إذاً أين صارت الهوية الثقافية بعد الجاهلية؟ في خضم حضارة واحدة متراكمة، وفي ظل هويات مفتوحة ومتحولة. إذ ان الترجمة الفكرية والفلسفية والطبية واللغوية.. جعلت الفكر والفلسفة والادراكات العربية مختلطة المنابع، وتالياً مختلطة التجاوز، وكذلك مختلطة المقاربة، وهذا ما كوّن (مع عوامل أخرى) فضاءات الابداع غير المحدودة، لا بأنماط جاهزة (كما في الجاهلية) ولا بتصنيفات محددة، ولا بأنواع محددة: امتزج مثلاً الفكر النقدي العقلاني، بالفكر الديني، بالفكر الصوفي، بالفكر البحثي، بالفكر المادي والروحي، والحسابي، والفلكي والمنطقي والرياضي، وبما ان هذه الظواهر مدينة في بعض مواردها الأساسية للترجمة، فيعني ان الترجمة لم تمهد الطريق فحسب لمثل هذه الإنجازات بل شاركت في صوغها أيضاً: ونظن ان من أهم ما تبلور من خلال ذلك حس نقدي عقلاني (يقابله حس حدسي اوديني) أدرك أشواطاً بعيدة في تفكيك الواقع، والنص، والمتون، الدينية، والأدبية، والفلسفية، وأفرز مدارس في اللغة، وفي النقد، تتصارع، وتتنافس، وتتقارع.
ومن جديد تتساءل أين صارت الهوية النقية؟ في اللامكان. أو في طاحونة كبرى، لا توفر شيئاً في عملية التحويل: أي لا تتوقف، لا عند رأي نهائي ولا نص نهائي، ولا وجهة احادية: انها التعددية المقتبسة عن التعددية في الترجمة والاقتباس. تكوّنت بنى تحتية ثقافية ربما للمرة الاولى، لتسحب على مجمل المتون الابداعية والعلمية واللغوية والفقهية والفلسفية.. وهي البنى التي ارتفعت عليها النهضة العربية الأولى في العصور العباسية، والتي مهد لها الخروج العربي من قمقم، وإرساء الدولة الأموية.
ولو عدنا إلى فكرتنا الاساسية, لا بد من ان نكرر هنا، انه لولا شعور العربي في تلك المراحل، بأنه جزء من هذا العالم المجهول، وان ما في مكنوناته، ودواخله، جزء من هذا العالم المجهول ، وان هويته النقية ليست أكثر من وهم، وان الحضارة أي حضارة هي امتداد له، وان الثقافات تحت ظل وحدانية الحضارة، تتعدد على تضاربها، وتخصب على بذورها ولقاحاتها، وتبدع على تمازجها، لما اندفع بهذه القوة التي لا تحد الى الترجمة، ولا نحو العلوم، ولا نحو العمارة، ولا نحو الانخراط في الأنماط الحياتية والمعيشية الجديدة. فهي معيشة. وهي من أنماطه وهي من متخيلاته. وهي من مكبوتاته، ها هي تتقدم إليه، بقدر ما يتقدم، كأنها نحو محور هو جوهر الإنسانية بامتياز.
فالترجمة، أولى الخطوات في اتجاه تفكيك المعطى التاريخي، والكتل التاريخية (ليس بالمعنى الذي أشار إليه غرامشي وتالياً الجابري) وإنما بمعنى سد الفجوات والكوى التي يمكن ان تتسرب إليها المناخات الجديدة، وكما سبق أن قلنا، فإنّ الترجمة، في مرحلة من المراحل العربية السابقة، كانت وسيلة افتتاح اللحظة العربية العالمية، ولا تعني لحظة عولمة سابقة، لأن العربي الغالب، أخذ من المغلوب ما يعينه على موازاته، وعلى توازنه، في لعب دور حضاري وثقافي وعلمي.
