في هذه المقاربة التي قدمت في مهرجان المسرح التجريبي في القاهرة 2006، محاولة لإلقاء الضوء على التجربة الرحبانية في المسرح الغنائي الشامل، بكل العناصر الموسيقية والكتابية والغنائية والحركية التي صاغ بها الرحبانيان صيغتهما المسرحية المعهودة على امتداد أعمال انطلاقاً من مهرجانات بعلبك الى آخر ما تشارك به الكبيران.
هنا الحلقة الاولى:
المسرح والغناء
بدأ المسرح مع الغناء، الغناء في تكويناته البدائية الاولى. سواء كان صرخة، صلاة، ابتهالاً، إيقاعاً خاصاً أو اجتماعياً، نشيداً أي الكلام الذي يحمل ايقاعاً يختلف عن الايقاع العادي، العاري، ذي الوظيفة المعرفية المباشرة. إنه بداية تململ الحواس، والصوت والنبرة في ايقاعات تحمل ايحاءات أو ظلالاً، نفتقدها في الكلام العادي. وهكذا بدأ الشعر أيضاً. وليس غريباً ان يتواءم الشعر والغناء في الذاكرة الفردية والجماعية. قلما انفصلت القصيدة (او الشعر)، عن الغناء، غالباً هذا الالتباس بين الاغنية (النشيد) والقصيدة. غالباً هذا الالتباس بين ما هو شعوري، بدائي، وبين القصيدة الاغنية، باعتبار الاغنية من التجليات الاساسية للتعبير الشفوي. ولعل هذا التراكم الغنائي ـ الشعري تقدم على شكل أو آخر ولفترات طويلة كعلاقة تواصل، وكعلاقة ابداع ايضاً. وقد استمرت هذه العلاقة حتى عندما اصبحت القصيدة مركبة، وكيميائية بقيت جذورها الغنائية ـ الشعورية عميقة. من هذه العلاقة بالذات طلع المسرح، كشكل غير مقصود، ربما ولكن كمعطى أولي. وقد رافقت هذه الظاهرة الشعر، ولا تزال. الشعر الجاهلي كان ينشد في مكان خاص، أي مهيأ لكلام غير عادي، وأمام اناس، تهيأوا له، ومن خلال شاعر يلقيه او ينشده فالعناصر المسرحية كلها موجودة تقريباً. الشاعر هو الممثل، القصيدة (النص) تؤدي اداء مختلفاً (ايقاعياً)، المكان (هو الخشبة)، وهناك الجمهور وهذه هي مكونات المسرح، كأنه مسرح مونودرامي يواجه فيه الممثل الواحد الجمهور المتعدد. يواجه فيه الجمهور بكل ما يملك الممثل: الحركات، الصوت، وأحياناً الملابس، والاداء، والتنوع، ومحاولة التأثير اي انه يضيف الى القصيدة امتداداته فيها ومن ثم تأثيره فيها الذي ينقله الى المتفرج او السامع لهذا لا تعود، عندها، القصيدة قطعة ادبية منفصلة عن فضائها المسرحي، وعند احساسات المؤدى وبراعته اذن هناك عنصر مسرحي تمثيلي يضاف الى العنصر الشعري، هذه الناحية تتعمق في المظاهر الطقوسية، حيث تتخذ العفوية عناصر تقنية اكثر قصداً وتعقيداً فالشاعر يغني قصيدته امام الجمهور، فهو يقدم قصيدة غنائية. وممارسو الطقوس يغنون (ينشدون) نصوصهم وتراتيلهم امام جمهور، فهم يقدمون نصوصاً غنائية، اي ملامح مسرح غنائي، في مستوياته الاولى. او بالاحرى في مواده الاولى. بهذا المعنى تكون دلالات النص في الاداء الى حد كبير مفتوحة، وغير محددة، حيث يتغير المكان والمؤدى، وربما الجمهور ونظن ان الدلالات هذه تختلف. في ايماءاتها وتأثيراتها. عندما تغنى او تنشد او تؤدى. كما هي عندما تقرأ قراءة صامتة في مخطوط او في كتاب... أي حين تنتفي عنها آثار الصوت والجسد والمكان والجمهور تماماً كما تختلف قراءة مسرحية في كتاب من مشاهدتها على الخشبة. هذه الاضافة الشفوية/ الجسدية/ المكانية، هي الجزء الذي يحول هذا النص من نص أدبي أو ديني الى نص لمسرح. من هنا فالغناء هو الجزء الذي يمسرح النص من