استمرت الحروب السابقة قرابة عشرين عاماً، لأن السلاح كان بأيدي الميليشيات، والقتلة، والمرتزقة، وكل العملاء ما عدا الدولة وأدواتها وجيشها وقوى أمنها... والأوادم طبعاً!
كانت الأسلحة، من كل الأنواع، توزع كالإيمان والصلوات والخبز والهواء والماء. صارت "مِلح" الوطن، وصار المسلحون "ممالحها" الطافحة. عندها كان سلاح قوى الأمر الواقع، أي "القوى الكانتونية" أو التقسيمية يحمي خراب كل شيء، عندما كانت الدولة لا تستطيع حماية نفسها ولا سواها وعندما تقاسم الجيشَ وأسلحتَه الشرعية "المتحاربون" الذين يقاتلون نيابة عن بعض الأنظمة العربية ومنظماتها وإسرائيل وسواها. لهذا استمرت الحروب. الأسلحة الطائفية هي الفيصل. وقرار المعارك بين المتنازعين يأتي من الخارج القريب والبعيد، العربي والأجنبي والأعجمي. وقرار "إنهاء" النزاع كان أيضاً بأيدي "الخارج" عبر "خوارج الداخل". إذاً كل نبرة تقارب أو حل نزاع، أو مصالحة، يعني حرباً على المراجع الميليشياوية المؤتمرة بوراء الحدود، وحرباً على مرجعيات "وراء الحدود" ليستدعي ذلك إثارة فتن واغتيالات وتهجيراً وقصفاً وضرباً واعتقالات وترهيباً لاستمرار الأحوال الانقسامية، ولاستمرار لغة الموت: فوطن صار غابة من الأسلحة يعني وطناً تحول الى قانون الغاب: وحوش بوحوش، وحيوانات بحيوانات، ومجرمون بمجرمين تحت شعارات "المقاومة" و"التحرير"، و"عروبة لبنان"، و"العنفوان اللبناني... والكرامة...".
عال! اليوم، ومنذ انسحاب جيوش الوصاية، وتسلّم الأكثرية الجديدة السلطة الشرعية بالانتخابات الديموقراطية استعيدت كل عدة "النَّصب" القديمة، ولغة الأخشاب والمورينا، ولهجة الأدغال ونبرة التوحش والبربرية. وكان على أكثرية اللبنانيين أن "يقاوموا" مخططات الفتنة التي يراها الأوصياء أداة لعودتهم المظفرة، بمخابراتهم، وعسسهم وكلابهم البوليسية وغير البوليسية وإجرامهم... ونهبهم وتحويل لبنان من جديد "سجناً كبيراً"... وهكذا، ومنذ سقوط النظام الأمني المشترك، وعلى امتداد سنوات ثلاث "نشط" عملاء الوصايتين، من فلول الفاشيات والتوتاليتاريات البائدة من عهود ستالين وهتلر وموسوليني وبينوشي وعيدي أمين... ومحاكم التفتيش القرون وسطية... بكل الوسائل الانقلابية العنفية لإرجاع عقارب الساعة الى ورائهم... وورائنا... ووراء تاريخهم المشمس بالقتل!
وما ارتُكب من اغتيالات منظمة: ابتداء بالشهيد رفيق الحريري ومن ثم الشهداء الآخرين، كانت مفتتحات لاسترجاع كل وسائل النظام الأمني السابق، والوصايتين، من توزيع أسلحة، ومال (نظيف) وتحريض وفتن، ولغة تقسيم، وانفعال، وانعزال، وكما كان لبنان في حروب الآخرين عليه حتى عام 1990، مجموعة "انعزاليات" متحاربة، منفصمة، يلغي كل منها الآخر، ليسود "الوافد"؛ ها هم يريدون اليوم وعبر السلاح الذي كان مقاوماً ذات زمن.
وكم حيّينا هذا السلاح عندما كان موجهاً للتحرير!)، السطو على النظام والكيان والسيادة والاستقلال والقرار الوطني، عبر منقلبات متتابعة ومتسارعة ولاهثة، وعبر تدمير الاقتصاد والمجتمع وأدواته وديموقراطيته وهوامشه الحرة.