وهذا ما حصل تحديداً في النهضة الأوروبية منذ القرن السادس عشر في انكلترا، وفرنسا، واسبانيا، والبرتغال، وإن تشابهت الظروف بين انفتاح الغالب الأوروبي (الاستعماري) وبين انفتاح الاستعمار العربي في فتوحاته أي ان لحظة خروج أوروبا من ظلامية القرون الوسطى، لم توفرها لها القوة والبطش والفرض والطغيان والاستعباد فحسب، بل في تبني بداية طبيعية هي ترجمة امهات الفكر الاغريقي والعربي، هذا التواصل الحضاري أدى إلى بلورة هويات أوروبية ليس لها تخوم البدايات والنهايات، والدائرية المغلقة، بقدر ما بدت اتجاهات في التحولات االفكرية والتقنية والادبية الشاملة، بداية الثورة الأوروبية هو مفتتح عقلها على بعضها أولاً، وعلى الحضارات الأخرى، ولعل هذا ما طبع التنوير الأوروبي بالتناقض والاختلاف ازاء ثنائية السلطة الدينية والاقطاع ، وهذا الاختلاف في البنود يرجع إلى اختلاف المعرفة والترجمة والنقل والاقتباس والتأثر.
ولو حاولنا مقارنة النهضتين التنويريتين الاوروبية عبر قرابة ثلاثة قرون: من القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر (بداية حداثيات أخرى)، وبين التنويرية العربية تحديداً في العصور العباسية الأربعة التي سبقت الانحطاط، نجد قواسم مشتركة كثيرة:
1 الترجمة كأساس في عملية الخروج إلى أزمنة أخرى.
2 العقلانية اساس المقاربة وعبرها تعددية الفكر والفلسفة.
3 السقف الأعلى هو العقل.
4 المناداة بفصل السماء عن الأرض: العقل عن الدين.
5 حرية التعبير.
6 وكذلك من باب الاختلاف: الحدس هو أداة المعرفة (الصوفيون، والرومانطيقيون)
7 محاولة التجرد من النزعات العنصرية (خصوصاً الدينية).
8 تنافس المخيلة مع العقل والحدس.
9 دخول العنصر الاجتماعي طرفاً في المعادلة النهضوية.
ولو أخذنا هذه العوامل والانجازات والمشابهات والظواهر وسقناها إلى النهضوية العربية في القرن التاسع عشر وما قبل وحتى منتصف القرن العشرين لوجدنا ان معظم هذه النقاط مشتركة ومعها: فالنهضة الأوروبية كانت خروجاً من ظلامية القرون الوسطى، والنهضة العربية الأولى (العباسية) كانت أيضاً خروجاً من الجاهلية، والنهضة العربية الثانية كانت خروجاً من الانحاطاط (خمسة قرون).
إذاً الخروج من الذوات المطموسة (بالاكتفاء الذاتي) إلى الذوات المتفتحة، وكسر الهويات المغدورة بهويات متمازجة غير محكومة باحادية وإنما بتعددية خصبة: انها الهوية الثقافية التي تعني تفكيك الهوية الجامدة إلى مجرد مواد أولية أو ذرات قابلة للتشكيل من ضمن تماسات تاريخية وسياسية وفكرية. بل هي الهوية الخاضعة كأي معطى للمراجعة، والتجاوز، والنقد، وحتى الإلغاء.
وما كان ذلك ليتم لولا الأبعاد المترامية المشرعة من خيانة الذات إلى احتضان الذات العالمية، ولولا اعتبار الهوية الثقافية جزءاً من فضاءات واسعة قيد الاكتشاف الدائم، الذي أصبح احياناً طريقة حياة، بقدر ما هو طريقة إحساس، وتفكير، من دون الوقوع في طقوسيات منحطة، أو في مقدسات متماهية بالغيوب.
