عندما نلقي، اليوم، نظرة معممة على واقع المسرح العربي، ونبحث عن فضاء خاص به، أو كان يشغل به، أو جمهور يحميه، أو مجتمع يدافع عنه ويغذيه، أو نظام يحتضنه من دون أن يصادره، ومؤسسات تدعمه من دون أن تملي شروطاً وقنوات إعلامية تروّج له من دون أن تشوهه، تجد أن المسرح العربي لم يعرف مرحلة منذ قيامه قبل 150 عاماً، أبأس من هذه المرحلة، ولا حالة أذرى من حالته، ولا عزلة أشرس من عزلته: كأنه الملك لير الذي تخلى عنه أبناؤه بعدما أورثهم ما أورثهم..
لا نقصد هنا في كلامنا المسرح التجاري (المستقل)، ولا المسارح الفولكلورية أو السياحية، بقدر ما نقصد مسرحاً يعبّر عن نفسه من ضمن إلزاماته الإبداعية والفكرية والاجتماعية الخاصة به، وغير المتأثرة بالعناصر الخارجية (غير المسرحية): السياسية والترويجية والايديولوجية، ولا يعني ذلك ان المسرح المستقل، لكي يكون مستقلاً، يجب أن يستقيل من انحرافه الحي، أو يقطع أواصره وعلاقاته بالقنوات والجهات التي يمكن أن تدعمه، أو يتقوقع عن الجمهور، أو ينفصم عن الظهور العلني: فالمسرح هو فن الظهور فن البصر (والاستبصار)، وفن المعمارية الجسدية، والصوتية، ومنصة الحوار مع الآخر، والانفعال بكل ما يحيط به، والفعل فيه.
على هذا الأساس، نفهم المسرح المستقل، الفضاء الخاص، واللغة الخاصة، والتجربة الخاصة، التي تستقي مكوناتها، وفنها، وموقعها، حرية شاسعة لا تقننها شروط مادية، أو فروض سياسية، أو ضغوط أحادية، أو ظواهر دينية أو طائفية قسرية: بمعنى، أنه المسرح، وهو في خضم كل هذه الظواهر، يقول بحرية ما يريد أن يقوله، كتعبير خاص، ضمن تعددية ثقافية وغير ثقافية، وكتجربة هي دائماً، من ضمن ما يعاني وضعنا، على مرمى الخطر، كصوت معلن، وكصرخة ثاقبة، وكمخيلة متفجرة، وكموقف خارج المواقف العمومية السائدة المرتبطة بهذه النظم أو بتلك المجموعات، على مسافات هامشية (مفتوحة) من الممارسة الإبداعية، والميتافيزيقية، والاجتماعية في أقصى حدودها.
أن تقول مسرحاً مستقلاً يعني أنه المسرح الحر، غير المرتبط، وغير المرتهن، لا بمواقف جاهزة، ولا بسلطة، ولا بإلزام، ولا بمساومة، ولا بتنازل، ولا بسقوف واطئة، وإنما بتعبير متحرر من أي حجب، في انبثاقه عن نقاط التوتر في المجتمعات، أو في القضايا، أو في المغامرات الفنية: بلا حدود. هذا هو المسرح المستقل، وبلا حدود يعني شغفاً بلا حدود، ومواجهة بلا حدود.
إنه مسرح المواجهة. ليس مواجهة النظم السائدة المغلقة ولا البنى المتكاملة. ولا ظواهر الخلل الاجتماعي أو السياسي فحسب، ولا تفجير التناقضات السياسية فحسب، وإنما إلى كل ذلك مواجهة، منتوج هذه النتاجات الجاهزة، والمعممة (بلغة السلطات السائدة)، من استهلاك، وتبعية، وانجرار، واستسهال، وذوبان في البنى القائمة. بمعنى آخر: علينا، دائماً أن نحدد بوضوح، ما معنى المسرح المستقل، وتالياً، ماذا على المسرح أن يستقل عنه، ليكون مسرحاً مستقلاً: مستقلاً عن ماذا: عن أي عوامل؟ عن أي ظواهر؟ عن أي هواجس؟ عن كل ما لا يجعله مستقلاً.