آخر مقتلات هؤلاء الشهيد الشيخ العريضي الذي اغتيل بالطريقة ذاتها التي اغتيل بها الشهيدان جورج حاوي وسمير قصير، ثم: الفتن المتنقلة، والتهديد بعودة "الغزوات" المظفرة وعمليات السبي والقتل والسرقة وإحراق المنازل والمؤسسات... والمنابر الإعلامية "لتحرير" مزارع شبعا (وربما البصرة) بتخريب بيروت والجبل والبقاع والشمال... وأخيراً الكورة، وربما غداً عودة الى بيروت، فالجبل، فالشمال، فالبقاع... فطرابلس.. فعكار.. من يدري! وماذا عساهم يفعلون بأسلحة تقدر بمليارات الدولارات غير توجيهها الى اللبنانيين، بعدما كان للعدو أن يصير وراء الحدود، وبعدما صارت حدود بيروت والجبل... حدوداً إسرائيلية (بإذنه تعالى) يجب "تحريرها"... وصولاً الى صنين وبسكنتا وكسروان والباروك. فما أوسع حدود إسرائيل عند خُدّامها، وما أضيق حدود لبنان عند عبيد الوصايتين!
تمّت مصالحات عديدة مهمة في طرابلس، والبقاع، وفي الجبل... ثم لا ننسى الطبعة الثانية من مؤتمر الحوار بدعوة الرئيس سليمان، مع هذا فكأن كل مصالحة كانت تخفي وراءَها "قتلاً" لتعطيلها، وكل حوار كان وراءَه عملية لتخريبه، وكل تقارب كان وراءه من لا يريد لا دولة، ولا نظاماً، ولا قرباً، ولا انتخابات، ولا قانون انتخابات ولا استراتيجية دفاعية، ولا محكمة دولية، ولا ترسيم حدود مع سوريا، ولا حتى تبادل تمثيل ديبلوماسي، ولا حتى اعتراف بسيادة لبنان أو بحدوده أو باستقلاله أو بحكومته أو بأكثريته!
لا شيء. وهذا "اللاشيء" يُعبَّر عنه ظاهرياً ببلاغة "سياسية" توحي تشجيع الحوار... ومساعدة الدولة، ليترسخ هذا "اللاشيء" اللفظي، المعسول، المُنمّق، النّعوم، بالفعل الترهيبي المعاكس على الأرض: نعلن ما يريد أن يسمعه أهل "الحوار"، ونفعل ما يريده أهل الفتن: اللاشيء في الحالة الأولى يتجسد بإيجابية كلامية (كلام الليل يمحوه النهار)، واللاشيء في الحالة الثانية يرسخ لغة القوة والاغتصاب والاغتيال فكأن هذه "الثنائية بين السلوك والتعبير تذكر بقول الشاعر:
إن الأفاعي وإن لانتْ ملامسُها
عند التقلّبِ في أنيابها العَطَبُ
كل ذلك يعني، ضمن ما تخطط له الأقلية ومن وراءها ادامة أعراض الحروب المموهة بسلم هش، او عوارض السلم الهش بالحروب المموهة. فالحروب يجب ان تستمر.. هذا هو الثابت وفي موازاتها (وللتعمية) ترحيب بالمصالحات، ومعانقات، ولقاءات وقبلات، تصير كصور شمسية من أيام الأبيض والأسود. هذا ما يريدون أن يستمروا فيه: إبقاء السلاح بأيدي حزب الله وحلفائه ممن وزع عليهم لقضم السلطة، وترصيع عودة الوصايتين وربما أكثر هذه المرة... بوجود إسرائيل مستنفرة ضد الشعب اللبناني وليس ضد سواه! (مفهوم!).
