لكن هذا الإجهاض الثوري اللينيني للثورة الحيوية الفنية والمستقبلية والمسرحية والصحافية، بالقمع، والنفي والاغتيال (اضطهاد أنااخماتوفا وقتل مايرخولد، وانتحار ماياكوفسكي...)، لم يُعدم المغامرة، التي عاشتها من جديد الولايات المتحدة الأميركية بعد 15 عاماً من أفولها في بلاد لينين وستالين وجدانوف. ويمكن القول أيضاً أن المسرح الأميركي، ضمن هذه التجارب، في العشرينات والثلاثينات تأثر كذلك بتجارب بيسكاتور الملحمية والوثيقية والبروليتارية والاشتراكية تأثره بالتجارب الروسية والسوفياتية. فحين انتهت التجربات أو صورتنا أو صودرنا من قبل اللينينية أو الستالينية والنازية، وكأن هذه التجارب في بلدان مختلفة اشتركت في عوامل عديدة، والتقت عند مداخل سياسية وإيديولوجية وسياسية وأدت الى نتائج مسرحية أو ظواهر متشابهة الى حد كبير. ففي عشرينات القرن الماضي في أميركا، لوحظ تغير في الحساسية والجمهور وتحول في الفكر السياسي، وحيوية فائقة في مجالات كثيرة. وقد برز أونيل أحد عمالقة المسرح الأميركي بمسرحيته: Bound East For Cardiff، عام 1916، وفيها خروج على اللغة الأدبية. تتكلم بلغة البحارة الأميركيين، أي باللغة المحكية، متخلصاً من البلاغة التقليدية، ومعتمداً على فكرة التقشف في الديكورات المسرحية التي كانت تتكدّس في المسرح السائد مع أصحاب الاتجاه الطبيعي. إنه بداية فصل الدراما عن الأدب (التجربة التي جسدها بعد ذلك آرثر ميلر). هذه الحساسية الدرامية في اللغة وفي الديكور وحتى في الأداء غذاها مجيء ستانسلافسكي الى أميركا عام 1923 فرقة مسرح فنون موسكو، وقام بجولات عديدة في شيكاغو وبوسطن وديترويت ونيويورك ولقي نجاحات كبيرة. وقد جاء ستانسلافسكي بفرقة محترفة، مدربة ومؤهلة لأداء جديد يتجاوز أسلوب الإلقاء السائد والموروث من العصر الرومانطيقي على المسرح أن يقترب من الحياة: كسر التقاليد حمل الواقع الى المسرح. ما كان كل ذلك ليجدي لو لم يكن في العشرينات مناخات جديدة. يقول المخرج البريطاني جوزف لوزي أعتقد أنه كان في العشرينات والثلاثينات ظروف ثورية في الولايات المتحدة الأميركية، شبيهة بالظروف التي عاشتها روسيا في بدايات القرن الماضي. ولهذا يقال أن المسرح الأميركي الجديد هو وليد تأثره بالمسرح الروسي (وكذلك الألماني)، من خلال ستاتسلافسكي وكذلك من خلال العروض السياسية والدعائية والتحريضية. وهذه الاحتجاجية ـ الدعائية اقتبست عن المنظمة من أجل ثقافة بروليتارية التي أنشئت في روسيا عام 1906 (بالتزامن مع الحركة المستقبلية)، لإعطاء البروليتاريا ثقافتها الطبقية الخاصة. بل وعمد المسرحيون الأميركيون الى استخدام مصطلحات سبق أن استخدمت في الاتحاد السوفياتي مثل مختبر وبروليتاريا... إنه المسرح الواقع يبرز، بكل حيوية المجتمع، وتأججه، يعني أن الفن الدرامي، الخارج من الطبيعية والرومانطيقية ارتبط بالواقع السياسي. وهنا بالذات يمكن الكلام عن ظاهرة مسرح الصحف الحية، كتعبير من تعابير المسرح السياسي المباشر، والمنفتح على كل الحساسيات الدرامية وغير الدرامية والفنية السائدة. فهو، كما