13 نيسان 1975 تاريخ بين تواريخ عاشها لبنان أو عاناها. محطة بين محطات. منصة حرب بين منصات حروب. ويمكن في هذا الإطار تحديد أيام أخرى في الماضي تشبه 13 نيساننا 1975. من 1845 إلى 1860. إلى 1958. إلى 1969. وتالياً إلى 1967 و1973 و1979 و1982 و1989 و2006 و2007 و14 شباط 2005.... وهذا يعني أن تواريخنا التي تسجل اندلاع صراعات، متشابهة، كأنها من عنوان مسلسل واحد يمكن أن نسميه اليوم 13 نيسان. أما بوسطة عين الرمانة فهناك ما يوازيها في الخلاف على لعبة الكلة في بيت مري في منتصف القرن التاسع عشر التي انطلقت منها شرارة حرب طويلة بين اللبنانيين. يعني، يكفي ايجاد عود ثقاب واحد لكي يَشتعل حريق وتستيقظ الفتنة، وتجري الدماء، ويظهر وجه اللبناني البشع الذي لا يقل بالطبع بشاعة عن اللاعبين الكبار سواء كانت دولاً، أو أنظمة، قريبة أو بعيدة، مستعمرة أو متبنية حماية هذه الطائفة أو تلك. بالأمس كان عندنا العثمانيون تمددوا علينا قرابة 500 عام. ومقابل بني عثمان كان عندنا دول استعمارية ومقابل أخرى عندها الطموحات والمطامع وتبحث عن موقع نفوذ في صراعاتها: فكان عندنا الفرنسيون والانكليز والنمسويون والروس. أي كان الصراع الأوروبي الاستعماري في سباقه الخاص، في لعبة الانتداب، وفي مواجهة الرجل المريض أي تركيا. من هذه الصراعات والحروب والمعارك والمعاهدات لم يكن للبنانيين سوى أن يتحولوا أدوات تستجلب هذا الاستعمار أو ذاك؛ وتظن انها تستجلب استقلالها، أو أمانها، أو مصلحتها.
وكم من 13 نيسان عرف اللبنانيون في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، قبل أن يأخذوا الاستقلال الأول، وتدخل أميركا على الخط بعد ضعف أوروبا (الحرب العالمية الثانية) وتسقط فلسطين في أيدي الغزاة الصهاينة. وتحول الصراع وتبدل أقطابه، وكنا على موعد مع 13 نيسان عربياً: أي هزيمة 1967. وما بين 1948 و1967 (لا ننسى حروب اليمن)، 13 نيسان آخر. (أحداث 1958). فمن نكبة فلسطين إلى نكبة لبنان إلى نكبة العرب. كان المنتصرون الوحيدون فيها من غير العرب ومن غير اللبنانيين، فكأنما كان من أقدارنا ان نُمنى بالنكبات قبيل الاستقلالات العربية وبُعيدها. حيث كان الشعب في زمن الوصايات والانتدابات سليب الوجود (ما عدا بالطبع عندما كان يقاوم ويجاهد)، استمر، بعد الاستعمار، في هذه الحالة. فالاستعمار كان وليد 13 نيسان استعمارياً. وأنظمة الاستقلال كانت وليدة 13 نيسان استعمارياً. وفي هذا الخضم من الشهور الربيعية الملتبسة، مستولدة الهزائم والانهيارات كان لبنان: كقطعة من هذه القطع. أو كمنصة من هذه المنصات. وما عمّق وضعه هذا ان كل المعطيات التي استغلها الاستعماريون على مدى قرنين ليجعلوه ساحة لصراعاتهم عبر نقاط ضعفه أي الطائفية المذهبية، جرى شحنها وتجديدها، وتعميقها، تغطيها شعارات عروبية، أو ثورية، أو لبنانية عنفوانية، أو مقاومات بالجملة تفرخ هنا وهناك، أو شرق اوسطية وعبر هذه الأقنعة التي فبركتها اسرائيل (بعد قيامها) والأنظمة العربية بعد تمكنها من شعوبها، واسترسالها في الحرص على شعارات من لغات خشبية ومعدنية.
