ثم تمَّ الاتفاق ـ التسوية ووقَّعه الجميع في مؤتمر الدوحة من ضمن آلية الجامعة العربية ودعم عدة دول عربية وغير عربية. فبعدما طلع الدخان الأسود من الحرائق والحروب والدم ها هو يطلع أبيض من قرارات المؤتمرين. الروزنامة وأولوياتها وبنودها واضحة جداً. ولا مجال لتأويل في القراءات "العربية" أو الأعجمية. بعد التوقيع (ونرجو أن يكون حبره من غير الماء) تصافح الجميع، وابتسموا، وتبادلوا التهاني في الدوحة التي ظللت بوريقها الاجتماعات الماراتونية الصعبة والوعرة بين أهل الموالاة وأهل المعارضة: للموالاة أولوية انتخاب المرشح التوافقي بالاجماع، العماد ميشال سليمان، وللمعارضة "الثلث المعطل"، وما بين هذه وتلك قانون انتخابي صيغ بتقسيمات جزئية تجنب عموماً "الاختلاط" في التصويت، لا سيما في بيروت! لكي لا يطغى "أحد" على "أحد" أو يطلع أحد بأصوات "أكثرية" مختلفة، من دون أن ننسى حكومة الـ30 وزيراً وأرقامها وحساباتها أي محاصصتها "الحسابية" ليبقى التوزير والوزارات رهن "صراع" سياسي لا سيما في الحقائب الأساسية. وما أدراك ما الحقائب الأساسية ومن يعينها أساسية أو غير أساسية. من دون أن نغفل ما وافق عليه الجميع: ضرورة بسط سلطة الدولة الأحادية على الأراضي اللبنانية كاملة، إشارة الى السلاح الحزبي، أو "المقاوم"، أو البؤر الأمنية والكانتونية!
عال! قالوا انتهت الحرب. وقالوا نفتح صفحة جديدة. وقالوا علينا حل مشاكلنا بالتي هي أحسن بحوار الكلام لا بحوار السلاح.
في المقلب الآخر: الناس. هؤلاء الذين يعيشون في حروب موصولة منذ قرابة أربعة عقود (1969)، تذهب حرب بشعار وتأتي أخرى بشعار آخر، تُعلن حرب بقائد طموح ثم تأتي أخرى بقائد أكثر طموحاً؛ تقرر دولة خارجية أن تسيطر على لبنان فتهب من مكرماتها السلاح والمال لبطل من هنا ـ أو لبطل بازغ في طائفته من هناك... وهكذا دواليك حتى دخل الجميع الى بيروت ولبنان... وخرجوا: من دول ومشاعات دول وصولاً الى العدو الصهيوني. إذاً يعيش اللبناني منذ أربعة "أجيال" حروباً لا يعرف أحياناً لا مصدرها ولا سرها ولا هدفها، ومع هذا يخوضها: ينخرط في شعاراتها وخطبها وإغراءاتها أو يُستلهم بمنافعها أو يُستقدم بخيراتها، أو يُنفع بارتزاقها. وأتذكر كم مرة، بعد مفاوضات هذه الحرب أو تلك، تم اتفاق أو أكثر، وبعدها تضع المحطات أغنية فيروز "رجعت ليالي زمان"، ذلك أن كل حرب من تلك الحروب كانت تُحدث دماراً وخراباً وشبه قطيعة وضرباً للمجتمع...
إذاً، نحن اليوم، بعد اتفاق "تاريخي" وقديماً قيل ان الاتفاق الذي تمّ في نهاية السبعينات من ضمن "الوثيقة الدستورية" أنهى حرب السنتين. ثم عادت "المشؤومة" على وقع زيارة السادات لاسرائيل والمعاهدة السلمية... ثم تمّ الاتفاق بعد حروب آخرين متنوعة ومتعددة ومتلونة بواجهاتها البلدية: المذاهب والطوائف والأحزاب والحركات، في الطائف وكان دستور جديد. قالوا عندها انها خاتمة الحروب. ثم، قامت حوادث ومقاومة ووصايات مكتملة السيطرة... بلغت أوجها في حروب مع اسرائيل فالى ثورة الأرز. وكان ما كان: محاولة تغيير المعادلة الداخلية (الطائف) بمتتبعات صراعية بلغت أقصاها في ما حدث مؤخراً في بيروت ومناطق أخرى. إنها الحرب إذا قلنا تعيد كل شيء الى ماضيه وسحنه وجنونه ووحشيته ولاعقلانيته: البشاعة الصافية والعدوانية الصارخة!