... واستبقاء السلاح في أيدي فئة لها مشروعها الإيديولوجي والسياسي والحزبي تتذرع بالدفاع عن لبنان، إزاء أكثرية تلتزم الدولة، والسلم الأهلي، والديموقراطية، يعني إبقاء هذا السلاح مصلتاً على الرؤوس. ويعني أنه ليس لمؤسسة من مؤسسات الدولة أن تعلو فوق سلاح الميليشيا التي تجدد وتطور عصر الميليشيات الأسود السيئ الذكر بالشعارات نفسها، والذهنية نفسها، والارتباط بالخارج نفسه وربما أكثر وأغنى وأوفر (ما أجمل بيوت المال يشع ذهبها في عيون الذاهبين الى الخراب بأقدام ثابتة!)، وليس للجيش أن يكون جيشاً، ولا لرئيس الجمهورية أن يكون رئيساً للجمهورية، ولا للحكومة أن تكون حكومة، ولا لمجلس النواب ان يكون مجلس نواب، ولا لسيادة لبنان أن تكون سيادة، ولا حتى لاقتصاده أن يكون اقتصاداً: جَعْل كل شيء عابراً، وهشاً، حتى وجود الوطن، الذي يبدو وكأنه مجرد ذريعة "لأوطان" أخرى بديلة ولشعوب أخرى بديلة، ومآلات أخرى... ومصالح أخرى!
إذاً هناك نزعتان تكادان تكونان ثابتتين: الأولى انقلابية مستمرة (الانقلاب المستمر على غرار الثورة المستمرة) يجسدها الحزب الإلهي وفرقاؤه المياومون وعلى رأسهم جنرال الهزائم ميشال عون الله، والثانية دستورية ـ ميثاقية (الطائف ـ الدوحة) منبثقة عن مكونات المجتمع المدني، وركائزه وأدواته، ومتصلة بالسلم الأهلي، والديموقراطية المباشرة، يمثلها كل الذين رفضوا الانجرار وراء الفتنة إثر غزوة بيروت والجبل وطرابلس...
النزعة الأولى (المتأصلة)، تحاول رسم خطوط تماس بالعنف وبالاعتداءات وبخطاب الفتنة المذهبي أو المناطقي من دون أن ننسى لغة التخوين الخشبية الموروثة عن الأنظمة الاستبدادية السابقة أو الحالية. والنزعة الثانية، محاولة إلغاء خطوط التماس بكل الوسائل، لأنه عندما تترسخ خطوط تماس طائفية ثم مذهبية، لا يعود للحوار سوى الوقع الإعلامي البراق أو غير البراق أو التبريري أو المتواطئ. إلغاء خطوط تماس على الأرض، يجري إلغاؤها فعلياً، على مستوى طاولات الحوار ومآدِبه ومربعاته ومثلثاته ومستطيلاته... ومستديراته!
إنه السباق المحموم بين "عُصب" الانقلاب والخنادق والمتاريس وخطوط الفصل الدموية، وبين أكثرية سلمية تلوذ بالدولة وبالجيش، كمرجع أول وأخير في مواجهة الدويلة الأم في الضواحي القريبة والبعيدة، والميليشيا الأم، والحزب الأم...
فالمعركة أكبر من صلاحيات واستراتيجية دفاعية وحتى حدود سائبة... إنها معركة أخذ الوطن الى من ينفيه ويخونه، والشعبَ الى من يسترقه، والحدودَ الى من يقطعها إرباً إرباً بسلاحه وقسمته، ولبنانَ الى من يصادره ويُعدم دوره ويستتبعه كحاضن لقطعان تحتاج الى الترويض... الترويض بالصدمات الإرهابية!
هل هذا يعني، في المطلق، أن الخطوات التقاربية من مؤتمر الدوحة، والمصالحات، ومؤتمر الحوار برعاية رئيس الجمهورية، لا تساوي قيمة إعلانها، أو توازي ثمن بياناتها، وهل يعني أن "الفتن" المتنقلة التي تحاول تحفير خطوط دم بين هذه المنطقة وتلك، بين هذا المذهب وذاك، من العلامات السود التي تنفي أي قيام لوحدة تكون أساساً لوحدة الدولة. نظن أن هذا "الوضع" الرجراج، سيبقى، حتى بعد الانتخابات النيابية (إذا أجريت)، وبعد استحقاقات قديمة أو مستجدة، هنا، وفي المجال العربي والصهيوني والعالمي، وحتى إشعار آخر... وفي هذا المجال، وانتظاراً، (وصرنا شعب الانتظارات "العبثية" و"المعجزات" المتفجرة) نظن أن هذه الجسور الممدودة، بين فئات لبنانية، يمكن أن تؤدي، وفي حال عدم النجاح في تخريبها، وإن نسبياً، الى تراكم ما، يمتد الى مستوى الناس، ويكون، في بعض الظروف الصعبة أو الأحداث الكبرى، (المتوقعة) او "الكوارث" الوافدة الينا (او الطالعة من عندياتنا ـ عندياتهم) سبيلاً ولو محدوداً، ولو وَعِراً لامتصاص أو للجم احتمالات جنوح بعض القوى المحلية المتصلة بالخارج، من الانقضاض (بذريعة الدفاع عن نفسها، او عن سواها أو عن الوطن: أي وطن!) على البلد، وتحويله هشيماً لنيران الخارج، او حجة لتدمير البنى التاريخية والجغرافية والمعادلات التي تأسس عليها الدستور والميثاق والكيان.