ونظن أن هذه الأسئلة عميقة، ومتشابكة، تنطلق من اللغة الفنية بعناصرها العديدة، وتشمل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والهياكل السياسية، ومفاهيم الالتزام، والارتباط، والحرية، والمجتمع المدني، والمكونات ومستوياتها، والثقافة وتراتبياتها، والحرية وأنماطها، والرقابات وإلزاماتها، والمحرمات ونواهيها، والمجازفة وحدودها: بمعنى أن الاستقلالية في المسرح، مسألة معقدة، ومتفاوتة البروز، ومتباينة الظروف، تتصل بكل ما يحيط بها، وعلى تماس، بكل ما يعني أمكنتها، وأزمنتها، وناسها، ووسائطها.
فهل يستطيع المسرح أن يكون فعلاً مستقلاً، وسط كل هذه العناصر، وكل هذه الظروف، وتالياً ما معنى أن يكون مستقلاً؟ وتالياً ما هي المعضلات التي تحول دون تحقيقه هذه الاستقلالية؟ وما هي العوائق التي تعترض سبيله إلى التحرر من كل ما يشوب حرية حركته وفكره وتعبيره ومغامرته؟
سنحاول، قدر المستطاع تحديد العوامل التي يمكن اعتبارها مساً باستقلاليته وبحريته، وبما يحوّله عن جوهره الأصلي ودوره، وسماته وتحولاته. وفي هذا الإطار ومن باب تقريبي يمكن التوقف عند أبرز هذه المعضلات:
ـ إذا كان المسرح فعل حوار حر بين الخشبة والجمهور، حوار شفاف، فيعني ان أول معضلة تواجهه هي أن يتخلى عن هذا الفعل الحر: ان يخدم سواه من خارجه، على حساب وجوده. وذلك عبر:
ـ الخضوع لأي سلطة خارجية تحد من حريته، وتجعله على تبعية لها، سواء كانت نظاماً سياسياً أو حزبياً، أو ايديولوجياً، أو جهة اقتصادية.
ـ الخضوع لكل ما من شأنه أن يجعله أداة أو وسيلة ترويجية، أو دعائية أو متواطئة، مع القوى السائدة. وهذا يعني التباساً على صعيد وجوده الفكري، السياسي، والفني، ومساً بجوهره. كأن يذوب في سلطة، بحكم علاقة مادية، أو معنوية، وهذا ما لمسناه، وإلى حد كبير، في ارتباط واضح، أحياناً كثيرة، بين المسارح الوطنية والقومية، وبين الأنظمة الأحادية، فيصير المسرح مرآة لها، بدلاً من أن يكون مرآة ذاته.
ـ الخضوع لقنوات دعم مادية، محلية أو خارجية، مدفوعاً بالحاجة إلى التمويل أو إلى اكتساب فضاءات أوسع، مما يوقعه، في المخاطر السلطوية ذاتها. نقول ذلك لأن بعض المسارح العربية، وتحت شعار الاستقلالية لجأت إلى وسائل خارجية أو أجنبية للدعم، من دون تبيانها أحياناً كثيرة، هوية تلك الجهات، ولا مراميها، لتنتقل ومن دون أن تدري أحياناً من خدمة النظام التي تنتمي إليه، إلى خدمة جهات خارجية مجهولة الأصول. وقد عقدت ندوات عدة، في هذا الاطار وفي عدة مهرجانات عربية، بحثت هذه الحلول التمويلية التي تحوّلت معضلات مسرحية.
وهذا الأمر لا ينطلق على المسرح العربي فقط، وإنما على السينما، ومصادر تمويل بعض المؤسسات والمنابر والمجلات الثقافية. إذ كيف يمكن الهروب من تبعية نظام محلي إلى تبعية جهة خارجية وتحت شعارات صارخة كـالديموقراطية، والحرية... والاستقلالية. ونحن نعرف جيداً، ان اللجوء إلى بعض القنوات التمويلية الخارجية خصوصاً الأجنبية، لا بد من أن يطاول أيضاً الجوهر المسرحي من حيث لغته، وفكرته، ولعبته. ونظن أن الارتباط بجهة أجنبية مجهولة الأصل والفصل أفدح من الارتباط بنظام أو بطرف محلي. وكلنا يعرف، من خلال الوقائع، ما كان مصير بعض المجلات العربية في الستينات التي اكتشف أن جهات ثقافية أجنبية، تبين أنها فروع من سياسات ثقافية استعمارية أو حتى مخابراتية. وأكثر: تبين، في السنوات الأخيرة، أن فنوناً (ومنها المسرح)، لجأت إلى تمويلات خارجية، ظن أنها مرتبطة بمرجعيات مخابراتية أيضاً... مشبوهة. ولا نريد هنا أن ندين أحداً أو نتهم أحداً، لأنه ظهر، لاحقاً، ان بعض الذين قبلوا أشكال الدعم تلك، لم يكونوا على علم بمصادرها الأساسية. وهنا لا بد أن نحمل أيضاً الأنظمة العربية جزءاً من المسؤولية، لسياستها الاستيعابية للمسرح (كأداة مفتوحة لها) أو لإهمالها تقديم العون له (من دون شروط وإلزامات). فلو توفر الدعم غير المشروط للمسارح العربية المستقلة، لما توجهت هذه الأخيرة إلى الخارج: فالاستقلالية مفقودة هنا وهنا على حد سواء: هنا النظام الرسمي يريد أن يستغل المسرح بتحطيم استقلاليته، وهناك تريد القنوات الخارجية الداعمة استغلال المسرح أيضاً بتحطيم استقلاليته.
