8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رحيل

نشرنا أمس الحلقة الأولى من هذه المقاربة النقدية، وهنا الثانية والأخيرة.



وإذا كانت المرحلة الأولى الممتدة من أيام الحصاد الى دواليب الهوا مرحلة منسجمة الى حد كبير من حيث مناخاتها وإيقاعاتها فهذه المرحلة الثانية الممتدة من فخر الدين الى الربيع السابع كانت متواترة فيها المواضيع وأشكال التناول، ارتباطاً بمتطلبات الواقع من جهة وإلحاحات التجديد في المستويات المسرحية والغنائية المختلفة. فمن المسرح التاريخي الى المسرح السياسي الى المسرح النقدي الى المسرح الجمالي، كان ثمة تواتر لا تتابع،
المسرح العربي الحديث
لكن رغم هذا التواتر، يمكن ان نتوقف عند هذه المرحلة من خلال ملاحظات عدة منها:
أ ـ احتفظ الرحبانيان بمجمل العناصر التي كوّنت أعمالهما في المرحلة الأولى. وهي عناصر أشرنا إليها سابقاً.
ب ـ الى الاحتفاظ بهذه العناصر كان ثمة تطهير لكثير من الإضافات غير المسرحية.
ج ـ بروز الاتجاه الملحمي في مسرحهما التاريخي خصوصاً في فخر الدين وجبال الصوان.
د ـ بروز الاتجاه النقدي المباشر وغير المباشر ليصل في لولو الى حد الهجاء وإبراز الوجه المعتم (على حد تعبيرهما) في المجتمع في لولو إدانة شاملة للمجتمع. وهي المسرحية الأكثر سواداً.
هـ ـ تقدم المنحى الدرامي الشامل في أعمالهما. ونضج الصيغة الرحبانية واهتمام أكبر بمحاولة المسرحة.
و ـ الأغنية والشعر والموسيقى باتت أكثر التصاقاً بمتطلبات العمل، لكنها لم تتخل عن منحاها الجمالي، واختباريتها الفنية. اللذين ميّزا المرحلة الأولى.
ز ـ بقيت التجريبية مرتبطة بالأغنية وبالقصيدة، وبالموسيقى، ولم تطل الى الشكل المسرحي والعناصر المسرحية. وكأن المسرح بقي المكان الأمين لممارسة أو لتقديم هذه التجريبية في الموسيقى اللبنانية والعربية. ولهذا بقي المسرح ذريعة لتقديم هذه الاكتشافات الموسيقية والصوتية أكثر مما كان مجالاً لاكتشافات مسرحية أو أدائية. ولهذا ربما بقي المسرح الرحباني على هامش التجريبيات الطليعية التي عرفها المسرح اللبناني في بداية السبعينات مع مسرحيين تجريبيين كأنطوان ملتقى ومنير أبو دبس وريمون جبارة ويعقوب الشدراوي ونضال الأشقر وروجيه عساف. نقول هذا من دون أن نغفل أن تطور الهاجس المسرحي عند الرحبانيين من الصعب أن نفصله عن المناخ الطليعي الذي ساد المسرح اللبناني في تلك المرحلة فالمسرح الرحباني (ذو الصيغة الرحبانية) لم ينتم يوماً لا الى المسرح البرشتي ولا الى المسرح الغروتوفسكي ولا الى ستانسلافسكي ولا الى بيترفايس ولا الى يونسكو ولا الى بيكيت... بالرغم من انفتاحه على تجارب مسرحية جديدة عديدة.

