8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رحيل سولجنستين "عميد" المنشقين عن النظام الستاليني

هل يرحل ألكسندر سولجنستين (نوبل 1970) مطمئناً بعدما سقط الاتحاد السوفياتي، وجدار برلين، وتحول النظام بعد سلسلة من التغيرات والتحولات، وعاد الى بلاده.
هذا "المنشق" الذي واجه بقلمه، وبلحمه الحي، وبشجاعة نادرة، الآلة الإيديولوجية التوتاليتارية الحديدية، من خلال مجموعة قصص، وروايات، فضحت معسكرات الاعتقالات الستالينية، واخترقت جدرانها، بأعمال، هي الى قيمتها التاريخية والوثائقية، من عيون الأدب السوفياتي الحديث.
سولجنستين لم يتأخر عن المواجهة التي كانت مستحيلة آنئذ، عندما نشر أول قصة له في شبابه "يوم لإيفان دينسوفيتش" (بعدما سمح له خروتشوف بنشرها)، تصوّر بلوحة بانورامية شفافة وحادة عالم المعتقلات الرهيب في النظام الستاليني المرعب، وحاول أن يُتبع هذا "التجاوز" الخلاّق بعملٍ ثانٍ "الدائرة الأولى" يتناول حياة السجناء في معتقلات بلاد التوتاليتارية المطلقة و"الأخ الأكبر" إلا أنه مُنع... ثم طاول المنع "جناح السرطان"؛ فوزعهما سولجنستين نسخاً على الآلة الكاتبة وسرّبهما الى الغرب لتظهرا كشهادة حية عن القمع والوحشية واللاإنسانية التي يمارسها نظام ستالين، ومعهما، كان بزوغه كـ"نجم" المنشقين في زمن المنشقين، لكنهما تسببتا بطرده من اتحاد الكتاب السوفيات (يشبه اتحاداتنا التي استنسخت التجارب الشيوعية) في 1969، لكنها فتحت له الطريق لينال نوبل 1970، وبالطبع، كان هذا اختراقاً عالمياً لكاتب ما زال يواجه الآلة الحزبية الجهنمية، التي نظمت حملة شعواء ضده في صحافتها الرسمية وفي صحف بعض الأنظمة والأحزاب الموالية للسوفيات خصوصاً العربية السيئة الذكر.
وبهذا العناد "الروسي" لم ترهبه هذه الحملة، ولا التهديدات باعتقاله أو بتصفيته كما حدث مع كثيرين قبله، ولم يخضع لهذا الابتزاز كما خضع باستارناك ورفض نوبل. سولجنستين قبلها (وإن لم يذهب الى ستوكهولم) لتسلمها.
وإذا كان قرار اتحاد الكتاب السوفيات (ومن رموزه جدانوف، وكم عندنا اليوم وبالأمس من جدانوفيين وجدانوفيات) لم يرهبه، فإن الحملة التشهيرية المتجددة التي اتهمته بالعمالة لأميركا وللغرب، وبالرجعية وبالخيانة إلخ، لم تثنه عن متابعة عمله فكتب ملحمته "الدولاب الأحمر" الرواية التي تصور، بحس واقعي حاد، وبرهافة نقدية عالية مسار الثورة السوفياتية، مبدداً أوهاماً وأكاذيب حول حقيقتها.
فبعد اكتشاف المخابرات السوفياتية "أرخبيل الغولاغ"، بادر بحزم وبلا تردد الى إعطاء الإشارة بنشرها في الغرب بعدما سربها. وكما طرده اتحاد الكتاب السوفيات، طرده النظام في 1974 من بلاده ليستقر بعدها في الولايات المتحدة الأميركية، ويتابع هناك كتاباته وسط استمرار الحملات الحزبية والأيديولوجية والسياسية عليه، ليوضع في خانة "اعداء الشعب" و"خائن البلاد" و"عميل المخابرات" إلى آخر هذه الاسطوانات التي ما زالت تدار عندنا في بلادنا العربية التي ورثت الستالينية والفاشية من تلك الأنظمة البائدة.
رحل سولجنستين، ولا نعرف، بعد مسارات النفي، والمجد والابداع والدفاع عن الحرية وكرامة الانسان وبعد عودته الى بلاده التي يحكمها اليوم "ستالين آخر" بجلد آخر، وبقفازات أخرى، وبمردود واحد ونتساءل: هل مات قرير العين بعد سقوط الامبراطورية التوتاليتارية، ومجيء "امبراطورية" هي ربما في سبيلها الى "توتاليتارية" حديثة، وبنظام أمني جديد، وبنظام "توتاليتاري" مُعَولم حديث.
راح عميد المنشقين عن "الأصولية الشيوعية" فهل يكون ذهاب تلك التوتاليتاريات تمهيداً لتوتاليتارية مشابهة، من أصوليات دينية وارهابية وطائفية واقتصادية!
ايكون بعد "دولابه الأحمر" (روايته المهمة) بساحاته الحمراء من دماء الشعوب، دواليب مشابهة وبألوان أخرى، تدور لتُكمل سحق الشعوب والحريات والأفراد؟
مع هذا نحيي سولجنستين، الرجل الذي واجه الستار الحديد وثقبه وحده، في مواجهة نظام من أرهب الأنظمة الايديولوجية التي عرفها القرن العشرون.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00