8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

انتفاضتان لا انتفاضة واحدة في فلسطين

إسرائيل تستكمل ما بدأته في فلسطين: تهويد القدس، والاستيلاء على الأماكن الدينية وفي رأسها الأقصى. برابرة التوراة انفلتوا بكل غرائزهم العدوانية على ما تبقى من فلسطين: يصادرون الأراضي والمنازل ويطردون أصحابها. يحرقون المواسم التي لا يريدون سرقتها. يقتلون الناس. يدمرون المدن. يمحون الآثار الإسلامية والمسيحية والتاريخية والوطنية لشعب فلسطين: ليغيروا معالمها ويبصموها بأسمائهم وفي خطة لتزوير التاريخ والجغرافيا. دولة الزور والتزوير، دمرت غزة بوحشية لم نجدها سوى عند الاستئصاليين أمثال النازيين (أمثالهم) وقبلها بيروت ولبنان. كأن تعطشهم إلى التدمير جزء من حيواتهم، وأقدارهم وأمصالهم وسعاداتهم المبنية على قتل الآخر. ويحتلون الجولان وقد هودوه. ويحتلون مزارع شبعا في لبنان. وها هم اليوم يكملون مشروعهم الصهيوني: زرع المستوطنات على الوطن الفلسطيني، وتهجير أهله، حتى وصلوا إلى القدس بما تعنيه وتعني العرب والمسلمين والمسيحيين والعالم كله. كل شيء مُباح لهؤلاء البرابرة التوراتيين؛ كل شيء باسم حق شعب الله المختار منتهك. كل شيء بذريعة الهولوكوست مبرر. وكأن اهل فلسطين هم الذين ارتكبوا المجازر بهم. وكأن العرب هم الذين شرّدوهم. وكنّا لنقول إن الشعب اليهودي قد يتصدى لدولته ولو شكلياً في ممارساته، لكن ماذا نفعل عندما نجد إنه في أكثريته أكثر تطرفاً من جزاريه، وأكثر غلواً من غلاته، وأكثر عدوانية من عدوانيتهم.
فالمسألة لم تعد تقتصر على سياسة دولة صهيونية، بل انها متأصلة في القواعد الشعبية التي جعلتها مرآة عكسية لتلك الدولة: تماماً كما كانت الحال بين النازية وأكثرية الشعب الألماني المضللة. لهذا بات من الصعب التمييز بين السلطة العليا وبين الناس. أما قضية المتطرفين ويسمونهم هكذا تخفيفاً لشبه الاجماع، فانها لا تقنع أحداً: معظم الشعب اليهودي في اسرائيل متطرف. ولو وقفت أقلية تتضاءل كل يوم في وجه جرائم الكيان. فيا لهذا الانسجام بين الطبقة الحاكمة وبين ناسها: سمن وعسل! ويا لهذا التماثل حتى بين حزب العمل وليكود وليبرمان.. حتى عدت لا تستطيع ان تفرق بين هذه الأحزاب من حيث السياسات الاستيطانية والقتل الجماعي والتهويد ومصاردة الأراضي وتدمير المدن وإحراق الأخضر واليابس. معظمهم يرتدي زياً موحداً مفصلاً على قياس الصهيونية وما قبلها وما بعدها. بل نظن ان طغاة بين اسرائيل يجددون دماء الصهيونية الناصل بدماء الشعب الفلسطيني، وبالتخريب والتوسع، أملاً باستعادة فكرة اسرائيل الكبرى المدونة أو المستوحاة من توراتهم لبون الوحوش والقتلة.
