8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

اللوبيات الصهيونية ومثقفوها يُسقطون فاروق حسني

... وأخيراً نجحت الحملة الارهابية الصهيونية الأميركية في العالم في اسقاط فاروق حسني وإبعاده، عن منصب المدير العام للأونيسكو. نجحوا في استخدام كل الوسائل القذرة، والحقيرة والغريزية والعنصرية في تشويه صورته. انها اللوبيات الصهيونية كشرت عن أنيابها، وهالها أن يصل عربي الى هذا المنصب الرفيع. صحيح أن العرب، من أنظمة ومؤسسات ومثقفين دعموا ترشيح حسني، لكن ظهر كم انهم محاصرون، ومرذولون ومحتقرون من العالم المتحضر. بل كم أن الجنوب مبتذل، في عيون هؤلاء الذين يدعون الانفتاح على الآخر، وتلاقي الأمم، وتبادل الثقافات وعدالة القضايا الكبرى وفي رأسها فلسطين، والانتصار للقيم الانسانية. وكم بدا هؤلاء وفي مقدمهم المثقفون الأوروبيون والأميركيون خصوصاً، انهم مستلبون ومحدودون وغير اخلاقيين ومزدوجو الفكر والممارسة، ومتناقضون بين ما يزعمون الايمان به وبين ما يعملون.
أقول هذا، لأنني تابعت، وعلى قدر كبير، الحملات الشعواء المنظمة، المبرمجة ضد فاروق حسني في المنابر التي تصنف نفسها، جدية ومهنية ومتجردة وملتزمة الموضوعية، لغة وتفكيراً... واحساساً. تابعت مثلاً، جريدة لوموند وكذلك ليبراسيون ولوماتان والمجلات نوفيل اوبسرفاتور، ولوبوان وباري ماتش وبعض الصحف الالمانية عن طريق الترجمة... وكذلك بعض الصحف الأميركية: شيء مخيف! مرعب ان تنطق هذه المنابر بكلمة سر صهيونية أميركية لاستخدام كل الأسلحة الاعلامية والسياسية والفكرية والفنية والثقافية القذرة لتدمير هذا الرجل أي فاروق حسني، لاقصائه عن منصب المدير العام للأونسكو.

وعندما كنا ننتظر من بعض المثقفين من مفكرين وفلاسفة غرببين جدد! وصحافيين وكتاب، مقاربة الموضوع بتفهم، وبمستوى وبتفتح، وجدنا ان هؤلاء كانوا أسوأ من السياسيين: زايدوا حتى على نتنياهو وعلى غلاة التطرف في اسرائيل. ونحن هنا لا نتكلم لا عن فتاوى في هذا البلد العربي، ولا عن رقابة، ولا محاكمات صورية، ولا عن منع لكتب، ولا عن إدانة مثقفين في العالم العربي. بدا المثقفون الغربيون أسوأ من بعض الأجهزة البوليسية في العالم الثالث، وأردأ من بعض مُصدّري الفتاوى بالمنع والمصادرة... والقتل والتكفير! حتى قلت وربما من دون مفاجآت كبيرة: اهؤلاء هم صُنّاع الثقافة الجديدة، والابداع الجديد، والفكر الجديد في العالم الحر وفي الحضارة المهيمنة؟ ولو قارنا بين الحملات التي تتابعها أحياناً بعض المنابر الرسمية وغير الرسمية العربية والأصولية والتي تنطق بلغة خشبية ومعدنية وترهيبية والغائية، لما لاحظنا فروقاً تذكر بين هذه الذهنيات الاعدامية وبين ذهنيات الأنتلجنسيا الغربية.
ويمكن في هذا الاطار ان نتذكر ما فعلوا بروجيه غارودي في موقفه من اسرائيل، وكذلك بالكاتب الفرنسي سيلين، من دون ان ننسى ديغول نفسه بعدما قال بسخرية: اسمع من يدعي انه شعب الله المختار وصولاً الى ادوار سعيد.. من دون ان ننسى هايدغر (وحتى فاغنر مروراً بنيتشه) وسواه. اكثر: هؤلاء المثقفون الغربيون المقطورون بالعجلة الصهيونية. لم يسلم منهم حتى بعض المفكرين والفلاسفة اليهود الذين اتخذوا مواقف تاريخية من الكيان الصهيوني، ومن التاريخ الاسرائيلي عندما اتهموهم (وهم اليهود) بمعاداة السامية: يهودي او متهود صهيوني او مُتصَهين، يتهم حتى اليهودي بمعاداة السامية!