إن الترجمة لعبت الدور الأساسي في تكوين وبلورة ملامح النهضات الثلاث القديمة، والحديثة، وكلنا يعرف ان حركة التنوير العربية الحديثة اعتمدت الترجمة كجزء أساسي من خطتها، وممارساتها، بل يمكن القول، (وعبر الترجمة بالذات) ان النهضة العربية (في بعض جوانبها) كأنها ظل من ظلال النهضة الأوروبية حتى في الأنظمة السياسية (هوية ثقافية فكرية: الليبرالية، والجمهورية، والدساتير، والقوانين، والبرلمان..) حتى ان عدداً لا بأس به من قوانيننا المدنية هي ترجمة حرفية عن قوانين غربية. ونظن ان اعتماد البنى العربية مثل هذه الأوجه، لا يمكن فصلها عما حقق العرب في مرحلة النهضة الأولى من نظام حكم، وشورى، وخلافة، ومدن. وهذا ما قصدناه في المقدمة عندما قلنا ان معانقة العربي لانجازات الغير ما كانت لتتم لولا شعوره بأن هذا الغير هو أيضاً من تماهياته وأحياناً من انجازاته، وجسر موصول بالماضي والحاضر والمستقبل: انه تراكم الهويات التاريخي، وإن تقطع، أو تردد لظروف مختلفة.
فالترجمة بتنوع نصوصها، وتلاوينها، لم تقتصر على فتح الذات على حاضرها ومستقبلها، بل انها صاغت، (وعبر الابداع عليها بالطبع) علاقة نقدية أو تماثلية بالماضي، بحيث استخدم بعض مفاهيمها، واتجاهاتها، لقراءات نقدية متجددة للموروث، كالماركسية، أو مدارس التحليل النفسي، أو البنيوية، أو الرمزية، أو حتى السوريالية، أو الفلسفية العقلانية: فمقاربات الماضي متصلة بقراءات الحاضر الملقح بما ترجم، أو نقل. فالهوية الثقافية لم تعد منتوج الحاضر فحسب، ولا مطل المستقبل، وإنما البحث عن مضامين الراهن، (بظواهره الشتى) في النصوص السالفة: وهذا لا يعني جمع شتات هوية، أو ضمها بطريقة عسفية، بقدر ما يعني ان التاريخ كله (وهذا ما علمتنا إياه مؤثرات الترجمة) قابل للمراجعة، والابداع، والخضوع لحساسيات الحاضر أو لأفق المستقبل، وما كان ذلك ليتم، عبر تجليات النهضة العربية الثانية، لو اقتصر التعامل مع الترجمة باعتبارها مرجعية مكتملة، أو نهائية، وهنا تذوب الأفكار المفترضة في سكينة الخضوع، والتقليد، والانتساب، أو تبتلع المعطيات في حاجات أخرى: وهنا يمكن أن يحدث اهتزاز في التعامل مع المادة المترجمة، حين تصبح نموذجاً مقدساً، أو مثالاً جاهزاً، وهذا ما حصل أحياناً كثيرة في الفلسفة العربية الحديثة أو التيارات الفكرية، والمدارس الأدبية (رومانطيقية، رمزية، دادائية، سوريالية)، أو الايديولوجية (كالليبرالية، واليسارية، والاشتراكية، والشيوعية، والمادية، واليمين ومشتقاته، واليسار ومشتقاته، وصولاً حتى إلى الأفكار القومية المختلفة، تحت ضغط التأثيرات اللازبة غير الخاضعة لآليات نقدية، تواجهها مواجهة الند للند، لا مواجهة الضعيف للقوي، بحيث يقع الابداع (كعنصر من عناصر الذات الفردي والجماعي) في نوع من عدم التوازن، والتشقق، والتراجع..
ونظن ان الترجمة كفعل إرادي (أو غير إرادي) قدمت على امتداد القرنين السابقين، ما ساهم في اختراق الذات لانتاج نفسها (الانحطاط)، لكن هذه الذات لم تتلق دائماً النصوص الوافدة باعتبارها حافزاً لتفتيحها، وتفجير مكامنها (كوسيلة)، والتهامها على دفائنها الألفية، بقدر ما قاربتها من باب: إما الذات غير مهيأة لمثل هذه المعطيات الجديدة، أو انها رافعة شكلية لانتاجها، وإما اشتغلت عليها كمادة هشة (بالمعنى الإيجابي) يمكن عبرها تشكيل أو تفتيق آفاق انتماءات خلاقة، أو نصوص تجمع بين ذاكرة المثال المترجم وبين نسيانه، إفساحاً لدينامية هذه الذات أو الهوية المجترحة.