مسرحية لولو (1974)
مسرحية لولو التي قدمت في العام 1974 تكتسب أهمية مميزة لاعتبارات عدة منها، أنها من أكثر الأعمال الرحبانية هجائية للمجتمع ولعلاقاته ولتناقضاته، وناسه. هذا الهجاء الأسود لا يطول الى السلطة فقط، وإنما أيضاً الى العلاقات الاجتماعية والإنسانية التي شوّهتها القيم الاستهلاكية والتجارية ودمرتها المصالح وأشكال النفاق. كأن مسرحية لولو في مضمونها الهجائي، نقيض المناخات الرحبانية التي عرفناها في البدايات، (في المكان السعيد)، مع أيام الحصاد وجسر القمر وبياع الخواتم ودواليب الهوا وحتى في مرحلة فخر الدين وجبال الصوان امتداداً الى ميس الريم وبترا والربيع السابع شعرية العلاقات وطيبتها وبساطتها في المرحلة الأولى، حيث ينتصر الإنسان السعيد الذي خلبته البيئة والحلم والفردوس الطوباوي وملحمية الشخصيات البطولية في فخر الدين وجبال الصوان ومن ثم بترا وحتى صيف 840 (علماً بأن هذه المسرحية التي وضعها منصور رحباني، تحمل الكثير من الهجائية السوداء في تضاعيفها)، كأن هذه المسرحية أي لولو تنبئ بما سيحصل في 1975، أي الحرب في لبنان. فالمجتمع المنخور بالنفاق والكذب والسمسرة والنهب والاثراء غير المشروع وتضامن السلطة (ممثلة بالقاضي وبالمرشح الانتخابي وبرجال الأمن وبالتجار)، مع هذه الظواهر الاجتماعية، كأنهما من العوامل التي ستفجر التناقضات لقد ابتعدنا عن مختار المخاتير الذي يجمع أهل الطبقة. وابتعدنا عن فخر الدين الذي يمثل رمز الصمود والعدالة ابتعدنا لنقع على أهل الحكم المهترئين، المتواطئين مع الخراب الاجتماعي. ولعل ختام المسرحية يدق ناقوس الخطر على لسان لولو (فيروز):
خلصت القصة
خدني لعندك يا جدي
المجنون إلو حق يحاكم العالم
طيارات رمادية مثل الترغل
انفجار القنابل فضي بلون الشمس
ناس بالخنادق
ناس بالبارات
العدالة كرتون
الحرية كذب
صار الحبس كبير
كل حكم بالأرض واطي
حلو يطلع الضو
خذني لعندك يا جدي.
كأنه يأس ما قبل اللحظات الكبيرة، بل كأنها الصرخة التي تسبق الانفجارات الشاملة. مسرحية لولو المقتبسة عن عودة السيدة العجوز لدورنمات، ورثته هذه السوداوية من دورنمات وورثت أيضاً الإدانة القاسية للمجتمع. لولو التي سجنت زوراً بسبب اتهامها بقتل يونس. وشهد عليها أهل القرية (ما عدا البويجي) تخرج من السجن وتعود الى قريتها لتنتقم من الجميع. وتنجح في النهاية في الانتقام، حيث تترك الجميع في مواجهة الجميع. وهي ترحل مع جدها على الطريقة الرحبانية المعتادة.
هذه المسرحية تحمل مجمل العناصر التي تتكون منها الصيغة الرحبانية والتي يسميها الرحبانيان المسرح الغنائي الشامل: أي الأغنية والاسكتش والرقص والديكورات والملابس الجمالية والأغنية الدرامية والأخرى المجانية، والشخصيات الملتبسة والواقعية والمباشرة والإسقاط السياسي والخطابية... إنها المسرحية السابعة عشرة في المسيرة الرحبانية، ومن الطبيعي أن تمثل، وإلى حد كبير، الصيغة أو التوليفة المعروفة.

