في الادبيات المعهودة، ثمة مقولات تحوّلت اكثر من مسلمات فكرية، بل قواعد اخلاقية، وديموقراطية، وحتى انسانية، حول مفهوم الآخر، والذات، وما بينهما، وما اليهما، من ضمن تحديدات بات من تحافيرها، الآخر مصطلحاً شعبياً، (وبالطبع نخبوياً) اتيكياً (خلقياً) يخترق جدران الايديولوجيات الشتى حتى الدينية نفسها، وضمن ما يسمى اليوم، حوار الحضارات، أو صدام الحوارات، وتقاطع المعتقدات الدينية أو الطائفية أو العرقية أو الجغرافية، يبدو هذا المصطلح كأنه معبر لكل هذه التحركات.
وقد نردّد هنا مع المرددين وجوب الاعتراف بالآخر. واحترام الآخر، وتقبل الآخر، من خلال رؤى ومقاربات تتقاطع بقدر ما تتعارض. ونظن ان تأكيد مثل هذه الالزامات وبالطريقة التي تقدم بها أحياناً كثيرة، لا يعني سوى غياب الدينامية التي توضح الملامح، والجواهر، والاعراض. ونظن ايضاً ان مثل هذه التراكمات الحضارية لم تبرز كمعطيات وطرق تفكير، الا في الزمن الذي جعلت فيها المجموعات المختلفة، مجرد كتل تاريخية منفصلة عن بعضها، أو غيتوات عرقية أو ايديولوجية أو دينية، تحت شعارات التسامح والغفران (وهي من ارث ديني اصلا أو اقله اخلاقي)، لكي لا نقول في ذرائع اصولية، أو ميتافيزيقية، أو خصوصيات متقوقعة، أو هويات متضاربة، أو اكزوتيكيات عائمة، أو في متاحف اثرية. بهذا المعنى، قد تقود هذه المفاهيم (المتسامحة خصوصاً الفوقية أو المغلقة) بين الهويات الى ما يمكن تسميته بالاكتشافات الاثرية. اي التعامل بين تلك المجموعات وكأنه تعامل مع موجودات اثرية وافدة من عوالم منقرضة، بحيث تبدو العلاقة مع ذلك الآخر علاقة هوية مكتملة بهوية مكتملة، يتم عبرها تحقيق اوهام ملتبسة، وتواصلاً شبه منقطع، بل وعدائية مضمرة (ربما لاوعية)، حيث يبدو الاختراق والتقارب أو حتى التلاقي أو الاكتشاف انواعاً من المس بهذه التاريخيات أو فجوات في سُبل القيم الموروثة، والعادات والتقاليد، اي اعتداء على المعطيات والتكاوين. هذا ما دعي بعض ذرائع الصراع الحضاري أو الديني أو الجغرافي. وكأن مثل هذه الصراعات نتائج آلية أو قدرية لكسر الحدود الوهمية بين الاقوام والشعوب بل كأنها انحطاطات مقدسة، تبدو كل محاولة للنهوض بها، وللخروج منها، خروجاً قسرياً من الذات، حيث تبدو الذات مآل الذات، ومضمراً رافضاً للذات، ولوهم الذوات الاخرى: إنها المتعلقات تساوي المنغلقات وتمجدها. اذ كي يفسر هذا التمجيد للذات، في لحظات تاريخية سياسية أو ايديولوجية أو حتى فكرية حاسمة سوى نفي الذات اولاًَ، ونفي اي ذات اخرى. (تسمى الآخر). وهذا ما استدعى، على امتداد مراحل وتواريخ، الشعور باستدراج الطموح الى كسر هذه الاحاديات المتبادلة في الثورات النهضوية الكبرى، حيث كان للوعي التاريخي، والانساني، ولإلزاماته في تجاوز الكتل، والاسوار (الساكنة) رفض ما يعني الخصوصيات أو التابوهات، أو المراسم القبلية، والعائلية، والمكانية... بحيث تصبح كل نهضة خروجاً من ذات وهمية الى حقائق ووقائع هي في الدواخل، وفي الاعماق، وليس مجرد اعتراف بالآخر، الموجود اصلاً، والمتداخل في الذات. فالذات النرجسية وهم. والمتعددة على غير تعداد، هي المكون الفردي والجماعي. والافكار النهضوية، وامتداداتها هي اكتشاف لهذه التعددية، تعددية الكل في الفرد، والفرد في الكل. اكتشاف اللاهوية المطلقة في الهوية النسبية، والهوية النسبية في الهوية المطلقة: جمع بين النهائي واللانهائي، بين الجزئي والعمومي، ليس للوصول الى ما يسمى الانسان الكوني (المتشابه المنمذج) بل الانسان الذي يختزن احتمالات وجود كل انسان داخله. وهنا تبدو الهوية احياناً كثيرة والثقافية، مجرد ذريعة لتجاوزها، ورميها، خارج كل حدود ثابتة.