وهنا يمكن ان نختار نوعاً مهماً هو النقد العربي الحديث (أو هوية النقد العربي الحديث إذا جاز التعبير). فما حصل أعطى نماذج متناقضة: منها ما هو استيعابي وتالياً خلاق، في تعاطيه مع المادة النقدية الوافدة، كما وجدنا عند ميخائيل نعيمة وطه حسين ورئيف خوري، وسواهم من الذين ساعدتهم الترجمة على بلورة ما هو خاص ومفتوح في المقاربة والطريقة والمنهج، بحيث تحولت نصوصهم أدوات (مهجنة) نافذة في تعاملها مع النصوص: فالديكارتية التي رسمت كتابات بعضهم (العقلانية) صارت عبر تحولها، صوغ الخاص على العام، أو صوغ النص على ما هو أبعد منه، من ضمن حساسيات مكتسبة، لكن غير جامدة بينما إذا أخذنا مثلاً مدرسة الواقعية الاشتراكية (كما ترجمت) وهي صنيعة ستالين وغوركي وتطبيق جدانوف، فإنها انتقلت كايديولوجيا سياسية مغلقة، وتعامل معها بعض النقاد على هذا الأساس ففقدت من هشاشتها لتتقدم كنظام جديد ثابت، صالح لكل النصوص، بصرف النظر عن منابتها وطبيعتها، بمعنى آخر انتصر النص المترجم على الناقد، وأطبق عليه، بدلاً من أن يحاول تطبيقه بشفافية وابداع، ليتحول بعدها إلى شعار ايديولوجي أكثر مما هو أداة نقدية تغييرية. ويمكن الكلام، وضمن هذا الاطار، على البنيوية، كما تصرف بها، بعض الباحثين والنقاد: أخذوا العناصر المترجمة، من مناهج وطرق ومصطلحات، وحاولوا تطبيقها إما بطريقة حرفية، أو شكلية، أو كنموذج مصوّر وجاهز، يتجاوز فروق القراءات والنصوص, (ولا ننتقد هنا البنيوية)، مما غيّب النقد عن الممارسة النقدية البنيوية احياناً كثيرة، من خلال تلقف ببغائي، حال دون تفكيك عناصر هذه المدرسة إلى مفردات خاصة (وذاتية) تتلاءم وزعم اكتشاف النص المقروء (سواء ما تعلق بالمقروء أم بالبصري، أم بالسمعي.. أو المسرحية أو السينمائي): فالقراءة البنيوية كما وصلتنا عبر الترجمات تحولت قراءة برانية مفككة، لا تعي احياناً لا ما تريده ولا ما لا ترتئيه. على عكس بعض الباحثين والنقاد الذين تمكنوا من صوغ لقاء ابداعي بين بنيوية وافدة عبر الترجمة، وبين حساسية مميزة، أو بين ربط البنيوية الغربية، بما يلتقيها في التراث النقدي، لتشكل معه صيغة ابداعية يمكن أن تزاوج بين منهجية مرتبطة بالنص، وأخرى متصلة بها كمنهج وأداة: انها بلورة وعي غير مغلق، ونقدي، وتحليلي، سواء توسعت البنيوية إلى مجالات شتى كالتحليل النفسي، والانتروبولوجيا، والسوسيولوجيا، والسياسة.. أم اقتصرت أداة ترجمة مغلوبة أو غالبة.
ونظن ان المشكلة المرتدة عن التعامل مع الترجمة تكمن في أن المترجم لا يخضع لما يسمى الاستشفاف، مما يولد افتراقاً بين هوية تتلقف، وهوية جديدة تُتَلَقّف. وهذا الافتراق بالذات هو الذي يجعل من المعطيين مادتين متجافيتين، على غير تواصل، وإنما ارتطام، أو احادية مستعصية. أو الأحرى جوابين منجزين: وهذا ما ينفي اعتبار أي نص (نقدي) هو أيضاً سؤال يندرج في البحث عن أسئلة خاصة في النص، وفي الهوية، وفي الذات نفسها.