يحاصرون اليوم القدس، والمسجد الأقصى. والفلسطينيون يدافعون بلحمهم الحي أمام الآلة العسكرية لجيش العدوان الاسرائيلي في محاولة لتهويد حتى الأقصى والقدس القديمة وبيت لحم... يستميت الفلسطينيون هناك بانقاذ أرضهم وتاريخهم. وهناك كلام على انتفاضة جديدة أي ثالثة، بعد أولى سلمية، وثانية مسلحة.. ولكن السؤال من سيقوم بهذه الانتفاضة. في الأولى كان الشعب الفلسطيني موحداً على أرضه ومنقسماً في لبنان وسوريا.. بقيادة أبو جهاد وعرفات. وفي الثانية كان موحداً... ثم بعدها وأثرها، انقسم: حماس والسلطة: وكان ان قسّم التقسيم: بين دويلة في غزة مرتبطة بالخارج، وبين السلطة في الضفة عاجزة وضعيفة. ويتكلمون الآن عن مصالحة بين الدولتين الفلسطينيتين، وبين الرئيس: رئيس السلطة وأمير غزة! بحيث يمكن تأليف نصوص يكون عنوانها فلسطين بين الرئيس والأمير على غرار كتاب جيسكار ديستان الأميرة والرئيس! تأملوا ان فلسطين تحت الاحتلال، والقيادات الفلسطينية منقسمة على بعضها، تحارب بعضها، وتفتح سجونها لبعضها، وآلاف الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية. وها هم يحتفلون بنصر مجيد آخر: مبادلة كاسيت عن الجندي شاليط مقابل أسيرات فلسطينيات عال! جميل ان يتحرر كل الأسرى في السجون الاسرائيلية ولكن تدل الصفقة على مدى ضعف المقاومات الفلسطينية داخل الضفة وغزة ومدى هشاشتهم: ولمَ لا تستفرس اسرائيل ما دام الفلسطينيون منقسمين في ما بينهم. وأي انتفاضة هذه يمكن أن تنفجر اذا لم يتصالح المختلفون في ما بينهم.
أهل الدار يتقاتلون والعدو يحتل دارهم! يا لسخرية القدر. ونترحم على عرفات وأبو جهاد وأبو أياد وسواهم، عندما كان القرار الفلسطيني مستقلاً من دون أن ينفصل عن محيطه العربي، وعندما كان الشعب الفلسطيني وراء قيادته وعندما عجز الأقربون والأبعدون عن مصادرة الورقة الفلسطينية.
عندها، وفي ظل وحدة الشعب والجماهير العربية والعالمية كان للمقاومة حضورها القوي، وكان لسياستها الوضع المناسب. كان عرفات رمزاً برغم الأخطاء والممارسات التي ارتكبها خصوصاً في لبنان. لكنه كان رمزاً عالياً. أي كان هناك من يقود الفلسطييين (لا أتكلم هنا عن بعض القيادات التي ارتهنت ببعض الأنظمة العربية ولا تزال وشقت الصف الفلسطيني السياسي والمقاتل، فهذه الشريحة كانت مهمشة ومدانة من قبل أكثرية الفلسطينيين). كان هناك قيادة موحدة. قيادة شعبية جامعة، وجاذبة، وكاريزماتية، مستقلة الى حد كبير. هذا هو ما حشد الشعب الفلسطيني قلباً ويداً وشهادة من اجل حلم استعادة الوطن السليب. الآن فلسطين تكاد تكون من دون قيادات فلسطينية مستقلة، ومن دون قرار وطني مستقل، وما دون استراتيجية موحدة لمواجهة استراتيجية تهويد القدس وسواها: قيادات قريبة من اميركا والغرب وأخرى مخترقة بالسطوة العربية الايرانية، كأن الورقة الفلسطينية انتقلت من اليد الأصلية إلى الأيدي المستعارة.
وعندها يكون الكلام على أي مفاوضات سواء بين الفلسطينيين، أو بينهم وبين اسرائيل، مفاوضات الآخرين مع الآخرين، وصفقات الآخرين مع الآخرين ومصالح الآخرين مع الآخرين. حتى قرار المواجهة بين أبناء الشعب الواحد تصبح مواجهة بين الآخرين الذين يمسكون بالقرار. وحتى قرار المقاومة نفسها لم يعد قراراً فلسطينياً، كأنما كانت أي مقاومة ضد الصهاينة جزءاً من صراع الآخرين، وترتيباً لأوضاعهم، ليكون الدم الفلسطيني مهدوراً مرتين: مرة عندما توظفه اسرائيل ومرة أخرى عندما توظفه الوصايات الخارجية.