داخله من هنا ان الصوت ـ الجسد هو الذي يمسرح النص من ضمن ايقاعاته المحتملة. أي الذي يعطيه بعده المادي الآخر. او بالاحرى هو الذي يكوّن المسافة المادية التي يقطعها النص الى الآخر. ليكتسب، عبر هذا الآخر ايقاعاً مختلفاً او على الاقل وقعاً مختلفاً. أي الانتقال من خصوصية الى خصوصية لكن اذا كان الغناء في مسافته هذه يلتقي من عناصر المسرحة ما يلتقي، ويشكل، في ما يشكل ملمحاً مسرحياً غنائياً، إلا ان هذه الخصوصية التي يعيد فيها تشكيل النص الشعري او الكلامي، تبقى خصوصية غير مقصودة، أي خصوصية، رغم اكتسابها مسافات جديدة تبقى في اطارها وقصدها منتمية الى الاغنية، أو الى الطقس، أو الى النشيد او الى كلام آخر. وهذا بالذات ما يحول دون اكتسابها بنية خاصة تحركها ما يمكن ان نسميه المسرحة. او فعل المسرحة او حركة المسرحة. وهي التي تجعل من الاغنية ومن العناصر الاخرى عملاً مسرحياً واعياً شروطه وادواته وأهدافه، أي بنيته وخصوصيته فالقصيدة عندما ينتفي عنها قصد المسرحة تبقى قصيدة تنتسب الى الشعر او الادب. تنغلق في بنيتها الخاصة التي تختلف عن الاغنية، وعن المغني، وعن الرواية، والقصة والمسرح. والاغنية بدورها، عندما ينتفي عنها قصد المسرحة. تبقى اغنية تنتسب الى الغناء، تنغلق في بنيتها الخاصة التي تختلف حتى عن القصيدة العادية، ومتطلبات القصيدة العادية، المغني عندما يفتقد قصد المسرحة يبقى مغنياً، يبقى مخلصاً لشروط الاغنية ولخصوصيتها. والمكان أيضاً. المكان الذي لا يحمل مواصفات المسرحة كمسافة خاصة به، تختلف عن مكان الاغنية، وعن مكان السينما، وعن مكان الطقس، يكون مكاناً شائعاً مكاناً ليس فيه خصوصية المكان والمسرح والجمهور، في هذا المضمار لا يكون جمهوراً مسرحياً إلا اذا قصد ان يكون في عرض لا ينسى فيه لحظة واحدة انه في مسرح، وليس في مكان آخر، وبهذا القصد تتحدد علاقته بما يجري امامه وكذلك ردود فعله. ولعل ما يجمع كل هذه المقاصد التي تقوم على المسرحة، هو المخرج حامل القصد ومنفذه وهو الذي يجمع كل هذه العناصر في خصوصية واحدة، وفي بنية واحدة، وفي لغة واحدة، لا تنتمي إلا الى نفسها، لا تخص إلا نفسها. انه محرك المسرحة التي تجعل منه العناصر كلها فعلاً مسرحياً موحداً ذا دلالة نوعية خاصة بمعنى آخر هو الذي يحول العناصر كلها الى عناصر مسرحية، يعطيها الهوية والقسمات، ويصهرها في حركة تتطور الى ذاتها باستمرار فالنص (الاغنية، أو القصيدة، أو النشيد) يحوله المخرج الى مادة درامية مفتوحة. والمغني، عندما يغني ضمن هذا الاطار، ينسيه انه مجرد مغن ويذكره بأنه يمثل او يؤدي دوراً في مسرح. والمكان يحوله الى مكان مسرحي وكذلك الجمهور والاكسسوارات إلخ... فالمخرج هو حامي الخصوصية وحامي المسرحة، ومعه، تكون مسرحية غنائية، هي مسرح أولاً وأخيراً، أي مسرح مغنى يخضع لكل التطورات والتحولات التي يخضع لها المسرح في ظروفه واكتشافاته وتجريبياته.
المسرح الغنائي العربي
في هذه المسرحية الشاملة للعناصر المختلفة يمكن ان نرى الى المسرح الغنائي العربي، من ضمن العلاقات القائمة بين النص والاداء والاغنية والاخراج... ومن هذه المسرحية بالذات يمكن ان ننظر الى اي مدى كان عندنا مسرحية غنائية، والى اي مدى انصهرت هذه العناصر كلها في هذه المسرحية، حيث ان هذه العناصر لم تعد عناصر منفصلة عن بعضها او طارئة، او خارجية.
