8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جمهورية الانتظارات...

منذ قرابة ثلاثة عقود (وربما أكثر) أَدمَن اللبنانيون "آفة" الانتظار (أو نِعمتَه سيان)، يتعاطونها "تعاطي المدمنين" المخدرات والأفيون والكوكايين والتدخين... بحيث صار "الانتظار" من قوة حضوره موازياً أثناء المحن للخوف وللنذير وتقليداً.. أو متاعاً أو طريقة تفكير أو سلوكاً... أنت عليك أن تنتظر شيئاً في أي لحظة: ربما وأنت تمشي، ربما وأنت نائم، ربما وأنت تعمل، ربما وأنت تصلّي... إذاً صار الانتظار جداً من الخلايا، والأعصاب، والحواس. وهكذا كان على اللبنانيين أن ينتظروا، في أيام الحروب التي ما زالت قائمة، دائماً نهاية هذه الحرب. وعندما تنتهي ينتظرون بداية حرب أخرى. وكان على اللبنانيين أن ينتظروا بداية حوار وعندما يبدأ ينتظرون أن ينتهي، وعندما ينتهي ينتظرون أن يبدأ حوار آخر. وكان على اللبنانيين أن ينتظروا وساطة ما من هنا أو هناك، وعندما تأتي ينتظرون أن تختم، وعندما تختم ينتظرون مفاوضات أخرى. وكان يمكن أن ينتظروا نهاية هذه الميليشا أو تلك وعندما تنتهي عليهم أن ينتظروا "بزوغ" نجم ميليشيا أخرى؛ وعندما يذهب هذا "القائد" البطل أو ذلك الجنرال المفدّى بحروبه وكانتوناته وخرابه كان على اللبنانيين أن ينتظروا قائداً بطلاً آخر وجنرالاً مفدّى آخر يُطل كالشمس والقمر ويفتح حرباً على حسابه بأموال الخارج وأسلحته ودعمه... وحتى عقيدته (العوذ بالله)، وعندما ينتهي احتلال لمنطقة كان علينا أن ننتظر احتلالاً آخر بالشعارات ذاتها لكن بوصايات أخرى... وهكذا دواليك! من زمن انتظار الى آخر وبينهما دم وقتل وتهجير وهزائم وانتصارات مزعومة وعنف... ووصايات متجددة.
اليوم، ما زلنا في الانتظار. ولكن يمكن أن ننتظر ربما ككل مرة بصيغة الجمع، لأن "المنطقة" كلها باتت مدمنة "آفة" الانتظار مثلنا وأكثر. وها هو الرئيس بري يعدنا "بانتظار" متوهج ومبتكر (زاد من كمية إدماننا الانتظار بتأجيله انتخابات الرئاسة 18 مرة!). اليوم، هو يدعونا من جديد لأخذ جرعة لا بأس بها من هذا الانتظار ويدعو الى طاولة؟ (عفواً) الى طاولة لعب؟ (عفواً) الى مأدبة أكل (عفواً) بل الى طاولة حوار يعمد في هذه المرة، ومن أجل "الأكشن" الى اللعب على الكلمات ما بين "الحوار" و"المفاوضات". براو! فهو يدعو الى الحوار ويتمسك بصيغة المفاوضات، ثمّ يدعو الى المفاوضات ويتمسك بصيغة "الحوار": فالحوار بالنسبة إليه شيء والمفاوضات شيء آخر. وعلينا أن ننتظر أولاً الحسم "اللغوي" و"الفيلولوجي" بين كلمتي "الحوار" و"التفاوض" ومن ثم علينا انتظار النتيجة: أحوار يؤدي الى مفاوضات أو مفاوضات تؤدي الى حوار؟
لكن هناك على الهامش انتظارات أخرى: هل يقبل ميشال عون (ما غيرو) بالحوار أم لا؟ لأنه، وهو يرحّب بأي دعوة عزيزة الى سوريا... (وليت كانت سوريا عزيزة عليه في التسعينات لجنّبنا جنون الحرب وعبثيتها وهزيمته "الإلهية" المظفرة والخراب والموت والعنف التي خلّفتها). وها هو ينتظر (والجنرال لا ينتظر عادة بل يجعل الناس ينتظرون!). وعلينا أن ننتظر بالخوف موافقة حزب الله أيضاً وهو فعلاً كفة الميزان. وعلينا ان ننتظر ان يوافق حزب الله ويغير رأية غداً.