الشخصيات والسياق
الشخصيات الأساسية، مرتبطة الى حد كبير بالشخصية الرئيسية لولو التي تتمحور حولها الشخصيات الاخرى، وتبدو احياناً كظلال او كذرائع لها. هذه الشخصيات تنتمي الى مجموعة اجتماعية كالمرشح والسمسار أو الى مجموعة مهيئة كالطبيب، أو الى السلطة كالمفوض تكون في مستوى التجريد شخصيات مستقلة معنوية، لهذا فهي شخصيات تؤدي وظائف رمزية، هذه الوظائف الرمزية التي يتعلق بها الرحبانيان في مجمل مسرحهما شخصيات ـ تمثل طبقات اجتماعية او رموزاً ايديولوجية او وطنية كالمجد او الوطن او الارض وتصل هذه الشخصيات في رمزيتها حتى النموذجية. شخصيات لولو كلها نموذجية اي ثابتة في قسماتها. ولهذا فهي لا تتطور في المسرحية. تحتفظ بمواصفاتها السابققة واللاحقة متجمدة في مواقعها لولو التي يفترض انها قطعت مسافة التحول اثناء وجودها في السجن، تتقدم في المسرحية بملامح تكاد تكون على التباسها الخارجي، نهائية. المجموعات الاخرى لا تزال على حالها. القاضي يمثل نموذج القاضي الذي يبيع ضميره. المرشح الانتخابي كاذب كالعادة في وعوده. نايف رمز الحبيب الذي تجرفه طموحاته المادية، فينقلب على من كان يحب ويتآمر عليها. القبضايات شرائح تمثل بيئات اجتماعية مختلفة. وهي ذات مواصفات معروفة تتظاهر بالشجاعة وهي في الواقع شخصيات. وهنا يسخر الرحبانيان بحنان ظاهرة القبضاييات التي سادت في لبنان لفترات، سخرية تتقدم بعطف عميق عليها. فالقبضايات يقفون الى جانب لولو وليس الى جانب المجموعة الاخرى اي الى جانب العدالة لكن إذا كان الرحبانيان أظهراً عطفاً على القبضايات وعلى المجنون أيضاً فإنهما دانا الطبقة الاخرى التي تنتمي الى السلطة، والى الفئة الاجتماعية التي برزت في تلك الفترة على السطح من تجار السلاح والدخان والسمسرة انها ادانة جماعية شاملة.
الشخصيات هذه تحدد حركات البنية الدرامية القسم الاول من لولو مخصص تقريباً لبلورة شخصية البطلة. الثاني يقدم علاقتها بمجمل الشخصيات الاخرى، سلفاً وحاضراً: القاضي، المفوض، التاجر، حبيبها، ماسح الاحذية، المرشح الانتخابي...

القسم الثالث تنفجر فيه التناقضات؛ يأس لولو ورحيلها، وسقوط الآخرين النهائي.
مع هذه الحركات تتطابق ايقاعات درامية، ومشهدية مختلفة، القسم الاول مقدم على شكل سريع، خفيف، جدي، ومضحك، هادئ وملتبس معاً...
القسم الثاني ـ كأنما أبطأت فيه الحركة لأسباب منها العنصر الغنائي (المجاني والاسكتش) ويحتفظ هذا البطء بنوع من الثبات فيعود الى التسارع في النهاية.
لكن الحدود بين هذه الاقسام غير واضحة تماماً. فثمة تواتر وتتابع وتكرار وتداخل، والتباس يطمس هذه الحدود، ويؤثر تالياً في البنية الكلية للعمل.
الى جانب ان الادوار التي تحرك هذه البنية لم تتوسع كما قلنا. بقيت كما قدمت. أي ملامح ثابتة والاحداث التي تتعاقب او تتكرر تأتي لتخدم هذه الملامح الثابتة.
اما المشاهد فقد اتخذت ضمن السياق المضطرب شكل التتابع غير السوي فتوزعت بين مشاهد جماعية. ومشاهد ثنائية واخرى فردية.
المشاهد الجماعية تميزت عموماً بالغنائية أو بالرقص ضمن اطار احتفالي او غير احتفالي.
1 ـ تجمع أهل البلدة بحثاً عن ماسح الاحذية الذي اختفى. وفي هذا التجمع محاولة لتكثيف المعرفة بهذه الشرائح.
2 ـ القبضايات في حوارهما مع ماسح الاحذية، وثم مع لولو، وبعدها مع المفوض.
3 ـ الحفل الختامي.
4 ـ الرقصات الجماعية.