على هذا الأساس يتصاعد استفراس الصهاينة للبشر وللحجر والتاريخ والمسجد الأقصى والقدس والضفة والقطاع: كل الأمكنة باتت فرائس، وكأن المقاومة في انقسامها أعدمت فاعليتها! وكأن المصدر الفلسطيني نفسه، جماهير ونخبة مصادر من الآخرين: فاسرائيل تستفيد من كل هذه التناقضات، ولا أحد يستفيد من تناقضاتها الداخلية المعلنة وأزماتها الاقتصادية والعرقية والسياسية والاجتماعية. اسرائيل في مأزق؟ نعم! ولكنها تحول مأزقها، ازاء التجزئة الفلسطينية والعربية والتواطؤ الأميركي والغربي الى قوة الى رأسمال.
اما الأنظمة العربية، أو معظمها على الأقل، فقد استكانت داخل قدراتها المعطلة، وداخل مشكلاتها، وداخل ارتهاناتها، محيدة ما تبقى لها من طاقات وامكانيات عن الصراع مع العدو. أكثر: لم يعد عند معظم هذه الأنظمة اي تقدمة سوى ما تقدمه الجمعيات الخيرية أو المؤسسات الانسانية لهذا الشعب المنكوب. فكأنما عطلت والى امد بعيد كل محاولة للضغط المادي او المعنوي على مراكز القرار في اميركا أو في سواها، وعطلت بذلك من احتمالات استعادة نفسَ المقاومة (المستقلة) الوطنية. بل كأنما اصبحت كل حركة بفضل هذا التعطيل، والتواطؤات الغربية، منفية ومرتدة وعاجزة. والغريب انه كلمّا ضعفت اسرائيل خصوصاً على المستوى الداخلي لا تقوى ازاءها المواجهة، ولا ترتفع وتائر المقاومة الفلسطينية. وقد وصلت احياناً اسرائيل الى ما يشبه العزلة لكن كأنما الانقسام الفلسطيني والعربي، ومصادرة بعض الأنظمة القرار الوطني المستقل، ساعد على خروج العدو من عزلته. والسؤال: اهناك تواطؤ سري وخفي بين بعض الأنظمة العربية والأعجمية والدولة العبرية، يقضي باقتسام غنائم التناقضات وتوظيفها في خدمة هذه الأطراف المتناقضة اعلامياً وظاهرياً والمتفقة ضمناً. شيء رائع! وهذا سبق أن خبرناه وعشناه على امتداد الحروب في لبنان، حيث لمسنا، وفي حالات عديدة مثل هذا التواطؤ على لبنان، لمصلحة هؤلاء. والتجربة اللبنانية حافلة بهذه الأمثلة، سواء عبر تدمير لبنان واقتصاده وتخريب ديموقراطيته ونظامه وتهديد كيانه، التي تخدم في النهاية مخططات اسرائيل! وهذا ما سبق ان وقع فيه المقاومون الفلسطينيون اثناء وجودهم في لبنان عبر شق صفوفهم، وتحويلهم ضد بعضهم في حروب عرفناها جيداً، هي وأصحابها. وهذا ما تقع فيه الأطراف الفلسطينية اليوم: تحويل الصراع مع اسرائيل إلى صراع داخلي. وهذا ما جرى في العراق عندما نقلت عدة التقسيم والتفجير والاغتيال والفتن الطائفية والحروب الداخلية من لبنان إلى العراق، وما زالت برغم تحسن وضع الدولة العراقية الجديدة. وهذا ما يحاولون تكراره في لبنان.