ولكي تكتمل هذه الانتظارات علينا أن توسع دوائرها: فإيران تنتظر أيضاً نتيجة صراعها مع الولايات المتحدة حول النووي (في الوقت الذي تتفق معها على تقاسم العراق كما صرَّح "الجنرال المهدي الإلهي المظفر" مقتدى الصدر بعدما أحس أنه راح "فرق عملة" بين تواطؤ إيران والأميركان عليه (سيناريو الصدر قد يكرر في أمكنة أخرى!)، وتنتظر مجلس الأمن، وربما الانتخابات الأميركية فلعله يأتي رئيس أميركي من ولاية الفقيه النجادية بامتياز. وعليه فإن حلفاء إيران (قلت حلفاء!) في ظهرانينا في السراء والضراء. و"بالروح والدم نفديك يا نجاد" ينتظرون ما تنتظره إيران، ولا بأس أن يكون بين هذه الانتظارات بعض "رَحْرحة" موقتة هنا أو تصعيد هناك أو انتشارات عسكرية في هذه المنطقة أو تلك تحسباً لعدوان أو تهيؤاً لمغامرة (سيان): فالنتيجة عدوان صهيوني جديد! ولا بأس، عبر انتظار الانتظار أن يوافقوا على الحوار اليوم... ثم يرفضونه غداً، ثم يستنبطون شروطاً جديدة ثم أخرى مضادة ثم ولا بأس، ومن ضمن هذه "الانتظارات" قرض البلد والدولة والنظام والسلطة وتلاعب بمؤسساته، وترسيخ "جمهوريتهم" "المثالية" وتدمير كل ما عداها في "الجمهورية اللبنانية الشقيقة": الاقتصاد، السياسة، المجتمع، الجغرافيا، القانون، المؤسسات العسكرية والأمنية.
وامتداداً لهذه "الظواهر" الانتظارية عندنا انتظار الوصاية السورية لكثير من الأمور: انتظار مصير المفاوضات بينها وبين اسرائيل، انتظار "مصير" المحكمة الدولية بشأن جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري والشهداء الآخرين، وانتظار "حروب" العراق (وعلى مشاركته) والاعتداءات الاسرائيلية وحماس والسلطة وغزه... والمفاوضات بين اسرائيل والفصائل الفلسطينية وكذلك انتظار "مآلات" العزلة العربية واشتدادها عليها والتي تجسدت في مؤتمر القمة الأخير في دمشق، وفي مؤتمر "اصدقاء لبنان" وفي وقف السعودية ومصر ومن الضغوط الدولية...
وانتظارات الشقيقة العربية لا تختلف عن انتظارات الشقيقة (الأعجية الحبيبة) ولا ننسى الرهان على انتظار نتائج الانتخابات الأميركية فلربما ينتصر هذه المرة رئيس بعثي في اميركا يتولى حسم كل هذه الأمور لصالحها ويقلب المواقف رأساً على عقب وتعود المياه إلى مجاريها السابقة.
وها نحن، تتويجاً، كنا ننتظر أن يأتي عمرو موسى، اثر اعلان بري الدعوة إلى الحوار، حاملاً المبادرة العربية، ومستكشفاً، وحاضاً على حلحلة "الأزمة" وانتخاب للجنرال سليمان رئيساً كنقطة بداية لخطوات أخرى. وها هو جاء واجتمع. وها نحن من جديد ننتظر ما ستؤول اليه محادثاته مع الأطراف اللبنانية. وعندما يعود موسى إلى بلاده (خالي الوفاض) سننتظر من جديد عودته إما احياء لمبادرة، أو حضاَ على حل أو تخفيفاً من ازمة. وها هي بعض الفئات المعارضة بدأت تدحض دعوة بري متهمة الأكثرية بافشال مبادراته، وبالطبع متهمة الأكثرية باحتضانها مشروعاً أميركياً ـ صهيونياً! ويمكننا اذاً ان ننتظر مفاجأة جديدة. ومواقف جديدة ولحس تواقيع جديدة. وتراجع عن التصريحات، ومن ثم تنظيم حملة تخوين، واتهامات.... اذاً نعود إلى صفر الانتظارات: والعودة غير المحمودة!
ويعود اللبنانيون إلى إدمان الانتظار ليمتزج أحياناً بالأمل وأخرى بالتفاؤل أو التشاؤم أو الخوف. ذلك لأن جماعة 8 آذار "المستجمعة" تعمد دائماً إلى إقحام عناصر درامية أو بوليسية أو أمنية على أجندة الانتظارات: من ترهيب، او تهديدات، بحروب أو بهجوم على بعض الأحياء، ليؤازرها من يُؤازرها، من هنا وهناك، بعمليات اغتيال، او تفجير، أو ترويع: فالانتظار يعني التخوف، والقتل وبث اليأس، ونشر الاحباط، وتدمير الاقتصاد وتوسيع المساحات الالهية المحتلة في بعض المناطق اللبنانية، مع محاولة جدية لرسم حدود كانتون ن هنا، أو جمهورية من هناك، او توزيع سلاح وأموال وثقافة وكراهية وحروب فهذا كله يحمل كثيراً من اللبنانيين على الهجرة (وهذا هو مطللوب بعض 8 آذار!).