فالترجمة ترد بالسؤال. وهي سؤال متسع، جاء أحياناً كثيرة، وفي مراحل النهضة الأولى، في صيغة جواب. ربما انسجاماً مع مضامينه وآليته: فالمدرسة السوريالية مثلاً ومن خلال بيانات اندره بروتون هي جواب. (تماماً كالكلاسيكية، والرومانطيقية والرمزية)؟ وتلقفها العرب الذين وجدوا فيها ما ينسجم مع ميولهم، كجواب ناجع ومنته: وهذا ما يسمى التقليد، أو الاتباع. وإذا أخذنا النصوص السوريالية لكبار المدرسة كبروتون والويار وفيليب سوبو واراغون، فقد استقبلت عندنا كنماذج معدة للاتباع وفي أفضل الأحوال الاقتباس. وقد حظيت النصوص السوريالية باهتمام كبير من المترجمين في الستينات والسبعينات. على ان هذه الترجمات، لم يؤسس عليها، كخطوط تماس، (أو تناص) قابلة لاعادة التشكيل انطلاقاً من الحساسيات الفردية على الأقل. ولهذا كان التعبير الواضح عن التعاطي معها خالياً من الاشكالية الخاصة، ومسترشداً في عملية تماه على حساب الابداع. أي ان الترجمات السوريالية وارتداداتها وتأثيراتها تقدمت ككتل لم يعمل معظم الشعراء والباحثين الذين تبنوها (أو تبنتهم) على تفكيكها، عبر إظهار ذاتية حية قادرة على الاستشفاف.
ولهذا، لم تعمر هذه السوريالية (في نصوص شعرائنا) ولم تستكنه. فالترجمة ليست نقطة وصول، بل ابتداع، وتفتح، ضمن فضاءات حيوية متسعة من خطب الذات القابلة والمقبلة والمقبولة.
ولهذا بدت الهوية السوريالية (باعتبار انها ذو حيز بارز) وكأنها مجرد إلتصاق بهوية عربية كان يمكن أن تخضعها لتحولات وعرة متصلة بعملية الابداع، وليس مجرد تواطؤ ضمني أو علني أو استعارة، مجرد استعارة يقول أصحابها إذا ما ترجمت أعمالنا إلى لغات أجنبية هذه بضاعتنا رُدّت إلينا، هذا من دون إغفال ان شعراء كباراً عندنا استأنسوا بتعاليم هذه المدرسة (الطالعة من الدادائية، تريستان تزارا) وبنصوصها، واخترعوا لمسات حية ومبدعة، وإن لم يتخطوا معطياتها. وما اوردنا حول النصوص الشعرية السوريالية يمكن تكراره في معظم النصوص التشكيلية التي جاءت استظهاراً للمضامين والتشاكيل.
أما المسرح فلا يختلف كثيراً في تعاطيه مع الترجمة خصوصاً في بداياته من القرن التاسع عشر مع مارون النقاش ويعقوب الصروف والقباني وامتداداً إلى مسرح القرن العشرين، مع الاشارة إلى أن قرابة 80 في المئة من الأعمال المسرحية التي قدمت حتى الخمسينيات كانت مترجمة أو ممصرنة أو ملبننة أو متونسة.. هذا قبل أن يأتي زمن المسرح الحديث (زمن المخرج والمدارس)، وهنا بالذات لعبت الترجمة دوراً أساسياً في تهجين المهجن في المسرح الكلاسيكي عندنا أو الاجتماعي (جورج ابيض، عزيز عيد، يوسف وهبة ونجيب الريحاني..) إذاً انتقل المسرح من هوية غربية مقتبسة