سبق أن قلنا، صنيعة التناقضات، أو الحدث، أو اللحظة.. إنه المسرح ـ الفعل، المسرح الفاعل، المسرح سلاح الناس والنقابات والقضايا المتفجرة، حيث ألغيت المسافة بين القاعة والجمهور وبين القاعة والشارع، وبين الشارع والسيرك، أو الشاحنات أو الساحات. إنه الجنون الجميل الذي كالحجر السحري يحول كل شيء وكل نص وكل خطاب مسرحاً شعبياً. فهذا المسرح الصحف الحية كان ينطلق من أحداث متفرقة، ملحة، وقسرية. وإذا عرفنا أنه بالإضافة الى المناخات المهيأة سلفاً، أحدث الانهيار الاقتصادي في 1929 تفجراً في القيم التقليدية، فقد برز ذلك في سلوك الناس وفي أفكارهم وفي نظرتهم الى الأمور الفنية. إنها كارثة كبرى، أحدثت دوياً، وزلزالاً اجتماعياً، بلغت فيه البطالة نحو 40 مليوناً، وراح أصحاب البنوك والشركات يرمون أنفسهم من النوافذ، أو يعمدون الى الانتحار. إنها مشهدية تراجيدية طويلة، طرحت على المجتمع أسئلة الهوية الجديدة. وكان من الطبيعي أن يكون المسرح هو المكان المناسب حيث يتم اللقاء والمناقشات والمداولات الجماعية. إذاً فعل الجماعة (لا الفرد) يحاول صناعة زمن جديد. والنقطة المهمة ظهور امتدادات شيوعية واشتراكية كثيفة عند الأميركيين (تحت تأثير روسيا وألمانيا). في هذ الجو المشحون، كان للصحف الحية مسارحها، وطرائقها، انطلاقاً مما يدور حولها لا سيما في كارثة وول ستريت، أو في الإضرابات، أو في قرارات النقابات والأحزاب. فاستخدمت الصحيفة أو المجلة كمصدر معلومات وأخبار وآراء، وتمت مسرحتها، بشتى الطرق التوضيحية والتأثيرية المباشرة، كأن تمسرح مقالة، أو خبراً، أو ظاهرة، في قاعة، أو في شارع، أو في أي مكان آخر، فالمتفرج صار جزءاً من الحدث المسرحي، والحدث المسرحي صار جزءاً من المتفرج. ففي القاعة، وعبر النص ـ الذريعة، يتعرف الجمهور على مشاكله: يصغي بانتباه الى الممثلين يتكلمون بإسمه والممثلون ما عادوا ممثلين بالمعنى الشائع (كما كتب العديد من النقاد) فقد كانت تجرفهم الحماسة أحياناً فيتم التواصل عبر موجة جارفة لم يشهدها المسرح من قبل.
يتذكر المدير السابق للمسرح الفدرالي في كتاب المسرح الأميركي الجديد (لفرانك جوتران) بعض عروض الصحف الحية، بأنه لم تكن من أسلوبية واحدة لهذا المسرح، ولا تقنيات لصيقة به، بقدر ما استفاد من كل التقنيات والأشكال في المسرح المعاصر آنئذ. كان ثمة قراءات أو اسكتشات يقوم بها الممثلون أو أخبار بحوارات ذات تقنيات معاصرة. ويقول الن شنيدر مخرج أعمال إدوار البي أنه استخدم في مسرحيات الصحف الحية طريقة تظهر الممثلين في آن واحد على الخشبة وعلى الشاشة. بيسكاتور استخدم هذه الطريقة للمسرحيات السياسية في ألمانيا عام 1925. كنا نستخدم كل الأشكال التي توحي الحياة كالضجيج، والموسيقى، ومكبرات الصوت، والأصوات، والرقص، والهتافات من دون التوقف عند لهجة أو لغة، باعتبار أن هذه الأعمال قدمت في مختلف المناطق في الولايات المتحدة الأميركية بلهجات ومحكيات الأقليات المتعددة. إنها فرق شوارع، التي رأيناها فيما بعد تنصب في الشوارع بسلالمها المزدوجة للاحتجاج على حرب فييتنام.