اذا قلنا ان المسرح بدأ مع الغناء، فليس غريباً ان يكون المسرح العربي اعتبر الاغنية عنصراً خاصاً في عناصره، أو لازمة ضرورية او ان يكون القصد المسرحي الذي أشرنا اليه تناول المعطيات المختلفة للمسرحية بما فيها الاغنية والرقص والشعر، وحاول اذابتها في بنية مسرحية خصوصية، تأرجحت بين عمل مسرحي فيه أغان وألحان، وبين عمل مسرحي يطغى فيه العامل الغنائي عموماً، وبين عمل مسرحي لامس الاوبرا او الاوبريت معاً. وبين عمل مسرحي غنائي توافرت فيه شروط المسرحية.
فروايات مارون النقاش كانت تتضمن ألحاناً غنائية. وفي نهاية 1876 عندما وفد الى الاسكندرية سليم نقاش، مع فرقة من اثني عشر ممثلاً، وأربع ممثلات، وقدمت على مسرح زيزينيا مسرحيات عمه مارون نقاش كان يعمل معه يوسف الخياط كما كان يقوم بتدريب الموسيقيين والمغني بطرس شلفوني (المسرح الغنائي العربي، محمود كامل، دار المعارف، مصر 1977).
كما نجح يوسف الخياط في اقناع الشيخ سلامة حجازي بأن يغني في فترات الاستراحة قبل ان يكوّن في ما بعد، فرقة خاصة به بعد ان تربع على عرش الغناء عبده الحامولي وقد التقى ادباء كثيرون حول الشيخ سلامة أمثال الياس فياض وطانيوس عبده وانطون فرح وانطون سركيس وخليل مطران والشيخ نجيب الحداد وراحوا يمدونه بمؤلفاتهم (المرجع ذاته).
الحدث البارز كان في مجيء (أبي خليل القباني) الدمشقي الى مصر. ومعروف أن القباني كان الممثل المبدع الشامل، فكان شاعراً وموسيقياً وأديباً وممثلاً)، ولهذا بدت أعماله أكثر وحدة وأعمق نسيجاً وأشمل خصوصاً وإن هذه المسرحيات كانت تتميز بعنصر الرقص الإيقاعي الى العنصر الموسيقي والغنائي. وكان يتناوب على الغناء في مسرحيات عبده الحامولي. وألمظ.
سيد درويش الذي كان يلحن لفرقة جورج أبيض وحجازي ومنها فيروز شاه والهواري وهدى والدرة اليتيمة وكوّن أيضاً فرقته الخاصة (1922) وكان يقوم بالغناء والتمثيل في مسرحيات عدة شهرذاد والبروكة والعشرة الطيبة ويقال أنه كما في المسرحيات منحى جديداً، في إيقاعها الراقص والحبكة الموسيقية المسرحية (المرجع ذاته).
ومن هذه الفرق تأسست أخرى كفرقة منيرة المهدية. واتجه في هذا الإطار، كل من عزيز عبد وجورج أبيض اتجاهاً جديداً وهو تقديم روايات غنائية استعراضية. ولحقت أوبرات عالمية مترجمة كـكارمن وتاييس وقد شارك محمد عبدالوهاب في تلحين عدد من الأعمال منها مسرحية كليوباترة ومارك أنطون تأليف سليم نخلة وقام عبدالوهاب بدور البطولة أمام منيرة المهدية.
ولحن لهذه الأخيرة كذلك كل من محمد القصبجي ورياض السنباطي. ويمكن إضافة فرقة نجيب الريحاني التي ساهمت في نهضة المسرح الغنائي وفرق أخرى كفرقة علي الكسار وفرقة يوسف وهبي. وفرقة فاطمة رشدي التي قدمت مصرع كليوباترا ومجنون ليلى وعلي بيك الأكبر لأحمد شوقي...
أردنا من خلال هذا الاستعراض السريع أن نتوصل الى بعض خصائص المسرح الغنائي في مصر كما برزت في ما قدم على تلك المسارح. ويمكن أن نشير عبر ذلك الى مجمل أمور.