بهذا المعنى، يمكن تقدير مصالحة الجبل بين جنبلاط وارسلان (دفع الشيخ العريضي حياته ثمناً لها)، ومصالحات الحريري في طرابلس والبقاع... الخ. إشارات تلمع على منعطفات خطرة. وليس أولى من تجنب الجنوح في هذه المنعطفات، سوى محاولة تشكيل حد أدنى من "مواثيق" وعهود، تقضي بعدم استخدام العنف وسيلة للابتزاز السياسي، او للهيمنة، او لتصفية الحسابات، او لمكاسب صغيرة، بمعنى آخر محاولة امتصاص (بالحدود الممكنة) تداعيات خارجية يمكن أن تظلل الوضع، بواسطة بعض القوى "المتفوقة" سلاحاً ومالاً، وبعض القوى رهينة اشارة المخابرات والارادات البرانية.
انها من تلك اللحظات التي يكون لها، في حال تجاوزها المكاني والشرود والفتن، ان تصير "ضمائر" لبناء مقاومة مدنية وشعبية شاملة لحماية هذا البلد ونزع الفتائل التي يشعلها كل من يريد بسط هيمنته، او نفوذه، او استغلال التناقضات لفسخ هذا البلد وتوزيعه ارباً ارباً على موائد الطامعين بهم، كمعبر ومشاع.
ان مثل هذه الاحتمالات "الايجابية" تسابقها أخرى، تنذربالويل والحروب والتفكك.
وبين مسار هذه الاحتمالات وتلك، يتحدد ان يكون لبنان أو لا يكون.
فهل ستترك "الاحلاف" المجاورة والبعيدة من الكيان الصهيوني الى الوصايتين وأبعد، ما يُمكّن هذا البلد من بناء نفسه، وصورته ومستقبله ودوره: اي هل من المعقول والمنطقي و"الاستراتيجي" أن تستبقى الدولة بقوتها المفترضة، ومؤسساتها ازاء ما تحبل به المنطقة وابعد من احداث وتحولات وتغيرات قد لا يعرف احد بالتحديد مصائرها.
وعلى هذا الاساس، ستستمر، وإلى امد بعيد، المواجهة بين المشروعين: الوطني والسيادي والاستقلالي والديموقراطي، والآخر التشليعي، الاستبدادي، الاستتباعي والتقسيمي: وبين المواجهتين هنا وهناك "بوصلات" أمان تلمح لحظة... ثم تغيب: أو علامات أو بصيص... المهم، كيف تستمر المواجهة المدنية ويستمر معها أمل بوصول الى نقاط مشتركة، لا يتنازل فيها "أحد" عن الدولة والشعب... بحيث لا يكون كل لقاء... مشروعاً لفراق. لفراق لا يعرف أحد لا حدوده ولا مفاعيله على الجميع.
المهم، كيف يواجه المجتمع سيناريوات الفتن التي ترسم وطناً، ذريعة لاوطان أخرى، وطناً ـ دمية في أيدي الاعاجم والأقارب والأصاهر... وطناً يكون لكل الناس ما عدا... لاهله!
بل كيف يواجه اللبنانيون مخططات مقايضة السلم الأهلي والأمان... بالسيادة، والأرض والقرار الوطني... والفاشيات المعممة!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.