات على مسامع اليهود من محرقة اضافية. وفي النهاية تقول المقالة: في الحقيقة ان غير المتعصبين يمكنهم تقديم جواب عن السؤال: لماذا العيش في اسرائيل؟
اذاً، من السهل أن تفهم ما وراء هذه المواقف من قِبل الشرائح غير المتعصبة في اسرائيل من قلق وخوف من المستقبل (وهذا ما اشارت اليه قبل أربعة عقود الفيلسوفة حنا ارندت بعد تأسيس الكيان الصهيوني) وعدم اطمئنان، فكأن الأساطير المؤسسة ونحن شعب الله المختار وأرض الأنبياء... لم تعد تنفع. هناك واقع جغرافي لا يخدمها. وهناك واقع تاريخي يبز ذرائعها باستمرار.. وهناك تفاقم مستمر بينها وبين محيطها، تواجهه بمزيد من العدوان والجنون مدفوعة بنظرية التفوق العرقي الذي برع في صياغته هتلر. بمعنى آخر، كلما توسعت اسرائيل في عمليات التهويد والاستيطان والنفوذ ضاق بها كانتونها. فمن صفات الكانتون (وقد عشنا هذه التجارب في الحروب الماضية وما زلنا نعيشها: تداول في تجريب الكانتونات الطائفية شرقاً وغرباً وجنوباً وجبلاً، بحمده تعالى) الانغلاق، وتضخيم المخاوف والانعزال (اسرائيل اكبر دولة انعزالية في العالم!)، واتباع سياسة العدوان وخلق عدو مستمر وشحن الشرائح وتصعيد المشاعر والغرائز الدينية والعنصرية.
انه انتحار بطيء. كل تجربة كانتونية هي انتحار بطيء او مؤجل (هذا ما حصل عندنا قبل اربعة عقود، وما سيحصل لاحقاً مع أهل الكنتنة!).
فهل يعني ان اسرائيل ومن خلال هذه الاعتراضات الداخلية على جنونها، ومن خلال الانتقادات التي توجهها اليها بعض الفئات اليسارية وغير المتعصبة سترعوي؟. على العكس، فالمناخ التراكمي منذ اكثر من 60 عاماً صبّ في النهاية عند المتعصبين، وباتت اسرائيل في مجملها تعيش تعصباً أعمى، وحالات عنف مَرَضية. ويكفي ان يصعّد مثلاً نتنياهو أو ليبرمان لهجتهما ضد الفلسطينيين والعرب ويأمرا ببناء المستوطنات حتى ترتفع شعبيتهما: فالشعبية ميزانها اليوم، وأمس الدم: دم الآخرين. اقتلْ: ترتفع معدلاتك في الاستطلاع. هَدِّم منازل للفلسطيين أو أسرقها أو إنهبها تغفر لك كل ذنوبك، وسِّع الاستيطان والتهويد تتألقْ في نفوس غالبية اليهود! فأين هي المسافة المفترضة بين الحكم وبين الشعب؟ لا شَيء! الحُكم الاسرائيلي مرآة الشعب. وقد تفاقم هذا الأمر بضعف المعارضة الداخلية وتراجع الأحزاب اليسارية وحتى الاعلام المناهض. صارت اسرائيل اليوم (كما كانت برغم بعض التزويقات التي اشرنا اليها، دولة القطعان المتناسخة، المتشابهة المسوقة إلى ذبح الآخرين وذبح نفسها! فهل يكون لهذه القطعان المغيبة بأساطير التوراة والتلاميد والأعمدة... ان تهتدي الديموقراطية او الانسانية... أو حتى الرحمة؟ أتكون جمعية من المتعصبين الجامحين في كراهيتهم وسوادهم ووحولهم وغرائزهم القاتلة هي الصورة المقلوبة لهذه الدولة والمنقلب والمنحدر؟.
وتسأل: وهل ان التهديدات اليوم لتظهير هذه الصورة النيجاتيف، ملامح أخرى؟ وهل إن الاستمرار في اتباع سياسية التخويف ليس سوى نقل خوفهم إلى الآخرين؛ وهل ان قرع طبول الحرب كل مرة، وتزامناً مع تمادي الكيان بالعدوان والقتل لتحويل الأنظار إلى أمكنة أخرى، ونقل المعارك إلى ساحات أخرى وتمزيق المنطقة. ام ان هذه الدولة (ومن يدري فقد تكون بعض أنظمتنا من حماتها السريين! أو هي تحمي بعض الأنظمة بطريقة صوفية! الناس تعرف يا أخوان!) وبالتواطؤ مع بعضهم من هنا وهناك ومن باب تقاطع الأضداد (لفظياً) تهيء ضربة للبنان، ضربة توراتية لهذا البلد، قد تكون اقسى وأشرس من عدوانها في تموز. ام انها تبعث اليوم برسائل (التهديدات) إلى أوباما وأوروبا... وسواهما، إما لتوريطهما او لتهديدهما كذلك. من يدري! فإسرائيل كبرتْ براسها ومَنْ تكبر براسو... الله يستروا! (الشعراء عندنا الذين كبرت براسهم... عليهم السلام والتحية والأمان: فاعجابهم بأنفسهم يعفيهم من مشقة التعب والابداع!). اذاً اسرائيل اليوم وبرغم كل ازماتها الداخلية، وعزلتها وتناقضاتها تقول ما زال الأمر بيدي لكن يبدو ان الأمر هذه المرة... سيفلت من يدها، ويدها ستفلت من الأمر... خصوصاً اذا خاضت مغامرة (ستكون حتماً عندنا لا عند غيرنا... بتشارطوا؟ لأن غيرنا موجود عندنا بإذنه تعالى والله على كل شيء قدير!).
واذا كانت تسربت أخبار من ان اسرائيل ستخفض أو توقف الاستيطان في الضفة مؤقتاً، واذا كان أوباما طلب من الفلسطينيين والاسرائيليين التفاوض على هذا الاساس فهذا يعني ضمناً ان التهديدات مستمرة، والسياسات العدوانية مستمرة. واذا توصل الفلسطينيون والاسرائيليون إلى صيغة اتفاق ما... فنظن ان عندنا في المنطقة من يتعهد دورها في خربطة أي توصل إلى سلام!
هناك دول ومنها اسرائيل لا تعيش الاّ على خراب الآخرين ومآسيهم! فهل يمكن ان يتجنب دراكولا (مصاص دماء) عنق حصان... أو عنق طفل... من أنيابه؟
مع هذا سيبقى السؤال الذي يطرحه بعض الاسرائيليين غير المتعصبين سارياً: لماذا العيش في اسرائيل؟ في مثل هذه الاسرائيل؟
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.