فبعض اللبنانيين، ازاء كل ذلك، باتوا يفضلون ان يستمروا في "إدمان" الانتظار خارج بلدهم، لا هروباً ولا تراجعاً وانما سعياً إلى اللقمة الحلال (التي تختلف طبعاً عن المال الحلال النظيف، مال الحروب والأسلحة والطائفية. اي مال الوصايتين أو سلاحهما)، ونظن أن الوصايتين المصرتين على استيعاب البلد، والهيمنة عليه ولو اشلاء تتقنان لعبة إحراق الحلول، اتقانهما لعبة تخريب المؤسسات والقتل المعنوي والمادي في نفوس اللبنانيين وبأي ثمن! وبين الأموال المتدفقة والأسلحة الموزعة بكرم عربي وجود اعجمي يعلق اللبنانيون بين انتظارات وانتظارات. (ميشال عون ما غيرو تكلم عن "البترودولار" في الوقت الذي يتعامل فيها مع دولتين نفطيتين: الشقيقة العروبية والأخرى الساسانية كما تعامل مع بترو دولار صدام حسين في التسعينات. ونسأله في هذه المناسبة: اين أموال ومجوهرات التبرعات يا ميشال عون، اتدفقت عليك شخصياً أم لأنك كنت في موقع السلطة، فلم لا ترجعها إلى الدولة بدلاً من توزيعها على العائلة؟
ولكن هل تعني هذه "الانتظارات" استسلاماً عند أكثرية اللبنانيين! قد تعني قرفاً ومجاً لهذه العمالات المتجددة، وتوقاً إلى نهاية الأزمة، لكن تعني ايضاَ "ادماناً" على المواجهة: فقد علّمت التجارب اللبنانيين ان ادمان الانتطار يعني احياناً كثيرة ادمان الصبر على التصدي في وجه من يريد ان يجعلهم "شعباً" لا ينتظر سوى الأسوأ، وهذا ما تجسد في ثورة الأرز: عاش اللبنانيون في حروب كثيرة، في ما بينهم ومع الآخرين الوافدين من جمهوريات الاستبداد والديكتاتورية والقتل والقمع والجنون والطمع ومخططات السطو على لبنان، لكنهم وفي اعماقهم، كانوا يجترحون من معاناتهم وعذاباتهم انتفاضاتهم المعلنة او غير المعلنة، حتى كان استشهاد الحريري فكان عليهم ان يفجروا كل ما رسب واستقر وتراكم وانقمع في نفوسهم، وتخفى وراء سيمائهم: فليكن الانتظار انتفاضاً. وليكن الصبر المتراكم فتيل الخروج من ازمنة الوصايات إلى أزمنة الاستقلال، ومن أزمنة العبودية إلى أزمنة الحرية، ومن أزمنة النظام الأمني المشترك إلى أزمنة الديموغرافية، ومن أزمنة الوصاية إلى أزمنة السيادة! وهكذا كان: تحولت الانتظارات مئات ألوف ملأوا الساحات والطرقات في تظاهرات سلمية قل مثيلها.
اليوم، كأنما بعد الاستقلال الثاني، وبعد كل المحاولات الانقلابية والاغتيالات وتخريب المؤسسات وتعطيل الدستور والتهويل والتهديد... لا بد من ان يتخذ الانتظار شكل الخروج من هذا الواقع المفروض بالارهاب، وتحطيم هذه العصّي المشهورة فوق الرؤوس اي استكمال بناء الجمهورية الواحدة وانتخاب رئيس جديد وتكنيس العقول الكانتونية المريضة (عرفنا مثلها في السبعينات وكان مصيرها الانتحار كما سيكون مصير مثيلاتها اليوم باذنه تعإلى)، واستعادة دور لبنان التنويري والريادي والنهضوي والاقتصادي!
انها لعبة الانتظار ادمنها اللبنانيون وصنعها المرتهنون بالخارج، وهندستها الوصايتان، لعبة الانتظار هذه، لا بد من أن ترتّد على مُوَلِّديها الذين يبغون من ورائها تيئيس اللبنانيون واذلالهم وحملهم على رفع الأيدي استسلاماً، هذه اللعبة التي نرى بعض بهلواناتها حالياً، والتي ستفضي إلى انتظار سترتّد على لاعبيها، وينقلب السحر على السحرة... ذلك أن الانتظار قوة وطاقة وتهيؤات تنتظر ايضاً ان تنفجر!
تفجرت بعد استشهاد الحريري وكان الاستقلال وستنفجر وسيكون حتماً اياً تكن التضحيات انتصار جديد للجمهورية الواحدة ذات السيادة والديموقراطية والعدالة والدستور...
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00