إذاً يوم 13 نيسان اللبناني 1957 جاء عبر هذه النيسانات العربية. من نيسانات الهزائم إلى نيسانات القمع. إلى نيسانات التآمر. إلى نيسانات القبول. إلى نيسانات الصراع الأيديولوجي والعائلي والسياسي... (صراع على النفوذ والسلطة)، إلى نيسانات الوصايات المتعاقبة والمتشابكة والمتواجهة، لتُنجب ما انجبت بعدها، من تداول هذه النيسانات بين الطوائف (باتت محميات خارجية بسبب ارتباط أحزابها وقياداتها) عندما صُنِعت لكل طائفة حربُها الخاصة منذ 1957، لتتتالى وبالوسائل ذاتها، والمجازر ذاتها والعمالة ذاتها واعلان حروبها المجنونة ذاتها. فكان (بحمده تعالى) لكل طائفة حربها وشعاراتها وأموالها وأسلحتها وجمهورها وشهداؤها ومقاوماتها (كل حرب من الحروب الطائفية عندنا أنجبت مقاومتها!): سيناريوات متشابهة لا تختلف إلاّ بتغير الأدوار الخارجية وكأن كل مرجعية خارجية (تماماً كما حصل في القرنين الماضيين) لكي تحتل رقعة نفوذ عندنا ان تتبنى طائفة ما. أو حزباً ما، ليكون لها التبرير الشعبي الشرعي أو الأيديولوجي لتقسم الشعب إلى مقاتلين وقتلة ومتصارعين. وما كان بمقدور هذه المرجعيات الخارجية (أميركية، اسرائيلية، أوروبية، عربية) ان تقنع الجماهير بأحقية قضيتها وأهمية نضالها (ضد طوائف الآخرين) إلاّ بالمجازر، (13 نيسان) أو بالتهجير (الجبل، النبعة، الدامور) وإلاّ بحروب التصفية بين أهل الخندق المذهبي الواحد. لتكون المرجعية الخارجية عبرهم أحادية في الداخل. (وكلنا يعرف ما حصل من قتل في مثل حروب الطائفة الواحدة منذ 1975 وحتى اليوم. ولن يكون لنا ان نتذكر أسماء هذه المذابح لأنها معروفة شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً وبقاعاً! بحيث يصعب القول إن طرفاً من الأطراف الميليشيوية والمسلحة على تعدد مسمياتها لم تُلوّث ايديه بالدم. وطبعاً بالمال. ونكاد ننسى المال كعنصر أساسي من عناصر حروب 13 نيسان المتعاقبة: مليارات الدولارات ضُخت لادامة الصراع الداخلي، والحاق أكبر أذى ممكن بهذا البلد أو بشعبه (سواء مليارات الدولارات الثورية أو غير الثورية: الاسطوانة ما زالت مستمرة وإن بتسميات أخرى! بين الحلال والحرام، والقذارة والنظافة).