واذا كان لنا، في هذه الاسئلة (والهوية ليست سؤالاً تقليدياً ونمطياً من نوع الكيليشيات الرائجة بقدر ما هي احتمالات مجهولة)، ان نقارب موضوع الترجمة والهوية الثقافية، فنرى ان هذه المقاربة من المفترض ان تتم، من ضمن ما قلنا سالفاً، اي اكتشاف ما فينا عبر مبادرات معرفية، عند الغير (اي عندنا) وعلى هذا الاساس، تبرز الترجمة كعنصر اساسي في مطل النهضات الكبرى: لقاء تمرد الذات على الزاماتها المحدودة، وبين انجازات الذات (عند الغير) في خروجها، الى احتمالاتها، الابداعية، والفنية، والفكرية، والسياسية, والاجتماعية والجغرافية والتاريخية والدينية: تصبح كلها، عبر الترجمة، اجزاء في فضاء مفتوح بلا تخوم ولا حذر، ولا خوف: اي انضمام الى المغامرة الاوليسية التي تدفع بالانسان الى المجهول (اي ذاته) ليعود محملاً بالمجهول الى مواقعه، اي محملاً بمضمراته المعلنة عند الآخر. كأنما ليس من حقيقة للذات قبل نفي ذاتها بالمنتوج الآخر.
فالترجمة، لا تصنع الهوية، ولا ما يندرج فيها ومنها، بقدر ما تحاول المساعدة على اختراق الهوية الوهمية (المفردة)، وصولا الى الوهمية (الجماعية)، فلا تكون تقابلاً بين ثنائيات متضادة (اصولها دينية مؤدلجة) بل الى تحويل الوصول أي وصول، والانجازات اي انجازات الى بداية رحلة، والى نقصان. بهذا المعنى تكون الهوية هنا، وبفعل الاكتشافات، (عبر الترجمة) حاجة ناقصة، لهوية ناقصة، لا تسعى لا الى اكتمال خصوصي قاتل، ولا الى اكتفاء ذاتي يؤدي الى انطفائها.
على هذا الاساس، سأحاول في مقاربتي الترجمة والهوية الثقافية التوقف عند مجمل الظواهر التي عرفناها وكان للترجمة فيها اثر بالغ، سواء في النهضة العربية، ام على صعيد الاتجاهات التي سادت القرن العشرين: من الشعر (مدارسه) الى المسرح (اتجاهاته)، الى الفكر (تياراته)، الى الدين، والنقد (والمدارس النقدية): اي محاولة مقاربة التكونات الثقافية وعلاقتها العضوية بالترجمة.
وعلى هذا الاساس تبدو الترجمة وسيلة إلى استنباش الاعتمالات الدفينة، أي كسر مفاهيم الذات الأبدية المعدودة، والمحسوبة، والثابتة، والساكنة، والعصية والممانعة؟ أهو لقاء المخيلات؟ ربما؟ لقاء المقتسبات؟ ربما؟ لقاء الشبيهين؟ ربما؟ وأكثر: إضافة الشبيه البعيد إلى ما عند الشبيه الآخر, وهنا يتقدم الكلام على الاكتشاف، لا اكتشاف الذات (الاحادية، الخصوصية) بل اكتشاف ان الذات هي ذوات أصلاً، أبعد من تماثلات، وتضادات، وأقرب إلى احتمالاتها الكامنة. بمعنى آخر يمكن ان تكون مصطلحات الهوية شقاً لطرق تؤدي إلى ما يتجاوزها: اللاهويات المفتوحة عندنا هي الهويات المؤجلة، أو الصَّدود أو المجهولة أو القسرية. ويمكن أن تشبه بالطبقات المتراكمة المغطاة، والتي تبدو فيها الترجمة أداة للحفريات، بل وبحسب جان جنيت هي تناصات متراكبة تعاقبت في الجماعات والاقوام والأفراد بتوقيعات متقادمة. من هنا يمكن الكلام عن تراكمات على امتداد قرون وأكثر داخل الحضارات وفي مجاهلها، أو فلنقل كأنما يمكن الكلام على خلايا نائمة دهرية أو ألفية، محجوبة وخبيئة، تنتظر اللحظة المواتية للنهوض، أو للبروز، سواء بفعل تاريخي، أو ديني أو ثقافي، تلعب فيه الترجمة دور الكاشف، والمحول معاً ، من حيث هي وسيلة تحريك تلك السواكن، والتي تسمى هنا انحطاطاً وهناك أفولا، وهنالك جذوراً..