المشاهد الثنائية كانت الحرب واكثر امتلاكاً للحوار:
1 ـ مشاهد لولو وماسح الاحذية.
2 ـ مشهدا الطبيب النفساني ولولو.
3 ـ مشهد لولو ونايف (خطيبها).
4 ـ لولو والمرشح الانتخابي.
أما المشاهد الفردية فتكاد تقتصر على لولو فتكون ذريعة للغناء بعد مشهد، أو تمهيداً لآخر، أو من أجل الفناء فحسب.

اللغة
مزيج من نثرية وشعرية وحوارية حية، استخدم فيها الرحبانيان عامية متنوعة تنوع الشخصيات والمواقع ولهذا فاللغة في لولو عنصر معرفي للشرائح الاجتماعية ولملامح الشخصيات ويبدو ذلك من خلال استعمال لهجات عدة تشير الى انتماء جغرافي واجتماعي كما نجد في كلام القبضايات، فالقبضاي البيروتي يتكلم لهجة بيروتية وابن القبيلة بلهجة القبيلة والارمن بلكنة ارمنية، وابو الشباب، بلهجة متوسطة. وهذا يشكل غنى في استعمال هذه اللهجات ودلالة درامية ملموسة.
والقاضي والمفوض والمرشح وزوجة القاضي ونايف يتكلمون بلهجة غير محددة هي اللهجة المركزية.
أما الحوار فيتنوع، من حوار درامي حي يخدم البناء العام، الى الحوار الاسكتشي الخفيف. الى الحوار الشعري الخالص، الى الحوار المباشر، فالى الحوار المعمم الذي تتشابه فيه شخصيات في كلامها او تتكلم هذه الشخصيات لغة ليست لغتها: فماسح الاحذية يتكلم كالواعظ والشاعر والمفكر احياناً. تقول له لولو:
لولو صحيح اني رجعت لبيتي وحريتي، بس صار بيتي حبس.
ماسح الاحذية: الحرية مسؤولية وبيقدر الانسان يكون حر وين ما كان...
فالحوار في هذا المعنى غني بدلالاته الاجتماعية والجغرافية والنفسية وكذلك بحيويته الدرامية، لكن هذا الحوار يبدو احياناً كثيرة مبتوراً، يتشكل في مشاهد او في اسكتشات مغلقة على بعضها فيضعف ذلك اتصاله بالنسيج العام للعمل، خصوصاً عندما تفتعل اسقاطات او التفاتات مباشرة، او شعرية مجانية.

الأغنية
يمكن الكلام على الأغنية في لولو من خلال مستويات عدة:
1 أغنية تأتي ضمن السياق الدرامي وهي عدة ومنها الأغنية الأولى في المشهد الثاني بعد خروجها من السجن.
إنسى وكيف
والحبس وأيام السهر
مشتاقة للقمر
خلف الطاقة القمر
لا سأل عني يوم
ولا ودا خبر
وينسى مثل الكل بينسى.
أو الأغنية الأخرى. (وهي تتذكر):
في قهوي عالمفرق
في موقدي وفي نار
نبقى أنا وحبيبي
نفرشها بالأسرار
كل اصحابي كبرو
وتغير اللي كان
صاروا العمر الماضي
صاروا ذهب النسيان.
والأغنية بعد لقائها خطيبها السابق نايف وخيبتها ويأسها:الله معك يا هوانا
(..........).
خلص الحب وسكتت الكلمي
وتسكر القلب
وما وقع ولا نجمي
ما تاري الكلام
بيضلوا كلام
وكل شيء بيخلص
حتى الأحلام
والأيام بتمحي
الأيام.
ومن الأغنيات الأخرى التي تأتي في هذا السياق الحوار الذي بدأ نثرياً وتحول شعرياً غنائياً بين لولو والقبضايات والأعنية التي قدمها نصري بويا بويا وبويا ومن ثم الأخرى التي قدمها أثناء الحفل الختامي:
عالهوب الهوب الهوب.
2 أغنية تأتي من خارج السياق فتقحم اقحاماً وتجمد هذه السياق ومنها:
- أغنية الطبيب النفساني بصوت أوبرالي
- اغنية فيروز الروسية
- أغنية من عز النوم بتسرقني الى تأتي بعد حواريتها المغناة مع فارس (المرشح) و(ماسح الأحذية) فتبدو كأنها تغني للجمهور اكثر مما تغني في المسرحية.
- أغنية راجعين يا هوى راجعين التي تلي أغنية الله معك يا هوانا بعد لقائها الأخير خطيبها وخيبتها، فكأن الأغنية تأتي عكس الجو والموقف.
- أغنية دارينا
نطرونا كثير
ع موقف دارينا
لا عرفنا اساميهن
ولا عرفوا اسامينا
عموقف دارينا...
هذه الأغنية الجميلة مقحمة ايضاً.
أغنية هدى زوجة القاضي المعبأة حقداً على لولو وتخطط للقضاء عليها. هذه الأغنية لا تكشف لا نفسية زوجة القاضي ولا تفسر حتى الحوار ولا تعكس السياق.

