8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

انتفاضة فلسطينية واحدة لا انتفاضتان

لن يردع اسرائيل شيء وستستمر في تنفيذ سياستها الاستيطانية في القدس وسواها من المدن الفلسطينية باعتبار أن دولة المسروقات الابدية أي اسرائيل، طورت مفهومها للاحتلال، بحيث تجاوزت مفهوم الاستيطان الى مفهوم التملك، أو الامتلاك، داخل ارضٍ باتت تضعها في لائحة موجوداتها، سواء غزة أو الضفة.
لن يردعها شيء؛ لا العالم. ولا الأمم المتحدة. ولا مجلس الأمن ولا القرارات الدولية. ولا أوباما ولا كلينتون. ولا بلاغيات التنديد الخجول التي تصدر كرفع عتب من بعض المراجع الأوروبية، أو السياسية. كل ما تتلقفه من حملات استنكار وادانة ودعوة الى وقف الاستيطان ترميه وراءها. فهي دولة الوراء بمردود أمامي، ودولة الأَمام بمردود ورائي عنصري- توراتي. ويكفي ان تعتقل اسرائيل احد قياديي فتح التي تقود السلطة عباس زكي اثناء تظاهرة في القدس، وتباشر في محاكمته لكي يكون ذلك رداً على كل من سولت له نفسه انتقاد سياستها الاستيطانية، وتهويدها القدس كما سبق ان هَوَّدت الجولان المحتل. وكما ان تهويد الجولان، من قبل، مرّ واستمر، من دون أن تبدي الدولة الصهيونية اي إحراج، فها هي اليوم، وأمس (وغداً) تدأب على قدم وساق وبطن وسلاح وطغيان ووحشية، استكمال استراتيجيتها التهويدية الامتلاكية: الاستيطانية. فهي، كما يبدو، تنطلق في غيها، من تأكدها ان لا أحدَ يريد ان يردعها بجدية، وان كلام الليل التنديدي يمحوه نهار بناء المستوطنات. وان من يصرخ من هنا، من الأنظمة العربية أو يولول من هنا.. أو يهدد من هنالك فليس اكثر من تسجيل مواقف، تمرست اسرائيل على امتداد عقود على استيعابها او ابتلاعها.فنحن العرب نستمر بالتأتأة النضالية واسرائيل تستمر في الفعل العدواني. وشتان بين تأتأة القمم العربية (قلت القِمم) وشراسة الوحش الصهيوني. وشتان بين ممارسة التعاويذ والابتهالات والتوسلات والاشكاليات والقدريات... وبين ارادة فولاذية وشهوة جامحة للتدمير وشبق توراتي (أين أنت يا نشيد الانشاد! يا وَحشنا!) في التخريب. وهما طريقان لا يلتقيان إلاّ بإذنه تعالى، وهو على كل شيء قدير!
والغريب ان هذه الحملة المسعورة الاستيطانية وعمليات التهويد جاءت بعد انتفاضتين (لن نعود الى الوراء اكثر: أي الى لبنان والمقاومة واتفاق القاهرة والجنوب وبيروت..)، الأولى شعبية سلمية، انتفاضة الحجارة التي ادت الى نوع من قناعة العالم، وعبر المفاوضات والاتفاقيات بقيام دولة فلسطينية تحت اشراف السلطة الفلسطينية وعاصمتها القدس. لكن اسرائيل اعطت (قلت أعطتْ!) بيد ونهبت باليد الأخرى لتركز بعد قيام السلطة على محاولة ايجاد شروخ داخل السلطة الفلسطينية نفسها وداخل الجغرافيا الفلسطينية، فكانت حماس من دون ان ننسى الجهاد.. وسواهما! ورأت