وعلى امتداد تلكم النيسانات ربما الألفية من يدري، وصولاً إلى منتصف السبعينات، لم يقطف في النهاية أحدٌ من الأطراف المستخدمة وردة واحدة. أو ثمرة واحدة. أي لم يربح أحد شيئاً. كل الذين كانوا وقوداً لمثل هذه المحطات الملتبهة، بقوا وقوداً لمحطات أخرى. لم يربح أحد. ولكن لم يتعلم أحدٌ. الأخطاء ذاتها. والجنون ذاته. والعمالة ذاتها. والخيانة ذاتها. والإجرام ذاته. والدمار ذاته. والخراب الانساني والديموغرافي والديموقراطي ذاته. والتهجير ذاته. والهجرات ذاتها. والموت ذاته. والشهادة ذاتها. والشهداء على تعددهم ذواتهم. لا شيء جديداً غير من يرث 13 نيسان ليورثه من بعده. لم يتعلم أحدٌ. حتى كثير من الناس. كثير من المجموعات. ومن خلال ذلك، كان لكل ذي مطمع من الخارج أن يخترق هذا اللاشيء وهذه الأفكار الميتة أن يلعب اللعبة اياها، وهم يتداولون أو يتقاسمون اللعبة إياها، وعليه ذهب البلد مرات إلى اللاعودة خصوصاً عبر الذهنيات الكانتونية التي كانت تتنقل بين الطوائف، فكأن الكانتونية هيامتياز تاريخي على كل طائفة ان تحظى بها، لتؤكد وجودها او لتؤكد علاقاتها البرانية كضمان لوجودها. وفي هذا الخضم كان للبنان ان يكون جغرافيات مشرذمة بين الوصايات والاحتلالات المتعاقبة، بالعدل والقسطاس، بل كأن تبادل ادوار ما كان يتم بين القوى المتواجدة أو المحتلة على أرضه. وهنا بالذات كان على كل المتواجدين على امتداد ما يقارب نصف قرن (بدأت ملامح 13 نيسان 175 في 1969: هل تذكرون)، ان يضعوا اللبنانيين في مواجهة بعضهم: يا قاتل يا مقتول! الأمن مقابل الاستقلال. الأمن مقابل الحرية. الأمن مقابل الحياة. الأمن مقابل الكرامة. تماماً كما بدا 13 نيسان وحتى الأمس القريب: الطوائف مقابل بعضها، مقطوعة عن بعضها (منطق كانتوني مادي، ونفسي وحربي) وغير مسموح، لأي طائفة بان تلتقي أخرى. وأحياناً ضمن الطائفة الواحدة. أو الحزب الواحد. أو المنطقة الواحدة. ليصور اللبنانيون للعالم وكأنهم شعوب وجدت بالمصادفة، هنا: شعوب غير متجانسة أي ان هذه الشعوب (من كل لسن وأمة) غير قادرة على حكم نفسها في دولة، أو في كيان أو في جمهورية أن مجرد وجودها (بحسب المنطق الاسرائيلي ووصايات) منافٍ للدولة. وللوحدة. وللديموقراطية. أي انها شعوب غير قابلة للحياة في دولة غير قابلة للحياة. وهذا يعني مباشرة أو غير مباشرة أنها بلاد الحروب الدائمة. والنزاعات الدائمة. والفتن الدائمة. أي دائماً على منعطف خطر. دائماً على مصير مجهول. دائماً امام هاوية: أي دائماً في بوسطة تشبه بوسطة 13 نيسان 1975. وان هذه البوسطة يمكن ان تنتقل من مكان إلى مكان كما الفتنة. والتهجير والخراب. ان خمسين عاماً وأكثر من هيمنة الوافدين (لا سيما اسرائيل)، كأنما خمسون 13 نيسان أو اكثر. كل يوم يُهدَّد البلد بـ 13 نيسان آخر. (ولن اذكر تواريخ أخرى معروفة) انها مجاز. رمز. فاتحة. ذريعة، في بلد كأنها صنعته الأحداث ليكون عابراً باستمرار. ليكون بلداً مستعاراً لأدوار مستعارة ومسلسلات مستعارة. وثمة قائل إن اللبنانيين مسؤولون وحدهم ولا أحد سواهم. أي نفي نظرية المؤامرة هذا صحيح من جانب. ولكن لا أحد يظن أن كل الذين اخترقوا الحدود من الجيوش والميليشيات والقوى الخارجية جاءت لتدحض نظرية المؤامرة أو لتؤكد سمة الحرب الأهلية وان الدول والأنظمة والمنظمات العربية والأجنبية وصولاً إلى العدو الاسرائيلي لم تأتِ لمساعدة اللبنانيين لفض نزاعاتهم الداخلية. ولا لتؤمن وحدتهم. ولا لتحسن اقتصادهم. ولا لتوفر لهم الديموقراطية والأمان وتعزز دولتهم وجمهوريتهم وسيادتهم! اذاً لماذا جاء كل هؤلاء إلينا؟ الأنها حرب أهلية بأسباب داخلية ومعطيات داخلية وواجهات داخلية وأموال داخلية وجيوش داخلية وأسلحة داخلية وتمويلات داخلية ولأهداف داخلية؟ وهل أن أزمات الشرق الأوسط ومن قبل الحرب الباردة ومن قبل حلف بغداد ومن قبل الصراعات العربية . من قبل الصراع العربي الاسرائيلي، أتراها كلها كانت أسباباً داخلية صنعت الحروب بكل جنونها. أترى قرر اللبنانيون بحس استقلالي مجرد ان يعلنوا حروبهم الطائفية على بعضهم: هكذا فجأة ينام الناس غير طائفيين ويستيقظون صباحاً طائفيين: ما دور الاعلام والصحافة، والأحزاب والمخابرات وأنظمة المال والمجازر وخطوط التماس والتهجير في صنع شجرة أو بوسطة 13 نيسان في 1975 وقبلها وبعدها؟ ألا تُصنع الطائفية كما تصنع الأحذية؟ مجرد صناعة استعمارية ورثها كل من أراد اختراق البلد واستغلها ونفخ في نارها، كل من أراد ابتلاع البلد أو تحويله مجرد منصة خارجية في لعبة الأمم؟ انها شجرة نيسان. تتجدد كل فصل. وتغير أوراقها. ثم تبرعم دماً. ومذهبية وسموماً. الشجرة التي لم يُردْ قطعها أو احراقها، لأن الجميع تسلقوها وحرصوا على إروائها والاعتناء بها وامدادها باليتامينات والأسمدة.
كل ذلك لأن الذين كانوا يربون دواجن 13 نيسان ودجاجه ومواشيه وأشجاره وغاباته كانوا أيضاً يربون ناسهم على تأبيد هذا اليوم... الذي تكرر على مدى قرنين بجنونه وجنوحه وكأنه من طقوس الاعياد والعادات والتقاليد علينا ان نقدسه ونحميه ونحافظ على انصابه ورموزه برموش العين وبدمنا وبأرواحنا وبأطفالنا وأرضنا وبلدنا.. فهو أي 13 نيسان ذبيحة الذبائح على مدى تواريخنا! علينا أن ننشئ أولادنا على تعالميه ودروسه: القتل والعمالة والفساد والخيانة والتقسيم ونفي الآخر وخدمة الخارج!
انها تعاليم قدسية ومدنية وتاريخية وجغرافية يجب الا ينساها الناس ولو قدموا حياتهم فداء من يجددها من الدول والأنظمة والأحزاب التي تراهن بغربها وشرقها وصهيونيتها على ديمومتها!
ولكن هل من يهز مسلمات 13 نيسان ونيساناته وثوابته. هل من يجتث هذه الشجرة المسمومة التي تزرع كل مدة في كل منطقة أو دسكره فتجلب الخراب والموت!
نعم! الناس. وحدهم. نعم. اللبنانيون عندما يواجهون مراياهم بعيون مفتوحة واعية متفحصة تماماً كما فعلوا عندما دعموا المقاومة الوطنية التي حررت بيروت من الغزو الصهيوني وعندما احتفلوا بانتصار المقاومة الاسلامية بتحرير الجنوب والبقاع الغربي... وعندما اعلنوا بحركات سلمية عارمة حركة 14 آذار الاستقلالية.. وعندما كان لهم ان يحموا الديموقراطية ويدعموا الجيش ويراهنوا على الدولة ويتمسكوا بالسيادة.. ويتوحدوا معاً لخنق هذا الكائن الاسطوري الشيطاني الذي اسمه 13 نيسان.. لكي لا يكون له أحفاد أو أولاد أو مستقبل أو حياة!
13 نيسان 1975، نراه في نيسان 2010 مجازاً محتملاً.. لكن ايضاً مجازاً حافلاً باختراقات الواقع، واجتراح المعجزة اللبنانية: معجزة الابداع والتجاوز والانفتاح وصوغ المستقبل!
13 نيسان أم المصائب والشهور، فمتى سيكون يتيماً؟
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.