الأغنية الطقطوقة تنفر كذلك من طلب العمل، وتبدو كأنها حشو للترويح والترفيه.

فالأغنية اذن في لولو ارتبطت حيناً بموقعها واحياناً اخرى تقدمت لنفسها، لجماليتها، والجمالية لا تكفي ولا هي ضرورية في العمل، تماماً كالإنشاء في التأليف الدرامي، وكذلك التجريبية الموسيقية (والغنائية) تنتشر اذا لم تتوجه الى بيئة درامية تجريبية ايضاً فالذي حدث ان الرحبانيين مارسا هاجسهما التجديدي التجريبي في الموسيقى ولكن في اطار مسرحي غير تجريبي، فانتصرت الموسيقى والأغنية على حساب المسرح. اضافة الى ذلك كله، يبدو العامل الصوتي، من خلال وجود مغنين ومطربين مهمين كفيروز ونصري شمس الدين (وفي مسرحيات اخرى وديع الصافي وصباح وجوزيف عازار)، يحمل الرحبانيين على الأخذ بالاعتبار بالأغنية لنفسها، وبالصوت لنفسه.
وهذا يتصل بالمغني الذي ينبغي أن يتقدم كمغن، ومن خلال أغنيات جديدة موسمية وكذلك من خلال الجمهور، الذي يأتي في معظمه ليسمع فيروز مثلاً. أو بالأحرى ليحضر فيروز. هذه الالحاحات الجماهيرية (اذا صح التعبير)، جعل الرحبانيين يدخلان قسراً أغاني تأتي كوصلات أو كمحطات راحة (كما قال عاصي أو منصور) بل يجعل العمل أحياناً على النجم الواحد، والشخصية الواحدة، حيث تتمحور الألحان والحوارات حول هذه الشخصية وكانت في لولو (ومعظم المسرح الرحباني) فيروز ومن ثم نصري شمس الدين. وهذا بالطبع تدخل من خارج العمل يصيبه بالتشقق والتفكك، ولولا قوة النسيج الموسيقي ومحورية النص لبدا المسرح الرحباني مسرح أغنية لا مسرحاً غنائياً. أو في أفضل الأحوال مسرح اسكتشات غنائية. في لولو أوقفت الأغنية، والحوارات المغناة، مرات، السياق وباتت المشاهد وكأنها تنتمي الى عمل آخر.

