8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

زحلة يا دار السلام!

المجزرة التي ارتكبت في مدينة زحلة (حوش الزراعنة) وذهب ضحيتها نصري ماروني وسليم عاصي بيد جوزيف الزوقي (ويقال إن شقيقه طعمة شارك في تنفيذ الجريمة) هذه المجزرة ليست منفصلة عما سبقها ولن تكون منفصلة عما سيعقبها من اعتداءات ترتكبها فئة من ضمن مسلسل ترهيبي وقمعي وتقويضي للدولة ومثير للفتن المتنقلة على أيدي هؤلاء المتنقلين ببوسطات المجازر والغزو والاغتيالات والاعتداء على الناس والهجوم على الأحياء وقطع الطرقات واحراق الدواليب: انها جزء من المظاهرالمعبرة عن المناحي الانقلابية الموضوعة خارج البلد وينفذها بعض البلديين ممن ارتهنوا لهذا الخارج: مالاً وسلاحاً وعقيدة وعنفاً.
ولهذا من غير المنطق فصل ما جرى في زحلة عن كل ما تعرض له اللبنانيون: من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى مجمل الاغتيالات الأخرى التي اسقطت شهداء من سمير قصير إلى جورج حاوي الى بيار أمين الجميل إلى وليد عيدو إلى جبران تويني إلى انطوان غانم وفرانسوا الحاج وصولاً إلى زحلة وانسحاباً إلى مختلف المحاولات الانقلابية: 6 كانون الثاني من العام الأسبق فالى حركة العبسي (المعروفة الأصل والفصل) فالى احتلال وسط العاصمة واغلاق مجلس النواب ومنع انتخاب الرئيس التوافقي العماد ميشال سليمان فالى اشاعة جو من الترويع والتهديد واثارة الفتن الطائفية، ووضع كل العراقيل المبتكرة (من لَدُن الوصايتين لكن بتنفيذ حلفائهما الميامين) للحؤول دون قيام الدولة... وتسفيه الحكومة واعتبارها غير شرعية وغير ميثاقية....
اذاً جريمة زحلة لا تشذّ: حلقة في مسلسل. وربما كانت أكبر من الياس سكاف، وربما كان المخططون لها أكبر أيضاً من الياس سكاف الذي انخرط في المناخات السائدة عبر انضمامه الى كتلة النائب الجنرال عون (ما غيرو) وباطنياً عبر انخراطه في التوجهات الوافدة.
وهنا من نافل القول حصر المسألة بتفسيرات سياحية تتصل بالاقطاعية أو بموقع زحلة وتاريخها: البردوني والتبولة والكبي ... (كما كتب الصحافي سمير عطالله باسلوبه المعسول اللفظي والسياحي المعتاد). فما جرى كان له مقدمات وسيكون له امتدادات. وردود الفعل التي تابعناها من الياس سكاف وميشال عون وسواهما التي تعتبر الحادث فردياً، سبق أن عرفناها في تبريرات الجرائم التي ارتكبت واسقطت الشهداء. وما زلنا نتذكر بوضوح كلام الجنرال المفدى، (جنرال الصدق) الصدوق أو الصدقية والاخلاص والضمير الحي عندما سقط الشهيد سمير قصير وقال عندها "انه حادث أمني" وربما "قضاء وقدراً" شبيه بصدم سيارة مواطناً او اصابته برصاصة طائشة بعيدة. وما زلنا نتذكر كلام الجنرال "الشرف والاباء) بعد سقوط الشهيد جورج حاوي وقال عندها: "ما منعرف مع مين مختلف ولا مع..." اذا الاسلوب ذاته يُمهّد للجريمة بسيل من الاتهامات (كل شهداء 14 آذار اتهموا بالعمالة لاسرائيل وبعدما استشهدوا اتهم هؤلاء اسرائيل ! فيا للعبرة ويا للايمان ويا لحس العدالة ويا للانسجام: اسرائيل لا تقتل سوى عملائها!) ثم تأتي مرحلة تغطية الجرائم عبر تمويهها وصرف الانظار عن القتلة ومحاولة تبديد