أ ـ المسرح الغنائي العربي منذ بداياته وحتى الثلاثينات لا ينفصل عن واقع المسرح العربي بواقعه العام، من نصوص مسرحية معظمها مترجم ومن أداء ومؤدين ومن جمهور، حيث إن عنصر الأغنية كان أساسياً، وقلما قدمت مسرحية لا تتضمن أغاني. الأمر ذاته ينطبق على بدايات السينما العربية. فكأن الأغنية كانت الجسر المشروع الذي اعتمده المسرح للوصول الى الجمهور.
ب ـ وجود نص مسرحي كامل، مترجماً كان أم موضوعاً. هذا النص سواء خضع للتلحين أم أدخلت عليه الأغنية، كان يحتفظ ببنيته الخاصة.
ج ـ وجود الفنان الشامل الذي تمثل بالعديد وأبرزهم أبو خليل القباني الذي كان أديباً وموسيقياً وممثلاً ومخرجاً. وكان السيد درويش يمثل ويلحن، وكذلك الشيخ سلامة الحجازي...
د ـ تنوع حضور الأغنية، بين تطريبية في المسرح، وبين إقحامية بين الوصلات، وبين درامية من داخل العرض.
هـ ـ معظم مؤلفي الفرق المسرحية كانوا ملحنين أو موسيقيين أو مطربين وهذا ما جعل العنصر الغنائي الصرف يطغى أحياناً على العنصر المسرحي.
و ـ تقدم المطربون الى المسرح عموماً كمطربين، وليس كمسرحيين. هذا التقليد بقي موجوداً في السينما حتى اليوم. وقد أثر بالطبع على طريقة الأداء.
ز ـ وجود العنصر الاستعراضي سواء من خلال الديكورات أم خلال الرقص. مع الإشارة الى بروز الرقص التعبيري.
ح ـ طغيان النصوص الأدبية الموضوعة وهذا العنصر الأدبي يتمثل في مسرحيات شعرية أم في قصائد مغناة. وقد ساهم في الحركة المسرحية الغنائية كثير من الشعراء والأدباء سبق أن ذكرنا بعضهم. وهذا طبيعي باعتبار أن الكتابة المسرحية آنذاك لم تكن منفصلة عن الأدب. والكاتب المسرحي هو الأديب بشكل عام.
ويمكن أن نستنتج من هذه النقاط المحددة أنه كان هناك قسمات مسرح غنائي عربي في مصر يميز نصه الأدب. وتميز مكنوناته الأغنية، وهذا ما أوجد نوعاً من الصراع بين الأغنية وبين النص. وبين ما أسميناه المسرحة. مع تقدم عناصر استعراضية وراقصة هذا الصراع (وهو مشروع بالنسبة الى تلك الفترة) كانت تتقدم فيه الأغنية والمغني على سائر العناصر الأخرى.
إضافة الى ذلك، بروز ما يسمى اليوم المسرح الشامل الذي يتضمن القصيدة، والأغنية، والرقص الاستعراضي والرقص التعبيري والموسيقي، والمطرب، والممثل، والديكورات...
معنى هذا أن بذور المسرح الغنائي العالمي والعربي الحديث كانت موجودة، مبثوثة في المسرح الغنائي العربي ازدهر في بدايات القرن حتى ثلاثينياته.
معنى هذا المسرحية الغنائية العربية التي ظهرت في بعض البلدان، خصوصاً في لبنان في بداية الستينات مع الرحبانيين، ليست بلا جذور، وليست بلا موروث، وهي متصلة على شكل أو آخر بإنجازات تلك الفترة وإن لم يتبق منها، سوى بعض مخطوطات النصوص وسوى اغار وألحان وأوبريتات.