قديمة (يغلب عليها التبسيط) إلى هويات غربية مقتبسة ومترجمة ومركبة من خلال المدارس والاتجاهات الأساسية من المنحى الاستسلافسكي إلى بيسكاتور، وماير خولد وبرشت (الملحمية) وإلى انطونان ارطو (مسرح القسوة)، فإلى غروتوفسكي (المسرح الفقير)، من دون أن ننسى بيراندلو (المسرح داخل المسرح). والانتقال من الزمن القديم إلى الزمن الحديث الذي تتصارع فيه الاتجاهات دليل على ان المسرحي العربي (كاتباً ومخرجاً وممثلاً وسينوغرافيا) كان قد تهيأ عبر حركة الخروج من الذات أو من الهوية المحددة، إلى تعددية، وإلى أكثر من تماه بالترجمة وتقمص لها: فمن ضمن المعطيات المسرحية السابقة (وهنا القطيعة وهم) استطاع أن يستشف ما في تلك الكتابات المسرحية المترجمة (نضيف بيكيت، ويونسكو، وشحادة، وهارولد بنثر وادوارد بوند وتينيسي وليامز وكذلك ارثر ميلر، واونيل وارابال، ولوركا) فضارعها هنا وواكبها هناك في انتقال مرن وغالباً وعر بين بين هذه الهويات التي اسس عليها لبناء ابداعه ولكن عبر انتماء واضح للأصول والجذور.. ومن هذا الباب، أي من الدافع المتحول تمكن، وإلى حد كبير من صوغ الخاص من المتداول، والذاتي من العمومي، والحي من المبدئي، ونظن ان المتحولات الأخرى عند أهل المسرح من سياسة وفكر وأدب وايديولوجيا وانتماء، تداخلت بشكل عضوي في التقنيات والمفردات والنصية، وصولاً حتى إلى عملية الاخراج، والديكور، والماكياج، والفضاء المسرحي، والعلاقة بالجمهور، فالترجمة هنا، بدت في أحوال كثيرة نقطة انطلاق، هاجس تحول وتحويل في الذات والموضوع، بعيداً من ثقل المراوحة أو المحاكاة.. أو التقمصية وحتى القرينية. ويكفي أن نذكر بعض كبار المسرح من كتاب وانجازاتهم لكي نعرف إلى أي مدى لعبت الترجمة دوراً حاسماً في إبداع فضاءات الهوية الثقافية: كالفرد فرج وتوفيق الحكيم، ومحمود دياب ويوسف ادريس ميخائيل روحانا وسعدالله ونوس وعصام محفوظ ومحمد بن قطاف، ومن المخرجين والكتاب: الطيب الصديقي، ويعقوب الشدراوي، وريمون جبارة، منير أبو دبس، وتوفيق الجبالي، والفاضل الجعايبي، ومحمد ادريس،... وعندما نقول الترجمة في مجال المسرح مثلاً فيعني تجاوزاً للكلمة، أو للنص المكتوب، إلى النصوص البصرية والسمعية، والسينوغرافيا، والخشبة.. فهذه كلها أجزاء من النص المكتوب، أو الأحرى احتمالاته أو قراءاته الاخراجية. وقد تمكن هؤلاء بكتاباتهم واقتباساتهم، تحويل المعطيات المترجمة عند كبار المسرحيين الغربيين القدامى والحداثيين، تفكيك المكونات (البيانية إذا جاز التعبير، أو الحرفية أو الايديولوجية) ووسمها بلمسات توحي بوضوح هوياتهم المتلاقية، والمتقابلة، في ابتكارات مستلهمة، أو في اقتباسات حية.