إنه العنف الميليشيوي إذن يعيد صور ميليشيات بتراجيدية ـ كوميديا ـ دموية. وعليه، وككل مرة، عقد اجتماع مفصلي في الدوحة وكانت وثيقة جديدة طافت قليلاً على وثيقة الطائف من دون أن تغرقها. عظيم! إذاً، وكما قال الناس سابقاً: سلم أهلي جديد، وتعاهد جديد، وتوحيد جديد، ودولة جديدة، وفرح الناس فرحاً عظيماً، لأنهم لا يفرحون إلا بالسلم، ولأنهم في النهاية محكومون "بالأمل" أو التفاؤل والحياة: فرحنا وفرح الناس وفُكك معسكر حزب الله في الوسط وفتحت طريق المطار، وعيّنت جلسة انتخاب العماد ميشال سليمان، بانتظار تأليف الحكومة والبحث في قانون الانتخاب: السيناريو ذاته منذ أربعة عقود: الأقنعة تتغيّر وربما الشعارات: لكن ليس العقول، ولا الذرائع، ولا حتى الدول. وإذا راجعنا كل تلك المراحل السابقة وصولاً الى اليوم، نلاحظ أن الدولة كفضاء شامل جامع للمؤسسات والسلطة، ولأدوات المجتمع، وللنظام ولوحدة البلاد، كانت دائماً الضحية: في زمن الميليشيات فُبركت دويلات طائفية وإدارات مدنية وحدود جغرافية مقسومة طائفياً ومشاريع جمهوريات "إلهية" أيضاً: على حطام الدولة والجيش والبنى الاجتماعية والسياسية. وعندما "صُفيت" المقاومة الوطنية حليف عرفات لتقوم المقاومة الاسلامية بقيادة حزب الله، حليف سوريا وإيران، ومن شريحة طائفية واحدة، كان على الدولة أن تتآخى والمقاومة بجيشها وناسها وقواها: كانت المقاومة في المقدمة والجميع وراءَها. عال: قلنا محارية العدو الصهيوني المحتل أكثر من واجب، وكل مَنْ يحاربه نصطف وراءَه. وهكذا كان. وعلى حساب الدولة بانتظار التحرير. عال: وأُجبر العدو على الانسحاب من لبنان بقوة المقاومة. ولها علينا ما لها، ولنا عليها ما لنا باعتبار أن الشعب اللبناني انخرط بطريقة أو أخرى في المقاومة أو في حروبها ونتائجها على الأرض: دفع أثماناً باهظة من الرصيد الاقتصادي والعمراني والانساني. وهذه ضريبة الشعب طبعاً. وقلنا عال: ذهب العدو وبدأت مرحلة جديدة. المقاومة أنجزت مهمتها التحريرية النضالية والجهادية وعلينا اليوم استغلال الانتصار لبناء الدولة بحيث لا تبقى دولتان، أو جمهوريتان، أو شعبان، أو خرائط عديدة. ثم كان ما كان، فاستمرت الدولة على ضعفها، تكاد تحدد مهماتها الأساسية بالخدمات دون القرارات الأساسية واستمر الجيش، برغم تجديد حضوره، الحلقة المستضعفة بالنسبة الى الظواهر الأخرى. وكان للسلاح أن يعود أو يزداد ويوزع على الناس وكان لخطاب عنيف ترافقه تعزيزات حربية يهدد بحرب أهلية حتى توقف القتال وذهب الجميع الى الدوحة... وعادوا بمنجزات وإن بقيت أمور أخرى أساسية في أجندات حوارية مقبلة... هذا إذا سُمح بإجراء حوارات جدية!