وكما يؤدي خضوع المسرح لمرجعيات السلطة، إلى فقدان هويته، وإلى التنكر لدوره النقدي ـ الابداعي، ولمغامرته غير المحدودة، يؤدي خضوعه لتلك القنوات إلى تحوير أهدافه الأساسية، وخياراته الثقافية، وحتى انتماءاته. وهو، بين تبعيتين، لن يكون بأفضل حال حتى إزاء تبعية أخف وطأة مباشرة من تبعية أخرى. وإذا اعتبرنا أن التمويل لا يكون هبة أو هدية أو منحة مجانية من أحد، فيعني أن كل تمويل، مهما بدا نظيفاً، هو تمويل سياسي بمعنى من المعاني. تمويل مستثمر، فكرياً وحضارياً... وايديولوجياً.
على هذا الأساس لم نقتنع يوماً بأن الميزانيات الغربية أو الأجنبية المخصصة لدعم ثقافة هذا البلد أو ذاك، ليست ميزانيات ملوثة بأهداف الهيمنة، أو الاستغلال. أي لا يمكن أن ننظر إليها بعين بريئة. فهل يعني ذلك سلفاً كل عون خارجي، من ضمن تلك الهواجس المذكورة لكي يستمر؟ والسؤال: ماذا يعني أن يستمر مسرح يسعى إلى استقلالية ما، إذا كان اختار رفض تبعية ليقع في تبعية أخرى، وفي ظنه أنه يحقق حريته التعبيرية الخاصة؟
ـ لجوء المسرح، من جانب آخر، إلى مصادر تمويل داخلية خاصة، كمثل مؤسسات إعلامية أو مالية أو مصرفية أو حتى سياحية، بشروطها، أو بإلزاماتها، على صعيد المضمون، أو الشكل، أو حتى في الاختيارات الأساسية. بمعنى انه من الصعب أن نبحث عن استقلالية حتى في مؤسسات خاصة، ليست هي مستقلة عن البنى السائدة، مما يستدعي تنازلات، أو حتى تراجعات، أو أشكالاً من التواطؤ. ومن المفيد القول إن سياسة السبونسر من بعض هذه المؤسسات، إذا اقترن بشروط واضحة، لا تمس بجوهر المسرح، قد تكون أقل خطراً عليه، خصوصاً إذا كانت بعض هذه المؤسسات وضعت في صلب استراتيجيتها دعم الفنون دعماً يتصل بالأهداف الابداعية أو الوطنية، كما يحصل في بلدان أجنبية عديدة، حيث يقتطع جزء وإن ضئيلاً من الميزانيات أو الأرباح، لمساعدة الفنون والآداب. هذا التقديم مشروع لأنه لا يفرض ما من شأنه التدخل في مسار العمل أو في انتمائه أو في بنيته. وقد شهدنا في بيروت مثلاً ان بعض الجهات المصرفية مثلاً تقدم عوناً لبعض الأعمال المسرحية، أو حتى المسارح، من دون أن أن تتدخل لا في توجهات المسرح ولا في تقنياته، ولا في برمجته. لكن ذلك العون كان أضعف من أن يؤمن اكتفاء نسبياً، أو شكلاً مستداماً، يوفر استمرارية ولو محددة؛ ذلك ان معظم السبونسرات سواء جاءت من المصارف أو من الشركات أو من بعض وسائل الإعلام من تلفزيونات ومؤسسات كانت أحياناً انتقائية وغالباً عشوائية ودائماً فتاتاً، تحتاج إلى روافد أخرى لتؤمن حدوداً معينة من الانتاج.