لكن ازاء وحشية اسرائيل وجنونها التوراتي ومخططاتها الراهنة والمقبلة لتهويد القدس ومصادرة المسجد الاقصى أو العمل على تهديمه بفعل الانفاق التي تحفرها تحته بحثاً عن هيكل مزعوم، ينتفض الناس دفاعاً واستبسالاً لمنعها، مواجهين آلة عسكرية جهنمية (الهية) آلة شعب الله المختار الذي يعتدي على شعوب الله غير المختارة ولكن ماذا يمكن ان يفعل هؤلاء المنتفضون وحدهم، وقياداتهم قسمت التقسيم، وقسمتهم شتاتاً بل ان ثمة كلاماً على انتفاضة ثالثة. رائع! ولكن أين؟ ومن سيقود هذه الانتفاضة؟ أم تكون الانتفاضة العتيدة انتقاضتين متناقضتين، واحدة في الضفة وأخرى في غزة. لتُهدد من جديد مشروعها ودم الفلسطينيين، ازاء تجزئة القرار الموحد، وازاء تربص مصادري الورقة الفلسطينية من هنا وهناك، فتكون أي انتفاضة مهما قويت، في الوضع الراهن ورقة جديدة تنضاف الى الأيدي التي ساعدت على تقسيم التقسيم في فلسطين، وتحطيم وحدة الشعب الفلسطيني ومنعه من اللقاء، أو المصالحة، نعم! تحتاج فلسطين الى اكثر من انتفاضة جديدة. ربما الى ثورة جديدة شبيهة بما تفجر في اواخر الستينات، لكن من يقرر شكل الانتفاضة هذه المرة. ومن يرسم خطوطها والأهم من يحصد نتائجها الايجابية في حال نجحت في إحباط مخططات اسرائيل؟ وهل يمكن ان تقوم انتفاضة ارتباطاً بردود عفوية غير مرتبطة باستراتيجية وباداء؟ دفاعاً عن القدس او الأماكن المقدسة او المسجد الأقصى، او كنيسة القيامة، أو أي شبر من فلسطين. وهل يمكن أن تقوم انتفاضة من دون قرار وطني موحد! بل وهل يمكن أن تكون انتفاضة تقررها هذه الوصاية أو تجهضها تلك الوصاية فتكون انتفاضة الوصايتين من أجل مصالحهما، لا انتفاضة اهل فلسطين دفاعاً عن وطنهم.
ونظن أن النضال الفلسطيني اليوم لا يمكن أن يُنتج آمالاً إلاّ اذا توازى وانتفاضة فلسطينية داخل القيادات الفلسطينية أو عليها؛ على الفلسطينيين ان يعيدوا النظر ببعض قياداتهم ومقاوماتهم خصوصاً تلك التي حولت المعركة مع اسرائيل الى معركة داخلية تقسيمية؛ وتمسك بتلابيبها أيدٍ خارجية. ومنذ متى كانت الجهات الخارجية اكثر اخلاصاً للقضية الفلسطينية من الفلسطينيين بحيث تماهى اطماع هؤلاء المتسللين بالقرار الفلسطيني والبنية الفلسطينية، فتنسب الى نفسها الامجاد أو الانتصارات وتلقي على غيرها التبعات.
ويجب ألا يُفهم من كلامنا اننا نقول بوقف مقاومة العدو لاجراء تغييرات أساسية في المنظور السياسي، والاحلاف الخارجية، وطبيعة الارتباطات وكيفية المواجهة؛ بقدر ما نعبر عن امكانية ازدواج التغيير والمقاومة في جدلية حية تقوم اولاً وأخيراً على النقد الذاتي، لتفعيل أي استراتيجية في مواجهة اعداء الله والبشرية والانسانية ونقصد الاسرائيليين.
ولو نظرنا حالياً الى ما آل اليه الوضع الفلسطيني (بعد رحيل عرفات)، والانقسامات الحادة والخلافات التي تغذيها الوصايات (تذكروا لبنان جيداً) لاكتشفنا اكثر مدى البؤس الذي يعيشه الفلسطيني وهو الواقع بين مطرقة اسرائيل وسندان الخلافات القيادية؛ ولاكتشفنا ايضاً عظمة هذا الشعب الذي ينتصر بصموده كل يوم على العدو، وكذلك على المسؤولين عنه. ولاكتشفنا مدى ايمانه بقضيته، بعيداً عن حساب السلطة أو فتح أو حماس، أو الجهاد أو اي فصيل آخر. كأنه يعلمهم كل يوم كيف يكون النضال التزاماً مطلقاً بالتحرير وبالسيادة والحقوق السليبة.
ونظن انه مطلوب من هذا الشعب ان يتجاوز كل فصيل أو حزب أو مجموعة فلسطينية مرتبطة بالخارج، وان يرغم الأطراف المختلفين في الضفة وغزة ليس على المصالحة فقط، وانما على الوحدة.. ونظن ان هذا يتطلب هذه المرة انتفاضتين متوازيتين: على الاحتلال البربري، وعلى القيادات المتخاذلة أو العميلة.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00