رائع! إذاً لا احتكام الى السلاح (الموجود) لفرض قرارات أو رأي. أي عودة الى الاحتكام الى الكلام والى قوته (تماماً كما حصل على طاولة الحوار المشهورة).
نحن الذين واكبوا كل الحروب وشنَّفوا آذانهم بكل الشعارات منذ أربعين عاماً فرحنا كالجميع: فرحة بانتهاء الجولة الأخيرة، وفرحة بالبنود الثلاثة التي اتفقوا عليها، وفرحة بالحوار الآتي. لكن مع هذا يبقى الحوار وسيلة لا هدفاً، وأداة لا ذريعة، وإيماناً بالتنفيذ لا ذريعة للتسويف.
المسائل "العالقة" والكل يعرفها (السلاح الفئوي)، وبسط الدولة وسلطتها على كل الأراضي اللبنانية.. إلخ، ليست جديدة: فقد سبق أن اتفق عليها على الطاولة الحوارية، ووراء الكواليس، وكذلك أمام الكاميرات وخلف الشاشات.. ترى هل سينفذ كل هذا؟ ترى أيكون تأليف الحكومة شبيهاً بانتخاب الرئيس؟ ترى هل ستُعطِّل "الذهنية" المعطّلة منطق الخروج على الدولة. إذ ماذا ينفع إذا انتخب رئيس جديد، وألفت حكومة جديدة، وأجريت انتخابات: فهذه كلها كانت موجودة على امتداد الأربعين عاماً الماضية، لكن من دولة موجودة. كان عندنا عدة رؤساء جمهورية، وعدة رؤساء حكومة وعدة رؤساء برلمان... لكن من دون أن يكون عندنا دولة جامعة تتمتع بالسلطة الشرعية العليا، وبالقرار الوحيد في مختلف القضايا: من قرار الحرب والسلم، الى القرارات الاقتصادية، الى الاتفاقات الخارجية... كانت الدولة دويلة والدويلات مجموعة دول! فهل تأخذ مكانها الأنسب اليوم؟
على هذا الأساس يتساءل الناس وبعض القيادات: هل ستنفذ قرارات الدوحة الموقعة أمام العدسات والأعين والآذان؟ أم أنها ستعالج بطريقة تنفيها وهي تؤكدها، تُضعفها وهي تدعي تقويتها... بذرائع، أو بأسباب ما زالت كل أدواتها الخطابية واللسانية و"الانتروبولوجية" والحربية جاهزة؟ بمعنى آخر هل ستتمكن الدولة من تحقيق سيادتها أو استقلالها أو وجودها أم لا؟ فأحياناً تكون الدولة سيدة قرارها ولا تكون مستقلة، وأحياناً تكون مستقلة من دون سيادة: فهل ستجتمع الإثنتان هذه المرة، من ضمن جهود جماعية مشتركة تبذلها الأكثرية والأقلية والناس، أم أنها ستلقى مصائرها السابقة المعروفة؟ هل سيكون الجميع جزءاً عضوياً من القرار اللبناني أم أن كل فئة ستلجأ الى غير مصدر وإلى غير مآل! أعلن الجميع أنهم "قدموا" تنازلات! عال! وهذا رائع: ولكن المطلوب أن يكملوا ما قدموه من "تنازلات" هذا إذا كانت تنازلات لبناء الجمهورية الواحدة ذات السيادة والاستقلال والتنوع والتعدد والديموقراطية والانفتاح. بمعنى آخر: هل يكون "الخلاف" القائم إثراء للتنوع أم يكون قسمة أو جدراناً أو أحاديات "متنوعة"؟ هل سيكون الحوار "ضامناً" لعدم استخدام السلاح أم أن استخدامه سيبقى غير مضمون وإن ضمنته الوعود التي عرفنا كثيرها. والدولة أتكون بها مكتملة، تمثل الجميع، ويساهم ببنائها الجميع: المعارضة والموالاة، أم ستكون منقوصة تتجاذبها الأطراف، ويقوضها هذا الفريق أو يشلها ذاك الفريق. حتى الجيش وهو العمود الفقري للدولة وللسلطة وللنظام، أيتنكب عبر وحدته الوطنية وشرفه العسكري ومهماته الأساسية؛ الدفاع عن الحدود، ومواجهة العدو الصهيوني، وحماية الجمهورية، أم أنه سيبقى على تخوم ملتبسة، يتحرك وكأنه عدة جيوش، وعدة قيادات، وعدة التزامات، وعدة موجبات؛ أتراه سيلتزم حماية الديموقراطية والحريات العمومية والشخصية والآراء والممتلكات أم سيبقى كما كان؟
هذه التساؤلات تتردّد حتى في فرحة الناس وابتهاجها، وتعبيرها عن سعادتها، بعودة قادتها من قطر باتفاق... هذه التساؤلات تتردّد اليوم كما تردّدت على امتداد سنوات الجمر والرماد والحروب عندنا: أتكون نهاية حروب وبداية سلم اجتماعي أهلي، أم تكون هدنة لمراحل مقبلة مجهولة المصير والهوية...