ـ هذا اللجوء إلى المؤسسات الإعلامية أو الاقتصادية قد يكون أقل خطراً، من اللجوء إلى بعض الهيئات والمرجعيات والتنظيمات السياسية والحزبية والاجتماعية والطائفية والمذهبية والايديولوجية. فهذه البنى السياسية لا ترى عادة، في الفنون والثقافات سوى امتداد لها، وارتباط بخططها ومواقعها ومواقفها، ومجرد بروباغندا لها؛ وهذا ما لمسناه، في العمق، أثناء الحروب في لبنان، عندما انقسمت البلاد إلى ما يشبه الكانتونات الطائفية (والعائلية) تحت سيطرة الميليشيات، وفي فضاء ملتهب من العنف والقتل والحروب والتهجير والترهيب والتهديد والتسلط. والمؤسف، أن بعض المسرحيين وقعوا في هذه المطبات إما خوفاً من الميليشيات، وإما تواطؤاً، وإما استغلالاً، فكان أن لجأ بعضهم إليها، فتلقى دعماً، أو مساعدة (أو حماية) لكن النتيجة، كانت أن وظفت بعض المسرحيات في خدمة تلك الأحزاب الميليشيوية المذهبية أو الايديولوجية أو اليسارية أو اليمينية، مما أفقد المسرح أي موقف مستقل، ووصمه بالتبعية، وبالاستغلال، والارتهان لبعض تلك المنظومات التي لم تملأ سجلاتها من القتل والمذابح والتقسيم والارتهان للجهات الخارجية مالاً وسياسة وسلاحاً.
ونظن أن هذه الارتباطات المسرحية بالميليشيات في لبنان، أثناء الحرب، هي أخطر ما تعرضت لها استقلاليتها، وجوهرها، وانتماءها، كمنصة لتظهير التناقضات داخل المجتمع أو داخل تعدديته، في الوقت الذي ظهرت تلك المسارح، وكأنها أداة من أدوات الحروب، وواجهات لتغطية الجرائم والمذابح والتوجهات الكانتونية. بمعنى آخر بات بعض المسارح، وعند مختلف الفرقاء، وقوداً للحرب، وإعلاناً لانتماء قسري، فئوي، ولأحاديات موزعة على امتداد البلاد.
ويذكرنا ذلك بالمسارح أيام الأنظمة الشمولية في الاتحاد السوفياتي، أو في أوروبا الشرقية أو عندنا في العالم العربي حيث تلغى الحدود بين دور الفن وسياسة السلطة أو الحزب أو النظام.
وإذا كان ليس المجال هنا لتسمية الأشياء بأسمائها، فهذا لا يعني أن المسرح أثناء سيطرة الميليشيات في لبنان، لم يتلقَ ضربات موجعة، سواء من حيث ذوبان بعضه في الآلة الحربية والمذهبية، أو من حيث تعرض بعضه الآخر لأبشع أنواع الاضطهاد والقمع والاستيعاب. صحيح ان دعم قوى الأمر الواقع وفر شيئاً من الاستمرارية لمسرح قدم أعمالاً لافتة، برغم كل شيء. إلا أنها استمرارية مشروطة، وموقتة، ومعطوبة، وهشة. وهذه هي حال الحروب. وهذا ما خبرناه على امتداد مجريات الأمور في لبنان، عندما صار المسرح إما فريسة في أنياب القوى الميليشيوية أو أداة من أدواتها أو ضحية من ضحاياها. فهو استمر بها، أو استمر أقله بالحيلة رغماً عنها. ولهذا يقال إن الأحداث والحروب والعنف تقتل الفنون أو الإبداع... أو تمتصها، أو تشوهها، أو تحولها عن مساراتها. بهذا المعنى، تصبح العوامل الخارجية (العارضة) المكوّن الأساسي للمسرح، وتصبح السلطة الخارجية... حريته المفترضة أو المفروضة، ويصبح القمع تطهيراً لاستقلاليته المزعومة. وهذا ما يؤثر في بنيته الموضوعية، وفي محتوياته، وكذلك في لعبته الفنية، وفي تجربيته، هذا إذا تبقى أن يكون له تجريبية، وسط الخراب المحيط به، والتهديد الدائم المصلت عليه.
ورقة قدمت أمس في افتتاح فعاليات مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي (حلقة أولى)
[ غداً حلقة ثانية وأخيرة








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.