الرقص
اذا كان الرقص عنصراً بارزاً في المسرح الرحباني فانه يتقدم كعنصر استعراضي جمالي (فولكلوري أو غير فولكلوري) لكن الرقص في المسرح الغنائي (وفي المسرح عموماً) جزء من المسرحية في لولو، تبدو الرقصات (الدبكة او الرقصة الروسية)، وكأنها تنتسب الى مكان آخر. فقد حشرت هذه الرقصات من اجل تقديم حركة جميلة، او مرفقات جميلة. أو لمرافقة الأغنية. انها جزء استعراضي في العرض. وقفة جمالية بصرية ايقاعية ليس اكثر، لا نعرف لماذا يجب ان تؤدي رقصة الخناجر او الرقصة الروسية، او حتى الدبكة، في مكان ليس هو بالقرية ولا بالمدينة بل اضغاث مكان. (الرقص وظف جيداً مثلا في مسرحية منصور الرحباني الاخيرة صيف 840) فالراقص يرقص، يؤدي ايقاعاً، ويمكن ان يؤدي في حفلة ساهرة، او في حفلة استعراضية. حتى العنصر التعبيري في مستوياته الأولى غير موجود، فكيف بالرقص كعنصر دلالي ـ ايحائي، او حتى تفسيري.

الملابس
اذا كانت الملابس جزءاً من اللغة المسرحية، تحمل كسائر العناصر الأخرى قيمة دلالية، مكانية أو زمانية أو نفسية أو اجتماعية.. فان الملابس في لولو لعبت مثل هذه الأدوار. فهي اشارت الى الموقع الجغرافي الاجتماعي مثلا للقبضايات. القبضاي البيروتي بالطربوش، والعباية (ينتمي الى بعض العشائر ربما في بعلبك)، بالكوفية والعكال، والأرمني بطريقة لبسه، البويجي ايضا من خلال الكاسكيت (القبعة)، رجلا الامن بالمعطف والنظارات على الطريقة (السينمائية المعروفة)، المجنون (رعد)، الذي يضع في عنقه قوساً. (روبن هود) مع انه تلبس شخصية نابليون.. الطبيب. والممرضات بالبرنس، المرشح العتيق بالطربوش والبدلة، القاضي والمفوض ونايف ببدلات انيقة وفي حفلة الختام الجميع بالسموكن حتى ماسح الأحذية الذي تحول الى رئيس للخدم. لكن لولو بقيت ملابسها من دون اية دلالة. ملابس جميلة، فرحة وكان يمكن ان تكون اكثر ارتباطاً. بموقعها الدرامي عائدة من السجن، مقررة الثأر، حزينة ويائسة من الداخل.. ملابس الجد في النهاية لا نعرف ماذا تعني؟ مع انه، كما نعرف من خلال الوقائع فلاح او اقرب الى القروي. فجأة يطل مرتديا بدلة وكأنه آت من توه من باريس.