التجربة الرحبانية
في نهاية الخمسينات لم يكن تبلور في لبنان مسرح لبناني ذو تجارب مغايرة أو ذو تراكم يكرسه. كانت بدايات مسرحية تخلو من الكاتب وتكاد تخلو من المخرج وتكاد أيضاً تخلو من الممثل. كان المجال الأوسع لمسرحيات إذاعية يؤلفها أو يترجمها الأدباء والكتاب والشعراء. والأغنية اللبنانية لم تكن في تلك المرحلة ذات خصوصية، أو ذات حضور. ربما الشعر في لبنان كان وحده يتقدم، سواء الفصيح منه والمكتوب، أم العامي أو المحكي. هذه الحركة الشعرية المزدوجة، كانت تتحاور، وتتطور على تأسيس إرث طويل جمع شعراء كباراً كالأخطل الصغير وأمين نخلة وسعيد عقل وصلاح لبكي والياس أبي شبكة. لكن هذه المرحلة كانت تنبئ من ضمن الظروف الاجتماعية مسافة والسياسة والاقتصادية، بنهضة ثقافية شاملة (في هذا المناخ بدأ الرحبانيان عملهما في المسرح وفي الأغنية وفي الشعر). دخلا الى مجالات تكاد تكون شاغرة خصوصاً كما قلنا في المسرح. ولهذا كان عليهما أن يبحثا عن شكل يستوعب تدفقهما الموسيقي والشعري، خارج إطار الأغنية. وقد جاءت مهرجانات بعلبك الفرصة الذهبية لبداية تحقيق هذه التجارب لكن كيف يبدآن، ومن أين وإلى أين؟ وتالياً، ماذا يحققان: إنجازات موسيقية غنائية، أم إنجازات شعرية، أم إنجازات مسرحية. والسؤال يتكثف عندما نعرف أنهما حاولا تحقيق كل هذه الأمور مجتمعة في إطار المسرح. لكن أوجد هذا نوعاً من الصراع الذي لم يحسم بين الرحبانيين كشاعرين يريدان أن يساهما في حركة التجديد الشعرية خصوصاً في مستوى الأغنية. والرحبانيين كموسيقيين يريدان أن يحققا ثورة في مستوى الموسيقى العربية والأغنية العربية والرحبانيين كمسرحيين يريدان أن يؤسسا لشكل مسرحي يكون قادراً على احتواء هذه الإنجازات. وإذا عرفنا أن الفولكلور الشعبي جزء من هذه اللعبة، نعرف أنه دخل أيضاً ضمن هذا الصراع. ليجعل النتاج الرحباني المسرحي يتأرجح بين السعي الى العرض المسرحي والاسترسال في ما هو استعراضي، في مستويات الديكور والملابس والرقص بشقيه الفولكلوري وغير الفولكلوري.
هذا الصراع بين عناصر التجربة الرحبانية يخفي في الواقع صراعاً حاداً (لم يحسم أيضاً) بين محاولة المسرحة الى التوصل الى مسرح غنائي شامل وبين العناصر اللامسرحية التي تهدد هذه المسرحة في صميمها. لكن هذا الصراع يصل الى ذروته عندما يتقدم النجم أو المغني عنصراً أساسياً في العمل، كوديع الصافي وصباح ونصري شمس الدين وجوزيف عازار وملحم بركات وخصوصاً نجمة التجربة الرحبانية الكبيرة فيروز فكيف كانت ملامح هذا الصراع، وما هي الصيغة المسرحية التي توصل إليها الرحبانيان والتي أصبحت، كما سنرى، صيغة نموذجية ليس للمسرح الغنائي العربي فقط وإنما للمسرح الشعبي عموماً بذرواته وحضيضه.
على امتداد ربع قرن (أول عمل لهما أيام الحصاد 1957 ـ وآخر عمل مشترك وقع باسمها الربيع السابع 1982) قدم الرحبانيان نحو خمس وعشرين مسرحية. اي مسرحية كل سنة تقريباً. هذه الكثافة في التقديم جعلتهما من ناحية يجدان في البحث عن صيغتهما لكنها من ناحية اخرى راكمت تجارب متشابهة خصوصا في البدايات مما حال احيانا كثيرة دون ايجاد مسافة لاجراء مراجعة نقدية مطهرة، لهذا النتاج الضخم. (احياناً كانا يصنعان مسرحيتين في العام الواحد).
ضمن هذا النتاج المتراكم المنوع، لكن ذي الوحدة العنصرية من الصعب الكلام على مراحل حاسمة تشكل كسراً في ما بينها، او ثورة على بعضها، يمكن الكلام على تهيؤات او على محطات تأسيس ويمكن اعتبارها منطلقات بحث للرحبانيين عن لغتهما الموسيقية من ناحية وعن صيغتهما المسرحية من ناحية اخرى، ضمن اقتراب اكثر فأكثر من التناقضات السياسية والاجتماعية وامتداداً للتاريخية التي كانت تميز الواقع اللبناني بعد مرحلة الاستقلال.
