8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ماذا تبقّى من اليسار الفرنسي؟

قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة، وبعد نتائجها بفوز ساركوزي على سيغولين رويال، وإصابة الجبهة الوطنية بخسارة كبيرة، وكذلك اليسار المتطرف، وحتى الخضر، قال المحللون وبعض المفكرين وحتى الفلاسفة (الذين كانوا جدداً في السبعينات، واهترأوا اليوم)، أن اليسار قد انتهى وتحديداً الحزب الاشتراكي الفرنسي، وأنه بات بلا جدوى، ولا فائدة، ونزلت التشريحات، والتحاليل من فج وعميق وانقسم الإعلام الفرنسي أحياناً والتقى أحياناً أخرى على تحديد الأسباب والدوافع والإشكاليات، لا سيما وأن الوسط بزعامة بايرو، احتل مكانة آنئذ لا بأس بها، لكنها اهتزت فيما بعد لمصلحة الخضر في الانتخابات الأوروبية.
اليوم، سجل اليسار وتحديداً الحزب الاشتراكي، فوزاً مبيناً في الانتخابات الإقليمية (الجبهوية)، ليُمنى اليمين بالطبع بهزيمة مجلجلة، وطلعت العناوين الكبرى ومقدمات الأخبار والتعليقات بأنها صفعة قوية لساركوزي، وعقاب عادل على سياساته الفاشلة من دون أن ينسوا تأثير حياته الشخصية وزواجه وعلاقته الحميمة بالأثرياء، على تراجع شعبيته. وفي هذا الانتصار العظيم تألقت أوبري (أمينة عام الحزب الاشتراكي)، وكذلك في المقلب الآخر، استعادت الجبهة الوطنية روحها بزعامة إبنة لوبان، ماري لوبان، وضاع الوسط في الخضم، وسجل الخضر بعضاً من الانتصار ولم نلمح لليسار الجديد (الماوي، التروتسكي!) آثاراً بالغة، مع أنه سلطت الأضواء، على كوهين بندت (الزعيم الطالبي في حركة 1968) مقابل وهن بيزانسونو الذي ارتفعت شعبيته قبل سنوات لتصل الى 13 في المئة...
خريطة مقتصدة هنا تعبر إذا ما قورن اللاعبون عليها، عن حركة رجراجة، غير ثابتة، للقوى عليها: مدّ وجزر، طلوع ونزول! ثم تحاصرك التحاليل والندوات والسجالات لتدرك الانتخابات الرئاسية 2012، ليستبصر بعضهم... مصيراً... أسود... لساركوزي الذي يُحمّل وزر هذه الهزيمة المدوية لليمين...
هذا الخضم الإعلامي الصاخب المُجعجع بلا طحين، وتلك الحركة المتضاربة على صعيد الصراع على السلطة، يبدو السياسي هو الطاغي، بالمعنى التداولي، وهو المهيمن، لكن هنا، على حساب الفكري (ولا أقول الإيديولوجي) والاجتماعي، والثقافي، وحتى الفلسفي. بمعنى آخر كأنما الصراع السياسي الهش في فرنسا اليوم بات منفصلاً عن هواجس الأفكار الكبرى التي دفعت مساره في القرن العشرين (امتداداً للثورة الفرنسية)، وباتت الإيديولوجيا، بعمومياتها وتفاصيلها، والنزعات الإصلاحية، والبنى الفكرية السائدة، متداخلة، على غير تميّز إلاّ في التفاصيل لكي لا أقول في الشعارات، بحيث عُدتَ أحياناً لا تفرّق. بين يسار ويمين، بين اشتراكية ورأسمالية، بين ليبرالية وثورية، بين يمين وسط ويمين يسار، ويمين يمين.
ويكفي أن نلاحظ مدى التحول الذي أصاب الجمهور الذي انتخب بقوة اليمين (مع ساركوزي)، قبل سنتين، لنعرف الى أي مدى باتت الانتماءات هشة، وسهلة التنقل بين معسكر ومعسكر، لتدخل عليها السمة الأميركية، سواء على الصعد الإعلانية أو الإعلامية، أو على السمة العالمثالثية، من دون أن تنسى أيضاً الواقع الاقتصادي المهزهز، والعلاقات الأوروبية، ووضع اليورو، وكذلك النقابات العمالية والطلابية التي فقدت زخمها وفاعليتها وحتى بنيتها المتماسكة.
بمعنى آخر تبدو الخريطة السياسية الفكرية شبه منفصلة عن امتداداتها التاريخية، والمفصلية، الموروثة من الثورة (1779)، وقيام الجمهورية... بأعدادها وأحزابها وتبادلياتها. فالصراع داخل الحزب الاشتراكي عويص، بقدر ما هو شرس، ومنقسم على نفسه وأفكاره: فهناك مثلاً من يتمسك بالاشتراكية كنقيض الليبرالية، وسياسة السوق، والعولمة، وتكوين الجمهورية، والمسألة النقابية. هذا يمكن تسميته الاشتراكي العريق الذي يذكر بميتران خصوصاً، وهناك من يرى أنه لا بد من انفتاح الاشتراكية على العولمة، ومتطلبات السوق، والاقتصاد الحر، ولو بنسب معينة. بل وهناك من يسعى الى فتح الاشتراكية على التجربة الرأسمالية الأميركية... وهنالك أيضاً من يقفز بين هذين الاتجاهين كسيغولين رويال، في وقت يُبدي فيها الأمين العام السابق للحزب الاشتراكي هولاند مواقف رجراجة، من دون أن ننسى هدف أوبري منذ تسلمها قيادة الحزب الى جمع شتاته لكن على ماذا؟ على الفكر؟ أم على السياسة، مجرد السياسة (كسعي الى السلطة لا الى مشروع متجدد)، من دون تكوين أرضية مشتركة ثقافية تجدّد فكره، وتركيبته، عبر مزيد من انخراطه في الواقع المعيشي، والنقابي، والإعلامي... وإذا انتقلنا الى الحزب الشيوعي الفرنسي، فسنأسف للوضع الذي وصل إليه أي: 2%، ما يعادل فصيلاً من فصائل اليسار المتطرف أو الراديكالي من تروتسكيين وماويين. وهذا يعود الى أيام ميتران الذي نجح (كإشتراكي) في إضعاف الحزب الشيوعي لاستيعابه، وكذلك الى سياسة أمينه العام الراحل جورج مارشيه الذي أبقاه مرتبطاً بمركزية الحزب الشيوعي السوفياتي، خارج كل إصلاح يواكب الاتجاهات التغييرية والإصلاحية التي تمت تحت مسمى الشيوعية الأوروبية (الارو كومونيسم)، لا سيما في إيطاليا وإسبانيا.
فلا الحزب الشيوعي بات موجوداً فعلياً إلاّ كتراث وذكرى، ولا الحزب الاشتراكي بات مستمراً كخط نضالي شعبي (لا كمجموعة قيادات تسمى الأفيال بورجوازية، مترفة)، ضمن مشروع تغييري متميز. ونظن أنه مقابل النعي الذي أعلنه بعض المفكرين والسياسيين لهذا الحزب (كالفيلسوف هنري ليفي كظاهرة للثقافة الإعلامية الضحلة)، كان هناك كاتب وصحافي عنيد كبير هو جان دانييل (رئيس تحرير مجلة نوفيل أوبسرفاتور)، الذي، وبرغم كل الحملات على الحزب الاشتراكي، حتى دفنه، احتفظ بالمراهنة عليه، وتصدى في مقالاته لمن أعدموا دوره. ولكن النيات الحسنة لا تصنع التواريخ ولا الآمال الكبرى، ولا الإنجازات. صحيح أن اليسار قد فاز في هذه الانتخابات الإقليمية، لكن الصحيح أيضاً أنه سجل في الوقت نفسه مزيداً من التماسك، إزاء تناهش زعاماته على السلطة وتالياً على الترشح للرئاسة المقبلة: من سيغولين رويال الى أوبري، الى هولاند، الى دونويل... والمفارقة أن هذا التناتش على السلطة، وعلى السباق الى الوصول، لا ينمّ (عموماً) على صراع فكري، قد يجسد تنوعاً داخل الحزب، أو تعددية. وهذا ما كنّا نرجوه: ذلك أن مفهوم الحزب اليوم، وفي ظل التحولات القائمة، وانهيار التجارب السابقة من إيديولوجية ونقابية، لا بد أن يغيره، وتتغير البنود، وأشكال التنظيم، من لجان مركزية، الى مكاتب سياسية... بمعنى آخر أن يتم كسر المنحى الغيتوي الذي استمر عشرات السنين، بحيث يكون الحزب دائرة مغلقة تضم عالماً متشابهاً من الناس والهواجس... والأفكار والمسالك.
هذا لم يحصل، لا عند اليسار ككل ولا داخل الحزب الاشتراكي ولا عند الجبهة الوطنية (تم توريث زعامة لوبان الى ابنته العزيزة ماري فأي سحر مارسته الأحزاب والأنظمة العربية على هذه الجبهة الوطنية العالية!)، ولا حتى عند التروتسكيين والماويين وصولاً الى الخضر: الساحة السياسية الفرنسية اليوم متشابهة حتى الضجر. وعندما تتلقف مجلاتها وصحفها من لوبوان الى لونوفيل أوبسرفاتور، الى الإكسبرس الى ليبراسيون (سليلة ثورة 1968) الى لوفيغارو تكتشف نمطية تجمع بين هذه المنابر الكبيرة، وتماهياً (ربما غير مقصود) بين أساليبها وتقنياتها، فكأن العولمة وسواها، والأحزاب وسواها، دمغت هذا الإعلام المكتوب بتوتاليتارية مقنّعة هي سمة البلدان المحكومة بالصوت الواحد. والملاحظ أن هذا الواقع قد غمر الثقافة والمثقفين أيضاً، والفكر والمفكرين الى درجة يمكن أن تسأل: هل بقي دور للمثقف الفرنسي شبيه بدوره على امتداد القرن العشرين (إميل زولا رائد في هذا المجال في نهايات القرن التاسع عشر)، حيث كان منصة حية للمواجهة، والمجازفة، والبحث، والدفاع عن القضايا الكبرى، وتبنّيها، أين السجالات العالية بين سارتر وريمون أرون؛ أين ذلك الانخراط في صنع الهواجس الجديدة عند سيمون دي بوفوار، أين المواجهة الكبيرة بين كامو وسارتر؟ أين حدة الصراع الإيديولوجي بين اليسار واليمين؟ أين الحركة العمالية والنقابات والتي كانت أيضاً مخزناً حياً للمثقفين؟ أين من كان يسمى المثقف العضوي والجذري، المواجه، المتمرد، المجنون الفوضوي، الغضوب، النزِق، الهامشي؟ من بَرَى زوايا الثقافة الفرنسية فأملست، عندما أنجبت أنواعاً من بضاعة الفلاسفة الجدد؟ (ليفي، كلاسمان فرانكوفت...)؟ أين بحثية ميشال فوكو؟ أين ثورية بيار بورديو؟ أين ذهبت تلك الحالات التي صنعت الزمن الجميل، أو الزمن الغاضب: وهل هناك زمن جميل من دون زمن غاضب ورافض وجريء ومجازف؟
كأن كل شيء تغير في باريس: حتى المقاهي (بعضها أغلق لتحل محلها مطاعم أو مستودعات ألبسة) وتكاد تندثر تلك المقاهي التي عرفت المثقفين والشعراء والكتّاب والرسامين في سان جيرمان دي بري... وسواها، حتى المكتبات الكبرى مهددة اليوم بالإغلاق. وكذلك بعض دور النشر، لكي لا نوفر واقع المسرح والتلفزيون. هذا يعني أن ثمة تغييراً ما في بنية الثقافة الفرنسية، يعبر عنها بوضوح ضعف التمايزات الفكرية، وتراجع المناحي النقدية (العولمة من الأدوات التي تقتل كل يوم الحاسة النقدية مقابل ظواهر القبول والاستهلاك والطوطمية الجديدة). وهذا التغيير الثقافي يعكس طبعاً تغيراً في البنية الاجتماعية، من حيث أن ضعف التمايزات في الصراع السياسي والفكري أضعف التعددية وحس الاختلاف، وأسطع الأمثلة تتمثل بالبست سيلرز والأكثر مبيعاً بين الروائيين الفرنسيين، على حساب الرواية المركبة الطليعية الخارجة على قوانين السوق والذائقة المعممة. وكذلك المسلسلات الفرنسية المرتمية في التواريخ السالفة بعيداً عن التعبير عن تناقضات المجتمع ومشاكله وأمراضه كما نجد في الانتاجات الأميركية التي تعالج من دون تابوهات كل ما يعانيه المجتمع الأميركي: المخدرات، فساد القضاء، فساد الشرطة، التمييز العنصري، واقع المستشفيات، وصولاً الى البيت الأبيض، والعنف. وهذا ما لا نراه في المسلسلات الفرنسية التي باتت تشبه المسلسلات العربية من حيث غيابها عن الواقع وارتماؤها في التواريخ والقضايا الاجتماعية المختلفة.
كل هذا يدل على بنية عمومية تتشكل من ضمن ما يسمى بعد الحداثة، وبعد العولمة (بدأ الكلام على ما بعد العولمة!)، وما بعد الرأسمالية وما بعد الليبرالية، وما بعد اليسار وما بعد اليمين... لتختزل كل هذه الظواهر والتعابير في هاجس سجالي حول الهوية الوطنية التي أطلق نفيرها الرئيس ساركوزي (ويقال أنه دفع ثمنها في الانتخابات الأخيرة، وأنه هو الذي أعاد الروح الى اليمين المتطرف المتمثل بالجبهة الوطنية). فخلال الأشهر الماضية طغى على كل المنابر جدل حول من نكون؟ وكيف تكون فرنسياً، والهوية الفرنسية في خطر وما علاقة الآخر بالأنا... والهوية بالمهاجرين من دون أن ننسى تلك العاصفة التافهة التي أثارتها مسألة البرقع، فكأن ارتداء بضعة مئات من النساء هذا البرقع... قد يهدد الثورة الفرنسية والهوية الوطنية والتاريخ الفرنسي...! أف! أإلى حد بات المجتمع يعاني هذا الوهن، والخوف؟ الى درجة يمكن القول فيها أن المجتمع الفرنسي انتقل اليوم (أو نقله المفكرون والسياسيون من يساريين ويمينيين) من منصة المواجهة والإبداع والاختلاف الى مناطق الخوف والعقم والأحادية! مجتمع مرعوب! بيسار مرعوب. ويمين مرعوب. وثقافة مرعوبة. كل ذلك عائد الى حد ما الى ميلان الثقافات المعممة غير العقلانية (بلاد ديكارت تجافي العقلانية وتسقط في الخرافية!)، بلاد نابليون وديغول تستسلم للمد المعولم الكاسر زوايا النقد والاجتراح! بلاد رمبو ولوتريامون وبودلير لائذة بالخمول والسلامة والحكمة العاقر. بلاد الثورة الفرنسية أخت الثورة الأميركية التي سبقتها، كأنها باتت بلاد القبول والخضوع. بلاد النزعات الطليعية التي لا تتوقف من السوريالية الى الوجودية الى العبثية الى الرواية الجديدة، الى السينما الجديدة، الى كل شيء جديد نائمة في الانساق الألفية على أمجادها الغابرة!
ونظن أن كل ما آلت إليه الثقافة في فرنسا اليوم، يعود النصيب الأكبر منه الى ضعف اليسار. اليسار كمخزون تغييري، كمنبر للصراخ، والرفض، والتمرد، والهامشية، والاختراق، وعدم الرضى، والتجريب، والحماقة، والنزق، والجمال، والجنون، والجرأة، فإذا غاب اليسار عن مجتمع ما (ولا أقصد الماركسية عندما أقصد اليسار، لأنه بات يتجاوزها اليوم)، فيعني أن هذا المجتمع محكوم بالانحطاط. فالنهضات الكبرى هي لاءات كبرى. ليس على الصعد الفكرية فحسب، بل على الصُعد التعبيرية والفنية والجمالية وطرق العيش والملبس والمأوى واللغة والتراث والمستقبل. فاليسار الذي كان يُشبه بالنهر الجاري (السيرورة والصيرورة)، بات من مستنقعات السائد. ولا يمكن أن يشهد المجتمع الفرنسي نهوضاً ملموساً من دون عودة الروح الى اليسار، وكذلك اليمين. أي عودة الروح الى تلك الجدلية القائمة على تناقضات المجتمع والتاريخ، أي تفاعلات الاختلاف بين الأفكار العليا، وبين البنى التحتية، والناس، وعندما نقول عودة اليسار نعني يساراً آخر (لا إعادة إنتاج اليسار القديم واليمين القديم)، بمفاهيم أخرى غير جاهزة تستنبت من عمق الواقع الملموس والمعيشي، ومن عمق الحاجات والهواجس، والحريات غير المشروطة، والديموقراطيات غير التوتاليتارية، وغير الاستهلاكية، وغير الخرافية، والأسطورية. بمعنى آخر لا يقوم يسار جديد فاعل إلاّ على أنقاض أسطورة اليسار القديم، ولا تقوم ثقافة تغييرية جديدة، إلاّ على أنقاض ثقافة الاستهلاك والببغائية والأحادية والغياب وموت الروح وانعدام النقد.
نتكلم على اليسار الفرنسي بهذه الصرامة لأنه قدم الى العالم نماذج عالية من الممارسة والطليعية، ونتكلم عليه، لأننا، في العمق نكاد نتكلم على كل اليسار العربي المهزوم حالياً والمغيب في الكواليس الخلفية للمجتمعات العربية.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00