ونحن فرحنا كثيراً، ونحيي جميع الفرقاء على "التضحيات" التي "قدموها" لإنجاح المؤتمر، بل ونجد أنفسنا، برغم كل هذه الأسئلة وما يعترينا من تخوف، وما يتملكنا من "شكوك"، مدفوعين الى التعبير وبالصوت العالي الذي سيبقى عالياً برغم التهديد والعنف والتهويل! عن انتصار الحياة على الموت، وعن غلبة ثقافة السلم على ثقافة التقاتل، وعن عودة الضمائر الى أصحابها... وإلى الانخراط في لعبة الديموقراطية والحرية والتعدد والتنوع بعيداً من إرث القوة والفاشيات والأحادية والشمولية التي جرَّت علينا وعلى الأمة العربية، على امتداد أكثر من نصف قرن الكوارث والهزائم والفقر والقمع... والاستبلاد!
فمبروك لـ14 آذار. ومبروك لـ8 آذار... ومبروك للشعب اللبناني... ومبروك للحل العربي الذي أكّد أن عروبة لبنان مهما تعرّضت لنكسات، ما زالت هي هويته وحضنه، وعباءاته التي تضم الجميع... بل استثناء!
ولكن دعونا في النهاية نترحم على هؤلاء الضحايا الذين أسقطتهم هذه المعارك العبثية، ودعونا نتساءل من دفعهم الى القتل والقتال والتدمير: من خوّلكم رمي شبابنا في حروب الآخرين؟ ومن خولكم رميهم في معارك... ليست لا لمصلحتهم ولا لمصلحة "طوائفهم" ولا لمصلحة لبنان؟
متى يقف هؤلاء عن اعتبار الشباب مجرد وقود لأطماعهم، ولأهداف الآخرين، ضمن ثقافة زائفة ذرائعية وتعبوية ومشحونة هي ثقافة الموت من أجل اللاشيء أو من أجل من يريد تقويض هذا البلد والسيطرة عليه من الخارج! فهل سنستمر في قتل شبابنا من أجل الغير؟
أيستمر دم شبابنا وأهلنا ملك الوصايات الراهنة، تماماً كما كان على امتداد السنوات الخمسين ملكاً لكل الوصايات التي دخلت وخرجت مهزومة بإذنه تعالى، وبإذن الشعب اللبناني!
آن الأوان لأن يعامل شبابنا، ومن كل الطوائف، كمواطنين يحق لهم العلم، والتثقيف والانخراط في حضارة العصر، والتفتح على الإنجازات الكبرى، وصناعتها، لا أن يستبقوا رهائن ثقافة القتل والموت والتجهيل والتعصّب والانعزالية والتقوقع!
فهل يتمرد شبابنا على أهل الحروب ومدمني الانتصارات الوهمية التي يقطفها الغير؟
هل سيعلن شبابنا بوعي وطني وسياسي ثورة على كل الذين استغلوهم... وقدموا رؤوسهم على أطباق من الذهب... للغير وراء الحدود والجغرافيات الشقيقة والبعيدة؟
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.