وإذا انتقلنا من هذه المناخات المفتوحة الصاخبة نجد، من خلال المراجع والمقالات والمدونات، أن أصحاب ممارسة الصحف الحية كانوا يعمدون، الى جانب التأثيرات المباشرة، الى تثقيف الجمهور، بمنحى تحليلي، يقوم على انتقاد الأخبار الاقتصادية والسياسية على امتداد عروض طويلة. بمعنى آخر كانوا يتوجهون الى العقل في العديد من أعمالهم، لدى الجمهور وكذلك الحس الأخلاقي، أي يتوجهون الى الوعي. يستثيرونه، ولكن لاستخلاص موقف، أو نتيجة أو مشاركة أو انخراط أو احتجاج. بمعنى آخر كان هذا المسرح احتجاجياً بالدرجة الأولى، وتعليمياً. ولهذا كانت تتم المناقشات للحدث أو للظاهرة بطريقة هادئة، عقلانية (نتذكر بيسكاتور وبرشت)، وديموقراطية. بمعنى المشاركة. وهنا لا بد من الإحالة على نمو الفكر الاشتراكي والشيوعي في الولايات المتحدة في العشرينات والثلاثينات وبعده، قبل أن تأتي المكارثية وتمارس إرهابها وبالطرق الستالينية على هذه الأفكار اليسارية. إذاً المشاركة تعني قبل كل شيء تعادلاً بين الفنان والمثقف والسياسي وبين المتلقي الذي تحول متلقياً إيجابياً (التغريب البرشتي) بين المثقفين والعمال (البروليتاريا)، كأنها لحظة ثورية تحت عنوان المساواة في المسؤولية، والمساواة في التقديم، وكذلك صناعة التاريخ. فالحدث هنا يصبح تاريخاً. والصحيفة التي تصير حية، إما تصيرها، لأنها تتحول منطلقاً للمشاركة في التحليل، عبر مناقشات وقراءات، أو عبر اسكتشات أو مسرحيات قصيرة من فصل واحد، أو مقالات تمسرح، أو مسرحيات تقدم كمقالات. اختلطت كل الأمكنة بكل الأمكنة. أو الأحرى تمسرحت الأمكنة كلها. وتموضعت في تهيؤات جديدة. وأكثر ما بدا ذلك في الإضرابات العمالية، وفي موقف النقابات والأحزاب، وفي التحركات الشعبية: الجمهور صار مصباً ونبعاً. بل اختلط المصب بالنبع، فقد سقطت الفروق والمفارقات بين الخشبة والشارع والمقهى والمطعم والساحة والملعب والشاحنة، والأدب وغير الأدب، النص المسرحي وخلافه، الممثلين المحترفين والهواة أو المندفعين. وكأن كل هذه التجليات المسرحية التي عمّت الولايات المتحدة الأميركية في لامركزية طبيعية، عبر مسارح صغيرة ثابتة أو جوالة، وفرق هواة ومحترفة... ولدت رغبة عند الفنانين والناس في أميركا، (وتحت تأثيرات أوروبية فرنسية وروسية وألمانية)، في التغيير الحي، المفتوح، سواء من خلال فكر إيديولوجي، أو غير إيديولوجي، بعفوية وبقصد. ولهذا، فمسرح الصحف الحية، لا يمكن أخذه على حدة، كنمط منفصل، أو كوجهة متكاملة. إنه جزء من حيويات سعى إليه المسرح في تلك الفترات كتقنيات ووسائل ومنصات، لتتفاعل كلها وتشكل فضاء واحداً من لغة جديدة، ونبرة جديدة وأفق جديد.
وعندما تناولنا مثلاً التجارب الرائدة المماثلة في الاتحاد السوفياتي وفي ألمانيا وتخصيصاً عبر بيسكاتور، فلكي نقول أن الإنجازات التي تمت هناك، وأجهضت بالقمع اللينيني ومن ثم بالعنف الستاليني وكذلك بالظاهرة النازية، إنما أكملت طريقها في الولايات المتحدة الأميركية، بكل تفاصيلها، وتقنياتها. فمسرح الصحف الحية تبدى في طرق مختلفة، وعبر امتدادات شتى. لكنه، مع سواه من المسارح الجديدة، تمّ تحت سقف المسرح السياسي، هنا على الطريقة الاشتراكية، وهناك على الطريقة الشيوعية، وبمكان آخر بالمنحى النقابي أو السياسي، أو العفوي. وحتى صفة الحي لم تقتصر على الصحيفة الحية كذريعة أو كسبب أو كمادة أو كصوغ موقف، وإنما على كل عنصر حي يميز هذا المسرح، ويظهره، ويعلنه: الموسيقى الحية، الإضاءة الحية، الأصوات الحية، المجلة الحية، المنبر الحي، البروجكتورات الحية، المنصات الحية. إنه عنوان كبير للمسرح الحي، والصحيفة جزء متكامل منه. وعلى هذا الأساس يمكننا ومن خلال هذا الإطار، واستخلاصاً، وبعدما أشرنا الى المسببات المشتركة، أن نستعيد تقنيات خاصة أو مشتركة لهذا المسرح. فهو استخدم وسائل وعناصر مادية ومعنوية ومنها:
1 الجريدة طبعاً، كمنطلق يحمل الحدث السياسي أو الاجتماعي.
2 التحليل الجماعي. أو القراءات الممسرحة للنص. بحيث كسر الحاجز بين النص المسرحي والمقال أو الخبر، كل شيء قابل لأن يكون درامياً.