اسرائيل في ذلك (مع جهات اخرى قريبة وبعيدة) افضل طريقة لتشتيت اي مقاومة ضدها. عال! وعندما استمر جنونها أيام شارون السوداء أعلنت الانتفاضة الثانية ذات الطابع العسكري بدون أي تكافؤ عسكري مع العدو. عالّ وناضل الشعب الفلسطيني في انتفاضته الثانية واستشهد الآلاف منه.. لتتوج هذه الانتقاضة ومن ضمن عوامل داخلية ابرزها فساد السلطة وخارجية معروفة بفوزٍ حماس في الانتخابات، ومن ثم بتقسيم أرض السلطة الى سلطتين: سلطة السلطة (فتح) في الضفة، وسلطة حماس في غزة. وهذا ما ادى الى تقسيم القرار الفلسطيني الموحد من جهة والى فقدانه من جهة أخرى. وبدا ان كل ما جهد الرئيس عرفات في تحقيقه أي القرار الفلسطيني المستقل قد تبدّد: حماس لها علاقات لازبة ببعض الأنظمة والسلطة بأنظمة أخرى (كأنما اهتداء بالتجربة اللبنانية الضروس!) بالطبع هذه الانشقاقات شهدنا مثلها في بيروت، حيث توزعت بعض الفصائل الفلسطينية تحت رعايات أيديولوجية أو سياسية من أنظمة عربية وغير عربية (فتح، الصاعقة، الجبهة الشعبية، والقيادة العامة، والجبهة الديموقراطية... الخ) لكن مع هذا بقي القرار المركزي الرسمي والفاعل والوطني في يد أبو عمار.
فالانتقاضة الأولى اعطت ثماراً وانجازات ملموسة تلاشت بعد الانتفاضة الثانية المعسكرة، وقد تجلى ذلك في مصير المفاوضات وتسويف اسرائيل واستمرارها في سياستها التوسعية. على هذا الأساس وبحسب فتح يجب العودة الى الانتفاضة الشعبية والتخلي عن النضال المسلح ضد العدو. مع هذا ستبقى في لبنان بؤر مسلحة خارج المخيمات (رائع!). عال!
هذا الخيار استند الى اخفاق منطق المفاوضات، لأنها لم تؤدِ إلاّ الى الخسارة على الأرض. وها هي فتح كما اعلنت تريد العودة الى الشارع لقيادته في معركة التحرير. وها هي تستغل عيد الأرض لاظهار توجهاتها نحو العمل الشعبي من خلال التظاهرات التي نظمت، وآخرها التظاهرة التي قامت امام سجن عوقر حيث اعتقل زعيمها عباس زكي (أفرج عنه لاحقاً) وتظن فتح (اليوم) انها ومن خلال عودتها الى الشارع كميدان للانتقاضة الشعبية ستكون القدس عنوان معركة سياسية بين العالم واسرائيل! اذاً معركة شعبية بين فتح واسرائيل واخرى سياسية بين العالم واسرائيل حول القدس، لكن السؤال الاساسي وبغض النظر عما اذا كان هذا العنوان الجديد للكفاح (غير المسلح) مقنعاً أو غير مقنع، هو: اين ستكون ساحات هذه الانتفاضة الثالثة (التي هي نسخ عن الانتقاضة الأولى)، ومن سيقودها غير فتح واين ستكون حماس: في الضفة الشعبية الفتحوية أم في ضفة الاستمرار وفي الكفاح المسلح؟ بمعنى آخر، هل ان قرار فتح سلوك هذا الاسلوب النضالي المتجدد سيعمق الفجوة بينها وبين حماس التي قد تتهمها بالاستسلام وبالعودة الى اتباع اساليب غير مجدية. وان ما أُخذ بالقوة لا يسترد الاّ بالقوة (مقولة عبد الناصر الشهيرة).