الكتابة الدرامية أو الاخراج
من الصعب القول ان وراء هذه المسرحية اخراجاً يهندس العناصر المكونة للصيغة الرحبانية ام مسرحة هذه العناصر الغنائية والحوارية والاسكتشية والمشهدية و.. أم مسرحة توحد مجمل هذه العناصر في نسيج اخراجي يشتغل على الأدوات البلاستيكية والأدائية والتقنية بحيث ينتقل العمل من مجموعة مشاهد تربطها حكاية الى عمل مسرحي، اي محاولة مسرحة اللوحات الراقصة، ومسرحة الأغنية ومسرحة الشعر وتاليا الممثل، بل تحس وكأن كل عنصر في ضعف التدخل الاخراجي يتحرك على حدة، دون ان تصهره حركة واحدة بل تحس كأن هذه العناصر تكاد تكون مجمعة تجميعاً وأحياناً مكدسة فوق بعضها.
فالأغنية لا تؤدي كأغنية الا لكون السلة الاخراجية ضعيفة. والرقص لا يؤدي الا كرقص (ايقاعي ـ استعراضي).
الا ان الضعف الاخراجي لم يحول هذه الايقاعات الراقصة الى ايقاعات درامية كما هي الحال في مسرحية غنائية عالمية.
واذا كانت المسرحة، تعني، في ما تعني ان لا ينسى الممثل لحظة انه يمثل، وأن لا ينسى لحظة انه يعمل في مسرحية، وأن لا ينسى لحظة ان التمثيل هو السيد، اذ كانت تعني المسرحي انتصار الممثل (وانتصار العناصر المحيكة به كأدوات مسرحية)، فمن الصعب ان نتعامل مع اي عمل يغيب فيه الممثل ليتقدم المغني، ويغيب فيه الممثل ليتقدم الراقص..
.. في هذا الاطار يبدو التمثيل في لولو وكأنه شبه غائب. حركات محدودة في الدخول والخروج، اداء معمم وتقليدي وبراني، اداء نموذدي يتقاطع مع الاداء التلفزيوني الشائع. بمعنى آخر. لم يشتغل الرحبانيان (ومن اخراج لهما) على الممثل واذا كان المسرح الغنائي الشامل يتطلب ممثلا شاملاً. واقعاً ومغنياً ومؤدياً، فان هذا الممثل الشامل شبه غائب نقول هذا ونحن نعرف ان الديكورات الجميلة والملابس الجميلة، والأغاني الجميلة، والرقصات الجميلة تفترس الممثل الذي يضيع بين هذه الجماليات الاستعراضية والشعرية والغنائية، ولا نقصد بذلك انه ليس من ممثلين او خامات تمثيلية جيدة في لولو ولكن نقصد ان الممثلين والخامات التمثيلية الجيدة غير مشغول عليها تلقى القاء هنا، وتؤدي اغنية هناك. وترقص لمجرد الرقص لكن بتبسيط للأداء. وتبسيط للأغنية.
اذا تناولنا لولو من مفهوم المسرحة الشاملة. قد يكون قسرياً بالنسبة الى الصيغة الرحبانية التي تتبنى، ربما مفهومها الخاص لهذه المسرحة، وللمسرح الغنائي الشامل، فهي، كما بينا، ليست مسرحاً بالمفهوم الشائع، وليست اوبرا بتفاصيل الأوبرا الشائعة وليست استعراضا بالمعنى المتداول، وليست حوارية بالمنحى المعروف، فلها منطقها الخاص وآليتها الخاصة، وتركيبها الخاصة هذه التركيبة التي تحولت الى صيغة نموذجية احتذاها مجمل المسرح الغنائي اللبنانية فباتت هذه الصيغة رائدة سواها، وربما نمطية لنفسها انها، رغم كل شي ذاكرة جديدة لتوليفة مسرحية حية، ويمكن ان تكون معطى مغاير لمسرح غنائي متجدد.

2 ـ الربيع السابع
ادراك القمة، بالنسبة الى فنان او شاعر، يعني اثنين: اما الانحدار ببطء (و فلنقل كالذبول)، او بقوة (او فلنقل كما يسقط خاتم في بئر) وأما الالتماع كما تشتعل الشمعة ولا تحترق. هكذا الوقوف في الالتماع. الانتصاب في الاشتعال. بهذه الصورة، ولا اعرف كم هي جميلة او كئيبة، ار الرحبانيين، في قمتهما، يلتمعان وان رف، غافلاً، بريق هنا، او طال بريق هناك. هذا الالتماع (ولم استعمل كلمة لمعان) تحسه عند اهل القمة، ينسحب الى الداخل، كأنما يشيع في الشرايين، وينسرب الى الاعمال الصامتة، ليتخذ من صفات الدم الصمت في المجاري الداخلية. الصمت في الأوردة، الصمت والاختباء، الخوف من التجاهر، الوحدة الى كلمات الجليد، جليد الزمن، كأنما، كل ذلك، كمن يحمي فؤوسه واسلحته بيديه كمن يحمي يديه بعينيه، كمن يحمي عينيه بعينيه.. اي كمن يقف بلا يدين ولا اسلحة، في زمن الحروب والانكسارات والخيبات، في زمن الوحدة. أولم يقولا في مسرحيتهما.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00