لكن اذا كان من الصعب الكلام على مراحل فاصلة في بنية العمل الرحباني، الا اننا، يمكن، ربما اصطلاحاً مقاربة مرحلة اولى متكاملة الأجزاء والهواجس وهي الممتدة من ايام الحصاد الى دواليب الهوا (1965) مرحلة عشر سنوات تقريباً حاول فيها الرحبانيان تأسيس ثورتهما الموسيقية اولا. والشعرية (على صعيد الأغنية) ثانيا، عبر ما يمكن ان نسميه جماليات المكان. هذه الفترة تشمل ايام الحصاد (1957) موسم العز (1960م) البعلبكية) (1961) جسر القمر (1962) ودواليب الهوا (1965) هذه المرحلة المهيئة كأنها محاولة لمسرحة المكان، اكتشاف جمالياته، غسل ذاكرته، تمجيدها، انها الاقتراب من المكان وهي القرية اللبناينة والريف اللبناني، اقترابا ملحمياً. بل ويمكن القول حاول فيها الرحبانيان تأسيسها لمسرحة هذا المكان، مسرحة فولكلوره، مسرحة حكاياته، الغرف من معجمه ومن الطرنة، وكأنه كتلة واحدة متموجة. لا شقوق فيها، والتناقضات شكلية انه المكان السعيد بحصاده وشوكه ووعره وبنفسجه وعليقه وجباله وقمره وغيومه وثماره وزهره وحكاياته، وناسه الذين يشبهون مكانهم. مرحلة رومانسية بل مرحلة حنين واحياء للمكان الذي بدا وكأنه مهدد بالتطور والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة الوافدة.
الرحبانيان في هذه المرحلة، كانا يحاولان اختراق اشكال جديدة في الكلمة الشعرية المغناة، تترافق مع اشكال وايقاعات موسيقية جديدة في الكلمة الشعرية المغناة، تترافق مع اشكال وايقاعات موسيقية جديدة. لهذا كانت اعمالهما في هذه الفترة ذريعة لتقديم هذه الانجازات في اطار مسرح غنائي، تنتصر فيه الجماليات الشعرية والموسيقية والفولكلورية على المسرحة، اي على البنية الشاملة التي تتمسرح فيها كل هذه العناصر. واذا عرفنا ان مهرجانات بعلبك، قبل الرحبانيين كانت تقدم منوعات لبنانية، اي عبارة عن لوحات فولكلورية غنائية راقصة، نفهم، كيف دمج الرحبانيان هذه المنوعات في اعمالهما اللاحقة، في مسرحهما او اذا عرفنا ان مهرجانات بعلبك اكتسبت شعبية كبيرة، يمكن ان نفهم ابعاد هذا الدمج، والخلط، بين منوعات تبدأ بأغنيات او برقصات وتنتهي باسكتش مروراً بالملابس الجميلة الفولكلورية وغير الفولكلورية. هذه العناصر، اي الأغنية التي تأتي من خارج النص، والموسيقى القائمة بذاتها، والاسكتش المجاني، والرقصة التي لا تندمج بالمناخ الدرامي والملابس التي تخدم الاستعراضية بأناقتها وطرافتها وجماليتها اضافة بالطبع الى ما تمثل من لون محلي فولكلوري، جعلت المناخ الشعري الموسيقي الجمالي والايقاع الراقص والملون تنتصر في مجموع هذه الأعمال. بمعنى آخر ان الانجاز الموسيقي الفذ الذي قدمه الرحبانيان والتمثل وبالأغنية معاً، لم يكن دائماً أو غالباً انجازاً موسيقياً درامياً. فالأغنية على روعتها بالأصوات المهمة التي قدمتها كفيروز ـ وصباح ـ ووديع الصافي ـ ونصري شمس الدين ـ وجوزيف عازار كانت، كأنها تسعى الى نفسها كبنية مستقلة، اي كجسم يلمع وحده، وسط التنويعات المقدمة. كانت اغنية جديدة ساطعة، لكن ليس داخل السياق دائماً، تؤدي وتسمع خارجاً لنفسها جوهرة ثمينة خارج العقد. ونظن ان التحدي الذي واجهه الرحبانيان في تلك المرحلة كان تحديا موسيقياً بالدرجة الأولى، ثم كان تحدياً شعرياً، فاللحن الرحباني، قد يكون درامياً في هذه الأغنية، لكن ليس من الضروري ان تكون هذه الدرامية ضمن السياق الخاص الذي تخضع له المسرحية. وهكذا بالنسبة الى الشعر سواء جاء في حوارية او في قصيدة مغناة، يأتي ايضا من خارج المناخ المطلوب، وهذا يتم في مستويات عدة:
1 ـ كانت الجمالية تميز الشعر العامي او المحكي اللبناني في تلك الفترة، جمالية تقوم على الاهتمام بالشكل وبالايقاعات المرهفة. وباللقيات الشعرية الطريفة. وان تم ذلك احيانا على حساب المضمون. أو فلنقل ان هذه الجمالية كانت في بعض جوانبها شكلية. كأن نقول ان الشكل هو المضمون. هذا الاتجاه الصافي للجمالية الشعرية كان من رواجه ميشال طراد ـ وسعيد عقل. وقد تأثر بهما الرحبانيان عميقاً. على ان هذه الجمالية كانت تصطدم احياناً كثيرة بالسياق، او بالبنية العامة للعمل او بالدرامية، فتنفر لقوتها، وتعصى لجماليتها. الجمالية في الشعر احيانا هي اللادرامية، خصوصا عندما تخدم اغنية مطلقة، او ايقاعا مطلقاً، او شكلية مطلقة، مثلاً، سعيد عقل في مسرحيتي قدموس وفي بنت يفتاح لحق احيانا القصيدة كشاعر، ولم يلحق دائماً متطلبات العمل المسرحي ككاتب مسرحي او كشاعر مسرحي. قد يكون كتب قصيدة حوارية بأصوات متعددة تقترب في سياقها من الدرامية، لكن هذه الحوارية بقيت الاطار الجمالي ـ الشعري، اكثر مما بقيت في الاطار المسرحي. أحمد شوقي لحق كذلك، وان اقل من سعيد عقل، التدفق الغنائي الذي جرف المنحى المسرحي، وهدد البناء الدرامي واللغة الدرامية. والأمر ذاته بالنسبة الى عبد الرحمن الشرقاوي ـ وصلاح عبد الصبور وكثير من الشعراء الذين ظلوا في كتاباتهم ينتمون للشعر اكثر مما ينتمون للمسرح. وقد تكون مواصفات المسرح الشعري عموماً حتى اليوم.
2 ـ اتصال القصيدة او المقطوعة بالعنصر الموسيقي. كان غالب الأحيان اقوى منه بالنسيج المسرحي. وهذا طبيعي بالنسبة الى فنانين يعلنان انتماءهما الاول للموسيقى وللشعر.
3 ـ هذه العلاقة كانت تجعل الرحبانيين احيانا يلحقان كلمات الأغنية باطار موسيقي سابق لها. اي انهما كانا يتوصلان الى لحن ومن ثم يبحثان له عن كلمات، سواء في لحن موضوع ام في لحن مقتبس وهذا يتم بالطبع خارج البناء الدرامي المقترح. لهذا قد تأتي اغنية او اغنيات عدة، في هذه المسرحية وتلك، مصادفة، وكان يمكن ان تتقدم في عمل آخر.
4 ـ كان الرحبانيان، من ضمن الهاجس التجديدي للتراث الشعري أو الموسيقي يضعان اغاني فولكلورية لبنانية. أو اخرى تراثية عربية، وكان عليهما ان ينوعا بها عملهما المسرحي الموسمي، خصوصا في هذه المرحلة التي اقتربت فيه اعمالهما من البيئة القروية او الجبلية او عموماً الفولكلورية.
5 ـ حتى كتابة الأغنية الدرامية (المختلفة الى حد في جورها عن كتابة الأغنية الجمالية وان لم تنفصلا عندهما). كانت دراميتها لذاتها، احياناً كثيرة، تماماً كما هي الموسيقى التعبيرية التي تؤلف لأعمالهما والتي تحشر حشراً أحياناً في هذه المسرحية او تلك او تشطح لقوتها الخاصة.
6 ـ اشتراك ملحنين وشعراء في وضع اغان في هذه الأعمال، كفيلمون وهبة وسعيد عقل كان يخدم الأغنية فنياً. والأغاني التي لحنها فيلمون لقيت شعبية واسعة. لكن هذا النجاح الشعبي لا يعني بالضرورة توظيفاً داخل منطق العمل ومتطلباته.