وقد وصل بهم الأمر الى اتهام الرئيس شيراك في مرحلة من المراحل، بمعاداة السامية واكثر: اتهموا اليسار الفرنسي نفسه، الذي كان ظهيرهم (على عكس اليمين الديغولي) على امتداد عقود، بمعاداة السامية وتهديد وجود الكيان الصهيوني ويومها هدد شارون بسحب يهود فرنسا الى اسرائيل كالغنم والماشية. فما بالك، بشخصية عربية كمثل فاروق حسني تريد الوصول الى رأس منظمة اليونسكو! يا للهول! اذاً، فلنَشحذ سلاح معاداة السامية أولاً، مستغلين بعض تصريحاته العلنية المعادية لاسرائيل (وليس لليهود! وهو الذي رمم بعض الكُنس اليهودية في مصر واتهمه بعض المصريين والعرب بالتطبيع!) كقوله في مشادة علنية مع عضو في مجلس الشعب المصري انه سيحرق الكتب الاسرائيلية اذا عثر عليها في المكتبات المصرية او ما نُسب اليه من وصفه الثفافة الاسرائيلية بأنها غير انسانية، وعدوانية وعنصرية ومتغطرسة، تتركز على مبدأ سهل: سرقة ما ليس ملكها وكذلك إدانته اختراق اليهود الميديا العالمية فيا للهول! أهناك من يجرؤ ويقول وخصوصاً من العرب (الذين وصفهم احد قادة العدو الصهيوني بالحشرات التي يجب سحقها، ان الثقافة الاسرائيلية، اي ثقافة الكيان غير انسانية! فهذا تشويه لصورة الاسرائيلي المسالم، المتسامح، الغًفور، الرحيم، وتشويه لصورة اسرائيل الضحية الدائمة، والمعتدى عليها دائماً، هذه الاسرائيل التي ما زالت تحتل أراضي عربية في الجولان ومزارع شبعا في لبنان. هذه الاسرائيل التي اعتدت مع فرنسا وانكلترا على مصر عام 1956. هذه الاسرائيل الرحوم، الرؤوف التي سرقت وطناً كاملاً اسمه فلسطين، وهجرت وما زالت الملايين من شعبه. هذه الاسرائيل المدافعة دائماً عن وجودها بعدة مئات من الرؤوس النووية (وهي تعارض اي وجود نووي مواز في الشرق الأوسط!) وبترسانة حربية عدوانية اجتمع العالم كله على مساعدتها لبنائها لضمان تفوقها على العرب. هذه الاسرائيل التي غضب المثقفون المتصهينون من فرنسيين والمان واميركيين من نعتها باللاانسانية، هي التي تبني المستوطنات وتسرق المنازل وتصادر الأراضي وتقتل العزل والاطفال: ولما تجف بعد دماء اطفال غزة وشيوخها وشبابها من وحشيتها وبربريتها: هذه الوحوش الطالعة من التوراة، غزت لبنان عام 1982 واحتلت جزءاً من جنوبه وبقاعه.. واعتدت عليه في حرب تموز ودمرت بنيانه التحتية، وجسوره ومصانعه.. وقتلت وجرحت اكثر من ثلاثة آلاف لبناني! هذه الاسرائيل والله مظلومة!
ومَنْ اجدر ببعض المأجورين والانتهازيين والمنتقمين والمضللين من الكتاب الغربيين للدفاع عن جرائمها، وتصويرها بنعجة عزلاء تنهشها الذئاب الفلسطينية والعربية. ومَنْ اجدر من بعض هؤلاء الذين انخرطوا في الحملة المسعورة الشعواء ضد فاروق حسني، في التعبير عن الخطر الذي يمكن ان يصيب اسرائيل والعالم جراء انتخاب هذا الأخير. فالوجوه الصهيونية الكالحة تمثلت بايلي قيزيل مفكر من الدرجة المئة وعنصري بامتياز وكاذب بدرجات متفوقة (مُنح نوبل للسلام: تأملوا!) وكذلك هذا الفيلسوف التافة صنيع الميديا التافهة برنار هنري ليفي الذي دبج عدة مقالات متتالية ضد فاروق حسني في مجلة لوبوان من دون ان ننسى انتهازياً اسمه كلود لانزمان الذي راح يتبارى مع هؤلاء في من يتفوق على الآخر بتشويه صورة فاروق حسني والعرب وحتى المصريين الذين نعتوهم بالعنصرية!
يضاف الى هؤلاء مارتن سيمو وفرانسوا سيرجان في جريدة ليبراسيون .. هؤلاء وسواهم وفي هذه المنابر الاعلامية المكتوبة والمسموعة والمرئية لم يتركوا صفة تسيء الى فاروق حسني ولم يلصقوها به: حملة رهيبة ممزوجة بالكراهية والعنصرية ومموهة بشعارات ديموقراطية وانسانية خشبية، تَمّتْ عبر ندوات ومقالات وحوارات ومقابلات: بتوع كلو!