فالترجمة بهذا المعنى تضيف ولا تضيف: تضيف ما هو موجود (عند الآخر) إلى ما هو موجود في المضمر وفي الخاص. ولهذا تبدو الخصوصيات المقدسة، من طقوس ومن تقاليد، ومن عادات، القشور التي تحجب عملية الإضافة أو الاختراق. بل وتبدو هي الثوابت، في مستوياتها العديدة، وأنماطها المختلفة، وكأنها أداة منع لتفتيح البواطن والمعادن والينابيع وحتى الزمن، من هنا مقولة احترام خصوصيات الشعوب بالمعنى الحرفي أو اللفظي أو الايديولوجي، وكأنه دعوة إلى إبقاء هذه الخصوصيات في دوائرها المغلقة، تستنقع في أصولها المبتورة، واحتمالاتها اللانهائية. ومن هنا، يبدو أيضاً الخوف من الآخر الذي يعتبر غريباً أو هجيناً أو خطراً هو خوف الذات خوف من المرآة المدببة، كون ان ما يقترحه الآخر (أو يفرضه أحياناً) ليس أكثر من مكامن هذه الذات وموجوداتها. أي الخوف من الخروج إلى العلن. أي الخوف من الاكتشاف، من ضمن مقولات المحافظة على الارث (أي ارث؟) والهوية (أي هوية؟). وهذا يعود إلى ظروف تحيط بهذه الظواهر، تجعلها ترتد الى مواقعها تدافع عنها، وكأنها تدافع عن مصيرها، وتواجه ما يهددها وكأنها تواجه عدواناً عليها، وعلى أسرارها، متمسكة بأجزاء مما يسمى هويتها، ومهملة الأساس، الممكنات والزمن والتحولات التي تختزنها, أي تقمع ذاتها وتحسب انها تقمع الآخر. هنا تأخذ الترجمة دوراً أكثر من معياري، وأكثر من تمثيلي لمكوناتها وانجازاتها: تلعب دوراً دينامياً من إشاراته الأولى إخراج ما تهيأ للخروج، ودفع العوامل والظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية إلى اعتبار ذاتها مجرد معطيات يمكن تفكيكها ومن ثم بلورتها ومن ثم استعدادها للانخراط في ما يسمى صنع التاريخ أو صنع رحلة المجازفة في مشاركة الحضارة (أو حتى الماضي أو المستقبل) في مسيرتها.
إنها لزوم ما يلزم، ويظنها بعضهم لزوم ما لا يلزم باعتبار ان نظرية القناعة كنز لا يفنى أو نظرية الاكتفاء، أو التميز العرقي أو التفوق القبلي أو الوطني، أو الديني، هي العوامل الأساسية التي لا بد من اتباعها للاستمرار، وهذا يحمل في طياته نوعاً من النرجسية العاقر، أو التفوق الطائش، أو الامتيازات الوهمية، وصولاً إلى بعض المنابت الميتافيزيقية، واللغوية، التي تتعامل مع ذاتها، وكأنها المختارة والمصطفاة. وهذا ما يؤدي إلى انماط من محاكاة الذات، أو تكرارها على مساحة لا متناهية ومخيفة، ومحاكاة الذات، بعناصرها الأبدية، والتي ترى في عملها نوعاً من إبداع الذات، عبر تردادها، أو التوقف عند لحظة تاريخية منها وتأبيدها وتنميطها، تعزيزاً لهويتها ليس أكثر من رفض اكتشاف الذات نفسها، ومجافاة أي نوع من الابداع، والابتكار والمراجعة والتدارك، فلنبق كما نحن وحيث نحن، كأنها مقولة التمسك بالأشلاء، وترك الروح، وهذا يستدعي القول في هيمنة أفكار القبول (والأقدار)، التي تميز مراحل الأفول الشَّغور وصولاً إلى الاستسلام لذات مشوهة وصدوداً عما يتحرك.