(لكن هذه المرحلة التأسيسية، رغم طابعها البحثي عن شكل او عن صيغة لها حملت، في العمق ملامح المسرحية الرحبانية وقدمت اعمالاً، ورغم مجمل الملاحظات التي اشرنا اليها) تتسم بحس درامي عميق ذي بنية درامية عامة، تحاول، ان تلف مجمل هذه والسياق الواحد المبني على تتابع اللوحات او الشاهد، وهناك نوع من الوحدة التأليفية الكتابية والموسيقية، وبشخصيات لها ملامح واضحة تحمل تناقضاتها وصراعاتها. كما نجد في البعلبكية (رغم اسطوريتها)، وفي الليل والقنديل وخصوصا في بياع الخواتم التي كانت، في رأينا تتويجاً لهذه المرحلة التأسيسية على هذا الاساس ويمكن ان نجد في هذه المرحلة التأسيسية كل مكونات الصيغة الرحبانية، هذه المكونات التي ستبقى عناصر ثابتة في مسرحهما، رغم التطور الدرامي الذي سنشهده في الأعمال اللاحقة ويمكن تلخيص هذه المكونات:
1 الأغنية بوجهها الحالي.
2 الشعر بوجهيه الجمالي والدرامي
3 اعتماد اللوحات والمشاهد المتتابعة كمكونات للسياق.
4 الاسكتش الذي لا يندرج دوماً في اطار العمل.
5- العنصر الفولكلوري الذي يلازم عن ضرورة أو غير ضرورة تركيب العمل.
6 عنصر التأليف الدرامي وان مخترقاً بهذه العناصر.
7 ديكورات جميلة تستخدم كمجرد دريكورات، ولا تكون دوماً، جزءاً من الكتابة الدرامية.
8 الرقص الفوكلوري يأتي عادة منفصلاً عن هذه الكتابة.
9 الملابس رغم اشارتها الى تعريف الشخصيات والي البيئة المحلية الا انها تقدم كأزياء جميلة، لا تنسجم بالضرورة، لا مع الديكورات ولا مع المناخ العام، اي انها تبقى بعيداً من الايحاء الدرامي والدلالي.
10 ـ عنصر المغني الذي يتقدم بصفته الغنائية للجمهور كصباح ووديع الصافي ونصري شمس الدين وخصوصاً فيروز يبقى احياناً عنصراً غنائياً فحسب.
11 ـ الاسقاطات السياسية وغير السياسية.
12 ـ المباشرة، والخطابية والوعظية احياناً.
13 ـ الشغل على الممثلين لم يكن اساسياً.
(إن مجمل هذه العناصر المكونة للشغل الرحباني تكررت في نتاجهما اللاحق كله، سواء جاء بعضها، من داخل المسرحة، ام بقي خارجها لكن هذه العناصر التي تشكل بنى، حاول الرحبانيان صهرها ودفعها في اتجاهات اكثر درامية، وأكثر التصاقاًَ بالنسيج المسرحي العام. واذا كانت تلك الفترة تمثل ما أسميناه محاولة مسرحة المكان. فان فخر الدين (1966) تمثل احدى الذروات المسرحية التي حملت معها كل هذه العناصر ولكن تجاوزتها في بناء مسرحي موسيقي غنائي يكاد يكون النموذج الأبرز للصيغة الرحبانية. بهذه المسرحية افتتح الرحبانيان افقاً جديداً هو التاريخ. اي من محاولة مسرحة المكان الفردوس الجميل الشعرية والخيبات والصراعات. بهذه المسرحية دخل الحس الفاجع التراجيدي) المسرح الرحباني، ودخلت معه البنية المركبة للعمل في مستويات الشخصيات والسياق، التأليف الموسيقي الدرامي، حيث بلغ فيها الرحبانيان ملحمية عالية. ومن خلال هذه الملحمية التي تتضمن في ما تتضمن، اشكال الاسقاط على الواقع (وإن من موقع تمجيدي للتاريخ الخاص) واجه الرحبانيان قسوة الواقع وقدريته الطاغية. القدرية التي تجعل ارادات الناس والابطال تصطدم بالحلم وهالة الملك (1967) وجبال الصوان وبترا واخيراً صيف 840 تندرج ضمن هذا الاطار التاريخي الذي يطل باسقاطاته على الواقع.
من الانفتاح على التاريخي هبط الرحبانيان الى المسرحية السياسية من مسرحة المكان السحري. الى مسرحة التاريخ الفاجع، الى مسرحة الواقع السياسي واذا عرفنا ان المرحلة التي خاض فيها الرحبانيان هذا النوع أي في بداية السبعينات مرحلة من أخصب المراحل وأخطرها في لبنان وهي التي كانت تمهد للحرب، نعرف كم كان العبء ثقيلاً. في هذه المرحلة تقدم الرحبانيان بحس سياسي مرهف عبر اعمال كان أولها الشخص ومن ثم تتالت في يعيش يعيش ولولو والمؤامرة مستمرة والربيع السابع.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.