3 المشاركة في صوغ العمل بين المحترفين والهواة والجمهور، بحيث انتفت المساحة بين أهل المسرح والجمهور.
4 استخدام سطوح الشاحنات والقطارات والسيارات، والسيرك، والشوارع كأمكنة... إضافة الى القاعات التقليدية، فانحلت الفروق بين مكان مسرحي خاص، ومكان مسرحي عام.
5 استخدام الشاشة، والبروكتورات والسينما (نتذكر بيسكاتور) في العمل.
6 استخدام الموسيقى والغناء وفنون السيرك، والإضاءة... لتحويل أي نص الى عمل مسرحي، بمواصفات جديدة.
7 اللجوء أيضاً الى النص الأدبي حتى التقليدي وتقديمه بطريقة غير تقليدية، وكذلك الخبر أو المقال، بحيث لم يعد النص الأدبي هو الوحيد الذي يصلح لمادة مسرحية.
8 استعمال الوثيقة (والأرشيف)، أيضاً، كمادة للمسرحة، سواء جاءت من جهة الصحيفة أوسواها (نتذكر بيسكاتور) وكذلك بيتر فايس بعد ذلك.
9 استخدام الوسائل التوضيحية، والعقلانية والتحليلية في التفسير والتعبير، للحدث أو للظاهرة، أو للموقف. (نتذكر بيسكاتور والمسرح الملحمي عند برشت). أي معادلة الوعي والحدث بعيداً من الانجراف الاندماجي.
10 الارتجال سمة أو مرحلة تتجلى في عفوية الأداء أو المشاركة أو التأليف أو الموقع في مواجهة المادة أو الحدث.
11 إحداث تغيير في دور الممثل أو المؤدي بحيث تمّ، أحياناً، ومن فرط عفويته، وتطلبات الموقف، إلغاء المسافة بين الممثل التقليدي أو التقمص، أو التجسيد، صار أحياناً التمثيل بلا تمثيل، صار الدور هو الشخصية، والشخصية هي الدور.
12 لم تعد الديكورات تزويقية، أو متراكمة، أو حتى ثابتة كما في المسرح التقليدي: الطبيعي، الرمزي، أو الرومانطيقي أو الكلاسيكي، باتت الأمكنة أحياناً هي الديكورات الطبيعية؛ باتت الشاحنة هي المكان، وتلوينها بألوان حية هو الديكور. والملابس العادية أو غير العادية، باتت هي الأزياء. وكذلك الماكياج. أحياناً كثيرة، كان يرتجل الماكياج كما في السيرك: المهرج بأنفه، وقبعته... أو بماكياج طبيعي، ومن دون ماكياج. صارت الوجوه عارية تقريباً بلا أقنعة، (والماكياج والملابس أقنعة أو حجاز).
إن كل هذا، أقصد مسرح الصحف الحية، كان من متواليات الحالة المسرحية السائدة، والسياسية السائدة (الموروثة من روسيا وألمانيا وسواهما)، مسرح اللحظة المتأججة، والحدث السافر، والموقف المعلن، والفعل المباشر. ولهذا يمكنا القول أنه المسرح المكشوف، المباشر، الملح، اللحظوي، الحدثي، التاريخي، السياسي بامتياز. مسرح مكشوف أمام جمهور مكشوف، تماماً كالصحيفة الحية. أو فلنقل أنه المسرح الحي، الذي يغتذي من كل طازج وحي، من جمهور حي، وجديد، الى أفكار جديدة، ومواقف جديدة، وديموقراطية جديدة، ومناقشة ومشاركة وانخراط في لعبة المسرح، مما ترك آثاراً قوية في كل ما جاء بعده: من برشت الى بيتر فايس (المسرح الوثائقي)، الى المسرح المفتوح، فإلى هابنينغ تيشر في أميركا، فإلى جان فيلار ورانكوني... وصولاً الى اريان منكوشكين.
إنه كالمسرح الاحتجاجي النضالي المباشر في بدايات القرن العشرين في روسيا حيث أجهز عليه لينين، وألمانيا حيث أجهزت عليه النازية، وفي الولايات المتحدة حيث تعرّض للتدجين والمصادرة من خلال ما سمي العقد الجديد الذي وضعه الرئيس روزفلت لاستيعاب هذه الثورة، من دون أن ننسى المكارثية وأداتها الأمنية أف.بي.آي والتي لا تختلف لا عن الستالينية ولا عن الفاشية بوسائل قمعها وإرهابها!
[ ورقة فكرية قدمت الأحد الماضي في الندوة الفكرية حول المسرح السياسي في مهرجان القاهرة التجريبي في دورته العشرين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.