اذاً فتح تفتح صفحة الانتفاضة الشعبية غير المسلحة، وحماس هناك في حدودها المعلنة تبقي على صفحة المقاومة بالصواريخ.. وبالقوة. السؤال: أين سيكون الشعب الفلسطيني في الانتفاضة الشعبية (بما انها كُنيّت باسمه) وأين سيكون الشعب الفلسطيني في استمرار المقاومة المسلحة؛ هل سيعمد الناس (بقيادة فتح) الى الضغط على العدو لوقف الاستيطان والتوسع والاستيلاء على ما تبقى من القدس، في الوقت الذي ستعمد حماس (ومن وراءها) الى المواجهة العنيفة: نظرتان منفصلتان الى كيفية معالجة استرداد ما أخذته اسرائيل والى كيفية استئناف المفاوضات: ايديولوجيتان داخل الصراع الفلسطيني الفلسطيني تمثلان تناقضاً في مفاهيم الدولة والحكم والنظام. (عمد وزير الثقافة في جمهورية حماس الى منع مشاركة النساء في الدبكة، باعتبار هذه الرقصة لا تليق بالنساء أو على الأقل لا تليق بالاخلاق الدينية النظيفة ان تشارك المرأة الفلسطينية والرجل الفلسطيني معاً في رقصة فولكلورية (علماً ان حماس لا تمنع النساء من مشاركة الرجال في التظاهرات وحتى في الاستشهاد! وهنا لا بد ان ننوه بانفتاح وزير الثقافة الحداثي عندما أفتى بالسماح بنشر قصيدة النثر لأنها لا ضد الديانات السموية ولا ضد الأخلاق ولا ضد التراث (أي تراث!). فبراو! (فالله على كل شيء قدير!).
الغريب في كل ذلك ان حماس وفي هذه المعمعة النضالية والأخطار التي تتهدد القدس وفلسطين، منشعلة بالازياء... الإيمانية والفصل بين الرجال والنساء.. والألوان والمآكل والمشارب فكان استثارة التناقضات في الرؤيا الأيديولوجية التي تؤدي الى التقسيم، وسيلة كفاحية مسلحة ناجعة في الانتصار على العدو! ونتذكر هنا كيف تألفت المقاومة الفرنسية في مواجهة الاحتلال النازي عندما وضعت كل تناقضاتها جانباً لتركز في وحدة متراصة على المحتل ومثلها حركة التحرير الجزائرية.. وسواها! بل كيف تهتم بصوغ اسلوب حكم دولة.. قبل أن تكون دولة بل عندما تكون الدولة مهددة بالاحتلال أو محتلة.
ام ان هذه الممارسة هي جزء من تكريس أمر واقع يحسب للسياسة اكثر مما يحسب للاحتلال، بحيث يصبح التحرير من الأمور الثانوية وتعزيز شكل الحكم الذاتي من الأولويات.
وعلى هذا الاساس كيف يمكن أن تنجح مقاومة في القطاع أو في أي مكان اذا فقدت الاجماع الشعبي والمدني والعسكري والعربي، وفي المقابل كيف يمكن أن تنجح انتفاضة شعبية تقودها سلطة او منظمة اذا فقدت الإجماع الشعبي والمدني وحتى العسكري! بل كيف يمكن أن يُجزأ العمل النضالي الى وسيلتين متناكرتين ومنفصلتين وبين جهتين تتبادلان التخوين والاعتقالات وربما غداً الحروب. بل كيف يمكن ان تحكم الجهة (السلطة) او تلك (حماس) بدولة موحدة وهما قسمتا التقسيم في فلسطين؛ أم ان هذا التقسيم لم يكن إلاّ مؤامرة للقضاء على حلم الدولة الواحدة المستقلة القابلة للحياة؛ أكثر: كيف يمكن ترسيم نضال مشترك إذا كان كل فريق يحمل رؤيا الجهة الخارجية التي تمثله بإيديولوجيتها ومصالحها وحروبها. أترى أيكون لأحد الفريقين وفي غمرة احتمالات حروب إقليمية، أن يتبنى حرباً خارجية لمصالح خارجية ويقدم الشهداء على مذبح الآخرين... وفلسطينه تتهوّد وتتآكل ويوسع الاحتلال ممارساته العدوانية! هل يمكن أن يحتمل أحد الفريقين الانخراط في حرب أخرى غير حربه مع العدو. أترى هنا يمكن الكلام على شعار فلسطين أولاً...