إذاً، حركة خروج المسرح العربي إلى الوجود استند إلى الترجمة قبل كل شيء (لندع جانباً مقولات الاحتفالية القائلة ان المسرح سبق ان وجد عندنا عبر خيال الظل أو الطقوس الدينية والاجتماعية، فحتى هذه الطقوس، بما فيها خيال الظل، يمكن أن ينسب معظمها إلى غير العرب، إضافة إلى أن الطقوس شيء، والمسرح شيء آخر. قد تكون الطقوس مادة مسرحية ككل مادة اخرى، لكن لا يمكن أن يصنع منها ايديولوجيا تكون بديلاً من المسرح الغربي أو أي مسرح أجنبي: كما اقترح توفيق الحكيم المعروف بأن مسرحه غربي، ويوسف ادريس المتأثر ببكيت، بل كأن الدعوات إلى تأصيل مسرح عربي نقيض للمسرح الغربي، أي مسرح ذو هوية عربية نقية، هو كلام يحيل الذات على الذات لكي تنتج نفسها: وهذه الاحالة الايديولوجية تعني الوقوع في الاستنقاع، أو الانعزال، أو الانحطاط والموت. عدا، إلى ان مثل هذا الكلام لا يمكن أن يكون مسرحياً، إلا إذا تعامل معه المسرحيون وكأنه يمكن أن يكون مفردة أو تجربة من التجارب. مثلاً يمكن أن يجرب المسرحي الطقوس، أو الظواهر، أو العادات القديمة (الأصيلة) لكن من ضمن تجريبية بين التجريبيات وليس كتجربة نهائية بديل. وماذا لو حذفنا كل الترجمات، واقتصر شغل الشاعر والمسرحي والفنان والروائي على التراث. عال! ولكن هذا يعني ان نعود إلى ذات وهمية ومقتولة، عارية، وعزلاء، ومقفرة. وعلينا عندها أن نفصل الأصل (الهوية المفترضة) عن فضاءاتها (الهويات) لتصاب بالاختناق، وأقله بالخلل، وأثره التخلي عن انجازاتنا الحضارية الكبرى منذ العصور العباسية وحتى اليوم، وكأن هذه الانجازات من صنع الغرب، وهذا يعني التخلي عن ارثنا (بالمعنى التحويلي) وعن الفلسفة المتأثرة بالاغريق، والطب المتأثر بالهنود.. وعن المسرح المتواشج مع الغرب، والشعر، وفكرة الحداثة.. الخ.
وعندها بالذات، علينا أن نتساءل أين يمكن أن تكون هوية ثقافية مفترضة خارج كل هذه التحولات، وخصوصاً في العقود الأخيرة، ازاء التطور الهائل للتكنولوجيا والاتصالات، والتقنيات التي يمر بها عالمنا العربي: أترى نرفض كل هذه الانجازات لأنها تمس هويتنا (أي هوية!)، أو نفصل بين هويات بطريقة شيزوفرانية، وأن نتمسك بخصوصياتنا التاريخية (أي خصوصية) من مظاهر وعادات متلاصقة بالواقع، ومن ناحية أخرى نتهافت على تطورات الغرب: كأن الذات مفصومة، أو مضروبة؟ أو ليس هذا ما يؤرق الهواجس، فالتقنيات ووسائل النقل والطب والادوية والاتصالات هي مترجمات تقنية أولاً وأخيراً، نبتناها، ثم نتخلى عما صنعناه، عبر ترجمة النصوص الادبية والفلسفية والشعرية والفكرية والدينية واللاهوتية والفقهية.. إذ كيف يمكن أن نغلق جهة من ذواتنا ونشرع الاخرى، ونتكلم عن ثقافة وثانياً عن انتماء ثقافي، أو احتضان ثقافي: إذ كيف يمكن عبر فصل الظواهر بعقل استنسابي جزئي بين هويات كثيرة، وكل هوية في منغلق، ونتكلم عن خصوصية، تبريراً للعجز، أو للانكفاء، أو للهروب من دور يمكن أن نلعبه. وعندما نشير إلى فعل ارادي بتقسيم الذات، وإبداء الخوف على الهوية، فلكي نتعدى أيضاً فكرة فرض أي ثقافة اخرى بالقوة علينا، فالفرض يعطل كل استيعاب، والقوة تعطب كل إنجاز وافد. وهذا ما لمسناه في العولمة مثلاً، ولا بد من الملاحظة ان العولمة ليست كلها شروراً، وكذلك الليبرالية. (وعندنا مفكرون ليبراليون متأثرون عبر الترجمة أو سواها بالأفكار الليبرالية منذ القرن التاسع عشر الأوروبي). فالإبداع اختيار. والهوية اختيار. يتحول أي فعل حرية غير متناه. ومن ضمن هذا الاختيار يتم التعاطي مع المنسوج الثقافي الغربي وغير الغربي.. هذا إذا كان مصطلح الثقافي الغربي دقيقاً، باعتبار انه ليس هناك ثقافة غربية صافية، ولا أخرى عربية صافية، ولا أي أخرى ما عدا بعض القبائل التي اكتشفت على حالها في بعض غابات الامازون أو سواها، فالثقافات الصافية المصفاة لا تتلاقى ولا تتمازج ولا تحيي: انها تقتل نفسها ظانة انها تبعثها، الصفاء الثقافي هو الموت.