وقد ركزوا وبطريقة خبيثة لتضليل الرأي العام على ما يجذب ويخيف ويشوه: ووصفوا فاروق حسني بأنه شرطي النظام وهاجموه على سكوته بل وتواطئه ازاء التعرض للحقوق المدنية في بلاده واكثر: اتهموه بالوقوف وراء ممارسات النظام وبأنه يقمع الثقافة المصرية..، ويترصد كرقيب الصحافة والاعلام لمصلحة النظام.. من دون ان ننسى العنوان العريض الخلاب الذي يتصدر هذه الاتهامات: معاداته للسامية! اكثر: وصل بهم الامر الى مهاجمته كفنان ايضاً: شيء مخيف.
واذا وضعنا جانباً هذه الافتراءات وهذه الهجمة المبرمجة من دوائر الصهيونية العالمية والأميركية (الغبية!) نكتشف امراً قد لا يكون مفاجئاً وهو جهل هؤلاء الفلاسفة (التافهين) والمفكرين والاعلاميين، وحتى الكتاب، بالواقع المصري والعربي: وهذا ظهر جلياً في نظرتهم الأحادية الى الأنظمة العربية، كنموذج واحد معمم، في ما يخص الممارسات والتكوين والاداء وطبيعة التشكيل، فهم لا يميزون بين النظام المصري اليوم مثلاً وبين النظام الليبي او اليمني او الخليجي او السوري... أو المغربي والتونسي! وربما اللبناني! نظرة سياحية اكزوتيكية مسطحة، يحكمون بها بالمنظار ذاته على الجميع. فهم لا يعرفون شيئاً مثلاً عن فاروق حسني. وتالياً عن الشعب المصري. وحتى عن توجهات النظام، والموالاة والمعارضة والتنوع السياسي (وان ضمن سقف ما)؛ بل ويعتبرون ان ليس هناك من حرية خاصة او عمومية في مصر. وان الجرائد والمجلات كلها مصادرة.. وهم لا يعرفون مثلاً ان فاروق حسني نفسه تعرض على امتداد ولايته الوزارية لحملات ولهجمات وانتقادات عنيفة ومن كل الأعيرة وبصرف النظر عن الدخول في اشكاليات تلك الحملات. وهذا يعني ان وزير الثقافة او رئيس الحكومة أو اي مسؤول عندما يتعرض لمثل هذه الانتقادات، ان ثمة هوامش للاعلام والتعليقات والصراعات السياسية والثقافية. اكثر: كم مرة وجهت اليه اتهامات متنوعة؛ وحتى الرئيس مبارك نفسه لم يسلم من النقد واكثر سياسياً: كل هذه الامور لا يعرفها (أو يتجاهلها) هؤلاء المثقفون؛ معتبرين عن تواطؤ او عن اقتناع بأن المكان الديموقراطي الوحيد في هذا المنطقة هو اسرائيل! ابيض وأسود متجاهلين أن تبني الكيان العدو عبر الحركة الصهيونية للقيم الغربية كان ستاراً لاحتلال فلسطين وتهجير اهلها وتهديدها وارتكاب المجازر: فأي ديموقراطية صهيونية تصلح للقتل! ديموقراطية عنصرية؟ اي ديموقراطية هذه العنصرية. وها هم بديموقراطيتهم يطالبون الفلسطينيين والعالم والعرب باعتبار اسرائيل دولة يهودية خالصة برغم وجود اكثر من مليون فلسطيني عربي فيها. هذه الديموقراطية الابتزازية ضللت الكثيرين وكانت واجهة لاستدرار العطف الحضاري، والعطف الاقتصادي والمساعدات والتبرعات المتواصلة للحِفاظ على الديموقراطية الوحيدة الطائفية في المنطقة، كدرع متقدمة للديموقراطيات الغربية. (أين صارت هذه الديموقراطيات اليوم بعد كل هذه الفضائح والعولمة والنكسات الاقتصادية الأخيرة). انها ديموقراطية يهودية توتاليتارية احادية برغم تنوع اثني (طبقي)، ومدني يغلب عليه العسكري (جاذبية الجنرالات!) والاسبرطي، من دون ان يغفل نهاية الصهيونية كفكر اشتراكي غربي. استعماري، ولا سقوط الدولة العبرية في العالمثالثية وفي الفضائح وفي الهزائم العسكرية والأمنية...