كل هذه الأسئلة تؤدي الى أسئلة اخرى مقلقة. من يمسك في فلسطين قرار الحرب والسلم. قرار الانتفاضة الشعبية أم الكفاح المسلح أم المفارقات أو حدود المفاوضات؟ ومن يوافق إذا كان للموافقة على الصفقة، ومن يحسم ومن يخربط؟ فلو كان الأمر بين السلطة وحماس توزيع أدوار كما يجري في إسرائيل، لقلنا ما هذه النباهة، وبراو! حماكما الله يا سلطة في الضفة ويا إمارة في القطاع! فتوزيع الأدوار ضروري أحياناً بين أفرقاء الصف الواحد: واحد يشدّ وآخر يرخي. لكن إذا كان هذا يشدّ والثاني يرخي لتعطيل الحركة منها هي الكارثة! وها هنا الهزيمة المعلنة! فكيف يريد هؤلاء في نضالهم أن يتوحد العالم حولهم وهم منقسمون؟ وكيف يريدون أن يحترم العالم قضيتهم وهم لا يحترمونها ولا يحترمون بعضهم. وكيف يريد هؤلاء ألا يرتاب العالم بسلوكهم ويشك في صدق نضالهم إذا كانوا هم يضعون بعضهم في مواضع الشك والريبة حتى التخوين؟ وكيف يريد هؤلاء أن يعجل العالم بحل قضيتهم إذا كان عنوان تحركهم (وفي ظل تناقضهم) تأجيل القضية، أو شعار القضية المؤجلة، استردافاً لتعزيز سيطرة هنا أو إمارة هناك! (شيء مرعب!). بل سنجد أنفسنا نقول: كيف يمكن لأصحاب القضية المؤجلة بفعل صراعاتهم السلطوية والنرجسية التافهة، أن يكونوا أصحاب قضية فعليين، أم أصحاب قضايا أخرى يعلونها على قضيتهم التحريرية! بل كيف يمكن أن يؤتمن هؤلاء على أقدس القضايا وهم غير أمناء؟ بل كيف يمكن أن نصدق هؤلاء عندما يتكلمون على التحرير، وهم غير متحررين من القرارات الخارجية، بل كيف يمكن أن نصدق كلامهم عن فلسطين مستقلة إذا كانوا غير مستقلين؟ وكيف يمكن أن نصدق كلاماً عن فلسطين عربية عندما يرمى شعار عروبة فلسطين... الى شعارات غير عروبية! (فإذا لم تكن فلسطين عربية فماذا تكون إذاً؟)، ولن ينفع أي شعار بديل أياً كان وسعه. فلا بديل من الالتزام كاملاً بالشعب الفلسطيني طريقا ًالى المواجهة سواء كانت شعبية أو مسلحة. ولا بديل من الالتزام كاملاً بالدولة الفلسطينية الواحدة والموحدة، وتحت دستور واحد، وجغرافيا واحدة، وسلطة واحدة، ونظام واحد، طريقاً الى المواجهة.
ولن يكون في مصلحة القضية الفلسطينية لا الالتزام بالانتفاضة الأولى مستنسخة، ولا اختيار الانتفاضة الثانية مستنسخة، إذا بقي هذا الخياران يمثلان انفصالاً بين سلطة ناقصة في الضفة ودويلة مفبركة في القطاع.
فإذا كانت إسرائيل لم ترتدع عن عدوانها عندما كان النضال الفلسطيني مجتمعاً، وعندما كان العالم العربي موحداً وإن في حدود معينة حول القضية، وعندما كان الشعب الفلسطيني حزمة واحدة...
فإذا كانت إسرائيل لم ترتدع عندما كانت القوة الفلسطينية المسلحة والإعلامية السياسية في أوجها، أفتراها سترتدع في هذا الوضع الفلسطيني والعربي والعالمي الهش، والراقد، والساكن!
فلا ضفة من دون القطاع. ولا قطاع من دون الضفة. ولا مفهوم خاص بهذه السلطة، ولا آخر بهذه الإمارة!
هنا تكمن استعادة بدايات النهوض الفلسطيني من فلسطين أولاً وبفلسطين أولاً ومن أجل فلسطين أولاً... وفي مواجهة العدو المحتل أولاً خارج تحويل المعركة الى أي مكان آخر!
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00