ومن جهة اخرى، فالترجمة ليست مجرد خلط أوراق، وخلط تجارب، وخلط نماذج، وخلط حساسيات فقط، وإنما في عمقها، مساهمة اساسية في إعادة تشكيل البنى الثقافية والحضارية في العالم: حضارة واحدة وتعددية ثقافية، حضارة واحدة باعتبار ان كل الشعوب ساهمت في صنعها على امتداد الوف السنوات، وتعددية ثقافية من حيث اختلاف الحساسيات الفردية، فالمجتمع هنا (الكبير أو الصغير) مؤلف من أفراد. ولكل فرد حيزه الخاص. وانفتاحه الخاص، وليس المجتمع كتلة واحدة متساوقة بلا رتوش ولا تعرجات، المجتمعات التوتاليتارية تنفي فردية المجتمع لصالح احادية مضغوطة قطيعية، وكذلك القبلية.. وسواهما. إنها الخصوصيات المتينة، المتكررة الوهمية، العاقر. وهي من مكونات هويات جامدة في إنتاج ذاتها ومراوحة في معطياتها. فالترجمة، وإن كانت مستوياتها هي كما سبق وقلنا، عنصر من عناصر تخريب هذه الخصوصيات المجمدة وخلعها عن عروشها الافتراضية، وفتح شقوق وأبواب في كل ما يحسب انه هوية.. ثقافية.
ونعود إلى ما بدأناه في أول المقاربة: منطق احترام خصوصيات الأقوام والأفراد، وصون هوياتهم، ليس أكثر من ترك هذه المعطيات تنزف في ذاتها، ومن كل أجسامها الميتة. والترجمة، (وطبعاً ليست العامل الوحيد)، هي التي تؤدي أو تساهم في وضع هذه الخصوصيات إلى فعل الخروج، والهويات إلى فعل نفيها.. فكل خصوصية حية تكمن في صيرورتها.. أي في لا خصوصياتها وكل هوية ثقافية تقوم، عبر ديناميكة إبداعية وحرية واختيار، على نفي ذاتها.
هنا مبتدأ الهوية.. الابداعية: أن تكون ابداعاً على الهوية وليس موتاً فيها! أن تكون ابداعاً بحيث تتحول إلى مادة اولية تتشكل بقدر ما تتغير، وتتحرك بقدر ما تلون، وتتركز (كمنطلق مفتوح) بقدر ما تخترق، وتنخرط في ذاتها لتنخرط في سواها، في عملية تفكيك دائم لقماشتها وجذورها.
الترجمة فعل التغيير هذا، خارج الثوابت المفروضة، وخارج الاطر النهائية وخارج المرسلات الإنسانية. ولا نظن ان أي تغيير تسعى إليه هوية ما (نائمة أو ساكنة أو على انحطاط) سوى بالتهيؤ للخروج: الخروج من الذاتيات النقية، الجامدة، المضخمة، المثقلة بالانتفاخ النرجسي والأناني، إلى حيث ما يؤمن لهذا الخروج توغلاً دائماً في تناقضات الموضوع والعام، والخاص، وما بينها وما عليها.
وعلى هذا الأساس، فإنّ الترجمة التي من أهدافها محاولة صوغ واقع آخر، تشارك ليس في صنع هوية ثقافية صلبة، بل فضاء لتكوين ملامح لهوية ثقافية تنفي نفسها باستمرار، وتتجاوز حدودها باستمرار، حيث تلك الجدلية الدائمة بين مكوناتها وبين ما يتكون فيها على سيرها الدؤوب نحو حبو الماضي الحي والحاضر الحي والمستقبل المجهول احتمالاتها، من خلال منهجية لا تمليها عليها سوى الزامات الحرية والابداع والاضافة والمساهمة في صناعة التاريخ أو الحضارة!
هذه الصناعة هي بامتياز الهوية.. التي تضع ذاتها والعالم في فضاء من التحولات.
[ قدمت هذه الورقة أمس في مؤتمر الترجمة الذي يعقد حالياً في القاهرة بتنظيم من المركز القومي للترجمة








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.