وهل توقفَّت الانتفاضة الفلسطينية في الضفة والقطاع لكي نتكلم على ملامح انتفاضة ثالثة، بعد الاثنتين اللتين أعلنهما الشعب الفلسطيني، الأولى انتفاضة الحجارة والثانية انتفاضة السلاح؟
وعندما نتساءل عن هذا الأمر فلأن روح الانتفاضة لم تخمد لا عند أهلنا في فلسطين، ولا عند الذين ما زالوا يصرون من العرب وغير العرب، والمسلمين وغير المسلمين والمسيحيين وغير المسيحيين والقوميين (لا القومجيين) باعة الأراضي والأوطان والمواقف والشعارات، ولا العلمانيين أقصد الذين لم يصدقوا يوماً لا الكيان الصهيوني في أحابيله السلمية المزيفة، ولا بعض الأنظمة العربية التي تُفضل حماية نفسها ومصالحها وسلطتها على مخاطر التوسع الصهيوني ولا الاتفاقيات المخدرة ولا التعاقدات المفروضة. فالثورة الفلسطينية التي تمركزت في لبنان في فترة من فتراتها ومعها المقاومة الوطنية المظفرة (أحد مؤسسيها المناضل الشهيد جورج حاوي الذي كوفئ على نضاله باغتياله ومن ثم بتخريب بعض العملاء من الداخل أو من الخارج لوحته التذكارية في المزرعة) والجماهير اللبنانية والعربية والعالمية أيضاً. ويعني ذلك ان الانتفاضة الأولى ارتاحت على مشروع السلطة والثانية على الصدام بتراجع اسرائيل عن تعهداتها، واستكمالها عملية التهويد. تهويد كل ما تدركه أنيابها وزرع المستوطنات في الضفة، وصولاً اليوم إلى ما سمي كنيست الخراب؟
هذا الكنيست اختير (أو ربما اختاره لهم ربهم العادل باعتبارهم شعبه المختار! عدنا الى التوراة مصدر مآسينا) لكي يكون استكمالاً ورمزاً لمزيد من الجنون العنصري، والاستيطاني والاستعماري. ولا يعني ان شيئاً جديداً قد حصل.
فالعدو الصهيوني هَوَّدَ الجولان (لا أهله) العربي وكاد يهوِّد الجنوب اللبناني لولا المقاومة الوطنية والمقاومة الاسلامية ووراءَهما الشعب اللبناني، والأخطر في كل ذلك، بل والمفارقة المأسوية ان الكلام على انتفاضة ثالثة يأتي اليوم في ظل تداعي أدوات المواجهة العربية وتقسيم التقسيم في فلسطين بين أهل السلطة وحماس: تقسيم جغرافي (وأيديولوجي) بين الضفة وقطاع غزة، وكنّا قد كتبنا قبل عدة أسابيع وفي هذا الحيز بالذات، عن ضرورة قيام انتقاضة مزدوجة: انتقاضة الشعب الفلسطيني على الذين قسموا تقسيمه لضرب امكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وعلى الذين يتاجرون بقضيته، ويساومون عليها، ويجعلونها بضاعة أو ورقة في أيدي الغير، وانتفاضة أخرى مستكملة مركزة منظمة مدروسة ضد الاحتلال الصهيوني. ولكنّ الانتفاضتين صعبتا المنال معاً: فهما تشتتان القوى المفترض ان تكون مجتمعة في حركة مقاومة واحدة، وتضعف مفاعيل المواجهة. وهذا يعني وجوب توحد كل الفصائل والحركات سواء في غزة أو الضفة، أو بين السلطتين. فحرب اسرائيل الأخيرة على غزة كانت استفراداً رهيباً بغزة وناسها في ظل الانقسام الداخلي ومعه العربي؛ ونظن أنه لا يمكن ان يعقد اتفاق على مقاومة واحدة سوى بعودة القرار الى الشعب الفلسطيني أي الممثل الشرعي الوحيد لقضيته، فلا تكون قضيته جزءاً من لعبة مصالح خارجية وعلى حساباتها أو جزءاً مرتهناً بقضايا أقليمية. فهناك قضية واحدة لا قضيتان هي القضية الفلسطينية التي يجب أن تخدمها وتغذيها وتدفعها كل العناصر والامكانات الداخلية والخارجية لا ان تخدم غيرها من اطماع بعض الأنظمة من هنا وهناك. (توحدت كل القوى في الجزائر لتحرير وطنها من الاستعمار الفرنسي، وتوحدت كل قوى المجتمع في فرنسا على تناقضها لتحرير فرنسا من الاحتلال النازي). وهذا أقل الايمان. اذ لا يمكن