كل هذه الديموقراطيات الغربية الآفلة التقت الديموقراطية اليهودية الشمولية، في عرس اسقاط فاروق حسني! كل هؤلاء المثقفين المجوفين من أقاصي اميركا الى اقاصي فرنسا (يا فرانساه أين البير كامو وسارتر وآرون وفوكو ودولوز.. وبارت) اجتمعوا على محاربة شخصية منفتحة، معتدلة، متسامحة، تؤمن بالتعددية الفكرية والسياسية وسط غابات من الاحاديات والأصوليات واشكال الانغلاق. بل وكأنهم وعن جهل (طبعاً) وعن تواطؤ ( ما اسوأ ان يجتمع الجهل والتواطؤ) يريدون ان يكملوا ما ارتكبوه بأفكارهم الرجعية، سواء على مستوى اليسار أو اليمين أو على صعيد الانحطاط الفكري والفلسفي وحتى السياسي في بعض العواصم الغربية. واذاعرفنا ان برنار هنري ليفي (هذا الصهيوني المتأمرك المرتبط بالموساد والسي.اي.اي) كزميله ايلي فيزيل.. وسواهما) من الذين عملوا بهشاشتهم الرجعية مع غلوكسمان وغيره، على تقويض المنحى الطليعي والتنويري النقدي اليساري للفكر الفرنسي لمصلحة يمينية غامضة تذكر باليمين الأميركي الجديد والبوشية، المستسلمة لشروط العولمة واقتصاد السوق وثقافة الاستهلاك والميديا، عرفنا هم في اي درك سياسي وابداعي يتخبطون به، ليجدوا حلولاً سهلة في شعارات خشبية كصراع الحضارات ومعاداة العرب مقابل الارتهان للصهيونية التي تُؤَمّن لهم الامتيازات والوسائط والجوائز والمناصب والمنابر الاعلامية والمراكز الثقافية. أوليس هذا ما ظهر بوضوح في الحملة غير المبررة على فاروق حسني؛ او ليس هذا ما ظهر في هذه اللغة المبتذلة الحقيرة والنعوت التي تناولوه بها؟ هؤلاء المثقفون الغربيون خلعت عنهم هالاتهم والحمدلله وظهروا على حقيقتهم: مجرد ادوات صغيرة تافهة في ايدي المخابرات الصهيونية والأميركية: كتاب يدعون الحرص على ديموقراطية التعبير وهم مرتهنون بالمخابرات الأجنبية؛ كتاب يتهمون سواهم بالتآمر على حرية التعبير، وهم يقمعون كل من ناصر فاروق حسني ويتهمونه بالنازية! كتاب يعلنون تمسكهم بالتنوع والتبادل ها هم يسقطون في ثنائية الأبيض والاسود، هذه الثنائية التي تذكرنا بالأنظمة العنصرية النازية والفاشية والستالينية وطبعاً الصهيونية! فبرافو! وها هم يحتفلون اليوم بانتصارهم! وها هو ايلي فيزل (الكائن العنصري بامتياز) يتبجح بأنه ورفاقه اسقطوا فاروق حسني ومنعوا بذلك كارثة كبيرة من الحصول في الأونسكو. في الوقت الذي نعتبر فيه ان الكارثة وقعت عندما سُيست معركة الأونسكو وأُمركت وهُودّت وفقدت آخر ما تبقى لها من استقلالية ومصداقية، فأي ثقافة ننتظر من منظمة تتحكم بمصيرها دول وأنظمة ومخابرات. واي منظمة هذه، وأي دور ستقوم به بعدما صادرها اناس يكنون عداء للجنوب وللشعوب المغلوبة وينحازون بكل شراسة الى قوى الهيمنة والاستغلال والعنصرية والعدوانية والاحادية!
واخيراً نقول للصديق فاروق حسني: هذه المعركة خضتها باسمنا جميعاً، وكنا (خصوصاً المثقفين المصريين) قربك؛ وهي معركة الحرية قبل كل شيء، ومعركة اثبات وجود، ومعركة كشف المستور عند اهل الحضارة والتحضير.. هذه المعركة خضتها بشرف وانتزعوها منك بأحط الاساليب، ويكفي انك واجهت كل هذه البربريات (المتحضرة) وهذه الاسرائيليات المموهة وهذه الأميركا المتساقطة كل يوم في جحور بني صهيون لتكون، يا فاروق حسني، منتصراً في الهزيمة؛ وشامخاً ويكفي ان هذه المعركة اسفرت عن تعرية بعض الانتلجنسيا الغربية من ورقة التوت... واظهارها على حقيقتها السوداء المرتهنة، والعنصرية لتكون انت في صمودك من المساهمين في جمع العرب حولك، والمثقفين حولك.. وهذا انتصار المنهزم، وهزيمة المنتصر!
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00