وهنا، تبدو الترجمة، كجزء من الإحياء، والحراك من مفاصل هزّ تلك المعطيات الساكنة. إنها هنا وسيلة هزّ البواطن، والسفليات، باعتبارها أولاً، وسيلة معرفية تتفاوت وتتنوع في مستوياتها وميادينها. أي تبدو معرفة الخاص هنا أساساً لمحاولة الخروج، وربما أساساً لكسر الدوائر الفائضة بذاتها، وتالياً أساساً لخروج من السكون إلى الحركة، ومن الغفلة إلى اليقظة، ومن الغياب (في سكينة المعطى القابل) إلى الحضور، حضور أسباب النهوض من القيلولة التاريخية. وهذا يتم، في بعض جوانبه الأساسية، في ما يسمى التنوير، أو النهضة، (أو التدارك كمستوى أولي). ولا يمكن أن تتوفر شروط هذا النهوض بغير اعتبار ان كل ما تتحرك إليه الذات هو اكتشاف لما يكمن فيها. وكأن المدارج الاولى لهذا الاكتشاف (وعي جوانب الذات المغمضة) هي الترجمة بالذات، كمعبر الذات إلى الذات (وإن ضمن أولويات تتحكم بها ظروف مرحلية أحياناً مرتبطة بوضع الاقوام والافراد). على الأساس، تصبح الحركة هي الفعل الثقافي، وتالياً يصبح الفعل الثقافي هذا (المزمع على الخروج) اداة ازاحة ما يعيق مستويات الهوية وطبقاتها وظلماتها ومهاويها وهاوياتها الوعرة. ومن هنا تصبح الهوية مقصداً إلى اللاهوية: أي إلى الاختيار الدينامي أي إلى الحرية (النسبية أو المطلقة).
وإذا عدنا إلى النهضة الأوروبية مثلاً، نجد انها فعل الخروج من سواكن القرون الوسطى الميتة الدينية والاقطاعية، إلى أماكن أخرى، وهذه السواكن بالذات لم تكن أكثر من ادلجة للدين، أو للأنظمة المهيمنة، عبر رفع هوية محاصرة بالممنوعات والنواهي، ومرسومة بهامات التقديس، كأقنعة (مزيفة) تخفي أشكال التخلف، والتجمد، والتجلد، والقمع والقتل والتعصب، والتآكل في خدمة السلطة أو النظام، أو الطبقات المهيمنة (خصوصاً الدينية). وكان لا بد للترجمة ان تكون المفتتح، وهكذا كان لحركة التنوير إبداع هويات لها، عبر تفتيح منجزات الآخر (وهنا الآخر جزء من الذات القلقة). وليس غريباً أن تكون الحضارة العربية بمناحيها العقلانية، وخصوصاً ارث الترجمة فيها، رافعة لتلك النهضة. كأن يقال ان الغرب تعرف إلى الفلسفة اليونانية عبر ترجمة العرب لبعض فلاسفتها الكبار، قد يكون هذا القول مبشراً باعتبار انه يحصر اثر الحضارة العربية بالترجمة فحسب، غافلاً الفعل الفلسفي الابداعي، أي فعل الهوية العربية المكتشفة، والمتحركة بتعدديتها الخصبة.
وإذا عدنا إلى النهضة العربية الأولى (بعد الإسلام)، فسنجدها في العصور العباسية. وهي المراحل الحاسمة التي انتقلت فيها الهوية من اطرها الثابتة (القبلية، العشائرية المتصارعة ضمن هوية واحدة وسلوك واحد، وتقاليد واحدة) إلى فضائها الرحب: أي المراحل التي اضاءت الذات على الذات عبر الذات الاخرى: الترجمات، وعلى مختلف الصعد: الفلسفية، السياسية، الأدبية، الشعبية، الإدارية، الطبية.. الفلكية، العلمية، الحسابية. بهذا المعنى لا يمكن اعتبار الهوية في هذه المعمعة سوى بطاقة خروج لا محدود، وكذلك إشارة دخول إلى أعماقها، ولا يعني ذلك ان الترجمة تلغي الهوية أو تهددها، بما تنجزه من معارف، بقدر ما تعني انها تكتشف ما في الذات وما في نفسها كأن نقول ان الترجمة تحل محل التراث، (او الهوية)، فهذا القول تبسيطي (وايديولوجي أحياناً)، أو أن نقول ان الهوية تفترس الترجمة فهذا أيضاً قول عسفي. الواقع ان الإنسان العربي في العصور العباسية، وقد وعى جيداً التغيرات التي أصابت ميادينه، كأنما حاول بفعل إرادي أو غير إرادي لتفحص ما في أحواله، وما في امكاناتها، وما في احتمالاتها، وما في قدراتها، استعداداً لاستبطانها من ناحية، واستخراجها من ناحية أخرى، بغية وضعها على سبل تجاوز ما أعاقها قروناً: فحركة الترجمة آنئذ هي حركة استجابة الذات إلى الذات. فبها استكهن العربي حدوده الفكرية وسواها، وهوياته المقموعة. بل كأنه يستدعي معارف الآخر ليقول انها معارفي المستبطنة. وهوياته باعتبارها هوياته المحكومة بالانطماس.
وما نقوله ليس جديداً. ويمكن مثلاً، وبكل بساطة، مقارنة الهوية الثقافية في العصر الجاهلي بالهوية الثقافية في العصور العباسية. في الأولى، حتى التعددية الدينية اليهودية والمسيحية والصابئية والوثنية.. وجراء اختزالها في البيئة القبلية والعشيرية، فقدت من تمايزاتها العميقة، أمام واحدية القبلية ضمن منظومة تاريخية من التقاليد والعادات والأنماط الشعرية والاجتماعية والطقوس. ذلك ان هذه المرحلة الجاهلية (الثانية)، قد تكون اتسمت بغير ما سادها على النحو المعروف، وبحسب ما أريد إيصاله إلينا، نظراً لوجود ممالك وبنى حضارية مشهودة، إلا ان شدة اعتداد الجاهلي بذاته القبلية كإطار نهائي لعلاقاته، ولطبيعة حياته المترحلة طلباً للكلأ والماء، والاستمرار في البقاء، جعلته يدور في هذه الحلقة الذاتية المفرغة، والمغلقة، أي جعلته يتوهم انه محور الكون، وإن الكون يبدأ وينتهي عند عتبات القبيلة، وهذا ما جعله متشبثاً بواقعه حتى الموت. فالقيم هنا مختزلة بالثأر وانصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وبالغزو، وبالقوة، وبالحروب، ووأد البنات، والعِرض، والقِرى...
والمفارقة انه برغم وجود ديانات روحية كالمسيحية واليهودية والصابئة وكثير من معتنقيها، فإنّ المنحى المادي، المباشر، هيمن على العقول والنفوس. إذاً هوية مكتملة بانغلاق (وكل انغلاق اكتمال الحدث بالموت) بالرغم من بروز قصائد ونصوص مفعمة بالتأمل الوجودي العميق كما عند زهير وطرفة ولبيد.. من هذه البيئة المحكومة بمعطياتها، جاء الإسلام ثورة اجتماعية على كل القيم الجاهلية.. من دون المساس بالقيم الدينية في اليهودية والنصرانية (أهل الكتاب). وكانت لحظة تاريخية حبلى بالتغيرات، لأنها كانت تؤسس للخروج من البيئة المحدودة إلى أبعد منها. وقد تحقق هذا الخروج عندما تحول الدين الإسلامي نقيضاً أساسياً للمنظومات القبلية، إلى ما أبعد من ذلك، عبر الفتوحات الواسعة، واستقرار الامبراطورية، واستحداث المدن، والانخراط في إنجازات تلك المرحلة حضارياً انسحاباً إلى الحضارات القائمة والقديمة، بمعنى آخر، كسر الإسلام (كنظام حكم ونظام قيم) محدودية الهوية الجاهلية، ومكبوتاتها، ومخزوناتها: فإذا كانت البيئة الجاهلية قد تقبلت المسيحية واليهودية والصابئة والوثنية.. ضمن تعددية (مختزلة بالقبلية)، فإنّ هذه البيئة تقبلت الإسلام: وهذا يعني ان انغلاقها، وبرغم كل شيء، كان قسرياً، وكان معمماً بهشاشة (برغم ممانعته الملموسة). ويعني ذلك انها عندما زاوجت بين المعتقد الديني والوثني والقبلي، فلماذا لا تزاوج كل ذلك بآفاق حداثية عند ذلك الآخر الذي تجهله عبر انتقالها إلى زمن آخر، وامكنة أخرى شاسعة. هذه المسيرة لم تأتِ بنت ساعتها، إنما تهيّأت لها، عبر تكوين مقومات العصر الراشدي والدولة العربية الإسلامية في العصر الأموي وفي الأندلس، وصولاً إلى المجتمعات المركبة في العصور العباسية، هذه المجتمعات المركبة (المهجنة)، راحت تكتسب، مع الاحتكاك بالحضارات المكتشفة، وبالترجمة، وبالتناقضات، اتجاهات أخرى. بدأت تتلمس منابت جديدة، ضمن الشعور بالحاجة الملحة لتعميق هذا التلمس، وهنا يمكن التوقف وطويلاً عند الترجمة كفعل إرادي (وإبداعي) لنبش ما اندفن قروناً في الذات، ولكشف المستور داخل الجماعي والفردي، وعندما نقول الترجمة يعني ان الهوية المطمورة وامكاناتها الخفية، تتمظهر ضمن شروط متفاوتة، عبر تجليات المخزونات لدى ما يمكن تسميته هنا الآخر: وهو كشف الذات. بل كأن الترجمة ليست مجرد عامل تقني أو مهني بقدر ما هي تلبية لهاجس وجودي ontologique، وقلق إنساني، وتدارك لما فات الذات من الذات. وبهذا الشعور يمكن الكلام على حركة متشعبة، ووعي مركب، وادراك حاد، بأن ما يسعى إليه العربي عبر الترجمة هو بداية التوصل إلى مفهوم له مفاده ان الحضارة الإنسانية واحدة، والثقافات متعددة: واحدية الحضارة وتعددية الثقافة، وهذا ما دفع المترجمون من الانواع كافة، إلى اعتبار ان هذه الحضارة الشاملة الموجودة مثلاً عند الاغريق أو الهنود أو الفرس أو سواهم إنما هي حضارتهم المؤجلة، وان الانتماء إلى هذه الحضارة العمومية لا يعني لا تذويب الهوية (الموروثة) ولا إلغاءها، بقدر ما هي إمعان في الاقتناع بأنّ الحضارة لا يصنعها زمن واحد، أو شعب واحد، أو عنصر واحد، وإنما هي صنيعة شعوب وأمم على امتداد قرون، انكسر الخوف، وتحطمت القيود، وتداعى وهم الذات محوراً للعالم. إلى ان هذا العالم هو محور كل ذات، وشبيهه، وقرينه، وربيبه. إنه فعل الخروج، بكل ما يعني ذلك من ترك، ومن مغادرة، ومن نسيان (إيجابي)، ومن تذكر غير مهجّس بحنين الموانع، والاقتلاع من لحظة الحاضر والمستقبل.. بل أكثر: تبدو الترجمة، كسبيل لهذا الخروج، وكأنها أداة معرفية لمعرفة الذات السالفة، بوسائل من خارجها. ونظن ان الإسلام، كنص، وتعاليم، وشرائع، ومتون، إنما اغتنى، أكثر،وكذلك المسيحية، عندما استبعدت قراءاته في طور ما تمت ترجمته من مفاهيم فلسفية، فأثر الترجمة لم يخترع الإسلام، ولا المسيحية، ولا حلت الأفكار الفقهية والتفسيرية واللاهوتية محلهما، وإنما جاءت كدوافع جديدة، واستبصارات جديدة، ومسابر جديدة، لاكتناه جوانب من جوانبهما مجهولة. (وهذا ما لم يكن متوافراً مثلاً في الجاهلية). بل ان الترجمة ساهمت في تعديل الأنماط الشعرية مثلاً، والروايات، والقصص إلى ما فجّر امكانات غير مألوفة. فلولا ترجمة الفلسفة اليونانية مثلاً، لما نضجت تجربة المتنبي التأملية، أو تجربة أبي العلاء الفلسفية، وقبلهما تجارب ابي تمام (الغريبة). فلو كان المتنبي يعيش في الجاهلية لما نظم ما نظمه، ولما أدرك تلك القمم العالية من شعره. ولو لم تترجم الفلسفة اليونانية مثلاً، لما ازدهرت المدارس والاتجاهات الفقهية والفكرية، والمتفلسفة. فالهوية الاجتماعية هنا، وبفعل الاحتكاكات (والاحتكاك الإنساني بالآخر نوع من الترجمة)، تحولت تحولاً لافتاً سواء في العصور العباسية أو الأندلس.. وهنا نعود إلى الترجمة وأثرها في النثر أو الابداع النثري، والذي خطا خطى غير مسبوقة، في استيعابه نصوصاً أجنبية وترجمتها كـكليلة ودمنة، أو في تماسه مع خرافات وحكايات هندية أو فارسية لتكون من مكونات الف ليلة وليلة.. التي نعتبرها ديوان العرب الجديد، الذي عكس التحولات الجذرية التي أصابت المجتمعات العربية.
ويمكن القول ان تطور الشعر العربي الجذري قد لا نجده في الارث الشعري العمودي (المتنبي، ابو نواس، ابو تمام، بشار، أبو فراس)، بقدر ما نجده في النثر المهجن، الخصب، في ألف ليلة وليلة أو في رسائل العشاق أم في طوق الحمامة، فالاجتراحات اللغوية، واختراق مناخ لغة البلاط والخاصة والحرص على إدامته، نجدها هنا بالذات، وإذا أردنا أن نعرف حقاً التغيرات التي أدركت السلطة والعصور والمخيلات والشارع والهوامش فلن نجدها تماماً في القصيدة العمودية.. بل في حكايات ألف ليلة وليلة: فهنا المفتتح الكبير للشعر (خارج قوانين النظم والبحور). بل انها المغامرة اللغوية الكبرى والشعرية تحديداً التي خاضتها الثقافة العربية. فأي هوية محددة يمكن أن نشير إليها في قراءتنا هذا المؤلف العظيم، أو في تقلبنا كليلة ودمنة، وأي هوية يمكن التمسك بها عندما كان يدفع لكل كتاب مترجم زنته ذهباً! فالآخر من ذهب! أي نحن من ذهب. وما عند الآخر من ذهب يعني ما عندنا من ذهب. إنه ذهب الترجمة الذي ساهم في الاقتراب من الانضمام إلى أفق الحضارة العالمية (آنئذ)، مع تعددية الثقافة، الهوية التي تبحث عن ذاتها ليس في ذاتها، وإنما في ذاتها الكبرى، في الاحتمالات التي تولدها عبر تحركها نحو الانجازات الاخرى. فالمسألة اكثر من نهوض من نبوة، وأكثر من مهارات مكتسبة في استخدام الأدوات الجديدة، وأكثر من انغماس في مسالك العيش والحياة المكتشفة، إنها، انبثاق لكل ما تراكم قروناً، ليضيء الخصوصية إلى أبعد منها. بمعنى آخر لم تعد فكرة النقاء (الهوية الخالصة: القبلية أو حتى الدينية أو الاجتماعية) هي الصورة التي تخفي مجاهل النفس، والانتماء، والبقاء. بل لم تعد الحضارة العربية محاصرة بهذه الفكرة: أي لم يعد هناك حضارة عربية إسلامية صافية أو نقية. وهذا يحيل على جوهر المساءلة: فكما ان التماذج والترجمات والنقل والتوسع، هجنت كل ما في العربي، فيعني انه قبِلَ فكرة التهجين عند الآخر، وقبل فكرة أن أي تطور للذات لا يمكن أن يتم عبر الذات (ولا من دونها). وان أي حضارة تنهض في حركتها لا يمكن أن تخص لا شعباً محدداً، ولا زمناً محدداً، لا أمكنة محددة: إنها فعل الشعوب على مرّ الأجيال.
[ قدمت هذه الورقة أمس في مؤتمر الترجمة الذي يعقد حالياً في القاهرة بتنظيم من المركز القومي للترجمة








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.