مواجهة العدو الصهيوني بقضيتين أو بثلاث، تبدو الأولوية (أحياناً كثيرة) لمصالح الأطراف الخارجية: فلسطين أولاً! نعم! لا هذا النزاع البعيد، ولا هذا التواطؤ القريب. وعندما نقول فلسطين أولاً يعني الشعب الفلسطيني أولاً وتحرير الأرض أولاً ومنع التهويد أولاً ومواجهة الاستيطان أولاً، وقيام الدولة الواحدة أولاً، والمحافظة على القدس الشرقية أولاً كعاصمة أبدية لهذه الدولة. فاذا لم تكن فلسطين أولاً في فلسطين فأين تكون: في أفغانستان أو باكستان أو عربستان (نذكر أولاً أيضاً) في اذربيجان أم في علاقة الهند بالصين، أو في صراع أميركا مع ايران، أو في لعبة أصم غامضة هنا، أو واضحة هناك؟ وعندما نقول فلسطين أولاً نعني أن الشعب الفلسطيني هو المعني الأول بقضيته، وانه ومن ضمن هذا الموقع الوطني هو جزء من الأمة العربية المعنية أو المفترض انها معنية، لأنها قضية العرب كل العرب؛ ولأنها من هذا المنحى قضية عالمية وانسانية. فلا تُحجز هذه القضية لا في خانة طائفية، ولا في خانة أيديولوجية ولا حتى في خانات دينية: انها في كل هذه الخانات ولكن أكبر منها كلها.
واذا عدنا الى الانتفاضتين المشهودتين، نجد وبكل بساطة انهما كانتا تعبيرين عن تواصل النضال الفلسطيني الذي بدأ قبل 1948 واستمر بعد 1967 وصولاً الى تمركزه في لبنان ومن ثم تمركزه في فلسطين وانهما كانتا استمراراً متحولاً لهذا النضال: من المقاومة من الخارج الى المقاومة من الداخل، مع اختلاف الاساليب والمعالجة. وعلى امتداد هذه المراحل كان القرار المركزي في ايد فلسطينية وتحديداً عند أبو عمار الذي واجه على امتداد حربه مع اسرائيل تناقضات مع بعض الأنظمة العربية وغير العربية في محاولة اما لمقاسمته القرار الفلسطيني أو انتزاعه منه وتحويل زعيم الثورة الفلسطينية الى مجرد ساعي بريد بين هذه الأطراف أو منفذاً لمخططات الخارج. مما يفقده استقلالية القرار الفلسطيني ورمزيته التمثيلية. اذاّ كان على عرفات ان يكون مستعداً وعلى امتداد العقود الماضية لمعارك تتوزع من جهة مع المحتل الصهيوني ومن جهة اخرى، مع أطراف عربية وغير عربية تريد جعل القضية الفلسطينية مجرد ورقة من أوراقها. وفي هذا الاطار تم شقّ المقاومة، واستحداث تفرعات تخرج على قرار السلطة المركزية وتخضع لبعض الجهات الخارجية. اذاً انقسم القرار الفلسطيني المستقل، ومع هذا بقي عرفات ومنظمة التحرير والمؤسسات العسكرية والسياسية متماسكة، حتى رحيل عرفات: فلا استنبات حماس لتحويل الصراع الى ديني ومحاولة ايجاد تناقض بين عروبة عرفات وبين محمولات حماس الدينية التي استفادت من فساد السلطة ومن اخفاقات مرحلية في المفاوضات ومن دعم خارجي سخي لتكون المنصة المقابلة لمنظمة التحرير والسلطة والخندق المفتوح لمواجهة اسرائيل وصولاً الى تقسيم التقسيم الذي أضعف كل مواجهة موحدة مستقلة مع المحتل وادى الى نوع من تحويل مركزية القضية الى قضايا تتصل بالصراعات الخارجية والمحاور السياسية وما زال الوضع على حاله: سلطتان منفصمتان على جغرافية منفصمة، وعلى شعب مرغم على مواجهة بعضه بدلاً من مواجهة العدو المشترك موحداً. حتى لنسأل هل بقيت الاولوية لفلسطين عند كل الفلسطينيين، ام ان القضية الفلسطينية صارت مجرد رديف لقضايا المنطقة ووسيلة لمخططات المستفيدين من هذه الشرذمة والسؤال: هل يمكن ان تتحمل القضية الفلسطينية في وضعها الراهن ازاء استغلال العدو لهذا الوضع واستفراسه واستفراده كل فريق على حدة، وتصعيد جرائمه الاستيطانية في القدس والضفة. هل يمكن ان تتحمل في هذه الظروف أوزار صراعات خارجية اخرى فتكون الأولوية لها ولمواجهة العدو المرتبات الثانية والثالثة. بمعنى آخر هل يوجه بعض الفلسطينيين مقاومتهم طرفاً احتياطياً عند الآخرين على حساب حشد جهودهم وقواهم لمواجهة ما يرتكبه العدو؟ ولعّل الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها في المخيمات وخارجها، وكذلك العرب والعالم يشهدون تنفيذ مخططات الاستيطان، في القدس وفي سواها، لتهويدها بعدما هوَّدوا الجولان العربي السوري، ولعلهم اطلعوا على ردود الفعل الهشة من مختلف الأنظمة العربية، قريبها وبعيدها، وحتى من أميركا التي صعدّت ضد اسرائيل لحظة ثم عادت الى التواطؤ والمهادنة وكأن الدولة العبرية أقوى من الدولة الأميركية ومن سلطتها المنتخبة وأوباما والسيدة كلينتون.. من دون ان ننسى ان معظم الأنظمةالعربية والاعجمية اكتفت باستنكارات وادانة لفظية ومواقف خطابية وزجلية. ولا شيء أثّر في اسرائيل. لا شيء: ها هي تكمل جرائمها الاستيطانية مديرة الظهر للمجتمع الدولي والعرب والأعاجم والاميركان وأوروبا: فلأنها شعب الله المختار (أجلكّن) فهي ايضاً اقوى من كل الشعوب والأنظمة التي ترى ان الله سخرها وأباح كل ممارساتها وبربريتها ووحشيتها وعنصريتها: الم تبدأ العنصرية بتمييز الهي لهذا الشعب؟
ونظن ان اسرائيل لن تتوقف عن استراتيجيتها التوسيعة، (ألم يقل نتنياهو ان كل الذين سبقوه بنوا مستوطنات، فلماذا لا يكمل هذه المهمة؟ وبالطبع سيكرر هذا الكلام كل من سيخلفه باذن الله التوراتي). على هذا الاساس لن تكون انتفاضة ثالثة فاعلة ومستمرة الاّ اذا تأكد انها ستخدم كلياً (لا جزئياً) القضية الفلسطينية (وليس قضايا اخرى من هنا وهناك) فتكون المحورية بحيث تستغل كل الموارد والطاقات الداخلية والدعم والمساعدات الخارجية لتعزيز موقعها وتكون المستقلة في قرارها فلا يتخذ سواها من العرب وغير العرب القرار بديلاً منها، فقرار الانتفاضة اذا جاء من الخارج فانه سيصب في الخارج، ويتحول الفلسطينيون مجرد ذبائح عند اسرائيل من جهة، وعند من يستغلهم تحت شعار تبني قضيتهم من جهة أخرى.
فالانتفاضة تعني، اليوم، مواجهة اجماعية أولاً. مواجهة تأخذ بالاعتبار قوة العدو ووحشيته وأسلحته، وتبني عليها طرق المواجهة التي ان سميت انتفاضة ثالثة فلا يعني ان تتوقف هنا، أو ان تفتر هناك، استعداداً لانتفاضة رابعة وخامسة.. يكون مصيرها مشابهاً لما قبلها. ولا يمكن تأمين اي استمرار لانتفاضة فاعلة الاّ اذا كانت العناصر التي تكون صلب المقاومة مجتمعة، ومتضامنة ومشاركة؛ ومن غير الجائز الوقوع مرة اخرى في المطبات السابقة من حيث الاتكال على همة هذا النظام العربي او ذاك الأعجمي أو الاميركي.. فمثل هذه العهود التي عقدت للفلسطينيين في مراحل أساسية لم تثمر لا ضمانات للتنفيذ من قبل العدو، ولا ضمانات بلجم الجنون الصهيوني وعدوانه.
صحيح انه لا يمكن لفلسطينيي الضفة والقطاع القيام بالمواجهة وحدهم، دون الدعم العربي والعالمي لكن الصحيح ايضاً انهم هم صلب المواجهة ولحمها ودمها وعقلها: ومن غير الجائز ان يقايضوا بمصيرهم لقاء اي مساعدة لا سيما وانهم يعرفون تمام المعرفة أن أنظمة لا بأس بها تدعي دعمهم هي على تقاطعات حميمة مع اسرائيل وأميركا أو على الأقل ساعية الى هذه التقاطعات بالطرق الشتى، وبأي ثمن. ولكل من هذه الأطراف مصالحها، التي تلهث وراءها ولو حساب شعبها فما بالك اذا كانت على حساب شعوب أخرى.(استفيدوا من تجربة لبنان على امتداد قرابة أربعة عقود وتلقوا بعض الأجوبة الناجعة).
وفي تركيزنا على انتفاضة جديدة ثالثة ورابعة.. لا يعني تركيزنا على ظاهرة استجدها او يستكملها العدو: كبناء كنيست في القدس او زرع مستوطنات جديدة هناك. فهذه جزء من الأراضي المستباحة والمحتلة تماماً كما المستوطنات في كافة ارجاء الضفة. فالقدس تعني كل حبة تراب فلسطينية ومعانيها الدينية (اسلامية مسيحية) لا تعني أولوية بقدر ما تعني تشبثاً بدولة فلسطينية كلية تكون القدس عاصمتها المدنية. فالعدو في اختياراته ليس استنسابياً ولكن من خلال استراتيجية موحدة متماسكة متبناة من اكثرية الشعب اليهودي والقدس جزء منها: وعلى هذا الاساس لا يمكن تمييز القدس الا كونها منطلقاً لاستراتيجية فلسطينية موحدة لاسترجاع الحقوق السليبة. وعندما نتكلم على استراتيجية اسرائيلية اجماعية في كيانها العنصري، كأن نقول اجتمعوا على الباطل ونحن نختلف على الحق: اي وجوب ان تكون استراتيجية فلسطينية واحدة لا استراتيجيتان: اي لا استراتيجية في الضفة مضادة لاستراتيجية في القطاع. أو مخطط في السلطة واخرى عند جماعة حماس.
اذ ماذا ينفع ان تستمر المقاومة سواء تحت شعار الانتفاضة ام غيرها، اذا كان هناك تضارب في كيفية مواجهة العدو. وكيف يمكن الحديث عن فاعلية اذا كان كل من الأطراف الفلسطينية المتصارعة (ببطاقات ربما خارجية) حتى التخوين، متمسكاً بسلطته او بمكاسبه أو ببعض فساده، أو بترفه، أو بارتهانه للخارج!
نقصد ان كل استراتجية جديدة لا بد ان تستفيد من تجارب النضال السابقة والانتفاضات العديدة والأخطاء وغير الأخطاء ولعل افدح الأخطاء اليوم انه بدلاً من توحيد الشعب الفلسطيني حول قضيته المركزية، ها هو يُقسم حول قضايا غيره، حتى بتنا نشك احياناً باخلاص بعضهم لفلسطين وكأن هذه الفلسطين باتت من أوطانهم الثانية، لا سيما عندما يُأتمرون بالخارج. هذا الشك لا يبدو الا عندما ينزع كل طرف فلسطيني اي املاء عليه من من أي مصدر أتى بغية الاستيعاب والتوظيف. عندها بالذات يمكن الكلام على انتفاضة او ثورة أو نضال فاعل، أو طاقة تتفجر في مكانها الصحيح.
واذا بقيت الأحوال كما هي اليوم في فلسطين: أي صراع تقسيمي بين الضفة والقطاع، بين السلطة وحماس والجهاد.. و.. الشلل المستنبتة في الخارج بهمة بعض الجهات التي يكثر فيها الكلام العالي ويقل فيها الفعل الحقيقي فان اي انتفاضة لن تؤدي الاّ الى مزيد من الانقسام الفلسطيني والضعف امام العدو.. الذي لا يرى، حالياً، ظرفاً اكثر ملاءمة لاستفراس كل شبر من فلسطين بما في ذلك القدس.
فانتفاضتان منفصلتان متناقضتان لا تساويان مواجهة. وسلطتان على فلسطينين لا تساويان لا فلسطين، ولا سلطة. وعلى هذا الاساس، وفي استمرار هذا الوضع لن يبقى الاّ ان تستفرس فلسطين وشعبها من عدوانية اسرائيل.. ومن استيعابية بعض الأنظمة التي تحاول توريط هذه الجهة الفلسطينية او تلك في حروبها الخاصة بعيداً من اولوية القضية المركزية.
فهناك قضية واحدة عند اهلنا في فلسطين يجب ان يتوحدوا حولها، وهي مقاومة العدو الاسرائيلي في فلسطين، لضرب مخططاته واسترجاع الحقوق السليبة. والأسلحة لا بد ان تكون موجهة ضد العدو ومن أجل فلسطين (لا غيرها) لكي لا تضل وجهتها مرة أخرى!
كل ذلك تحت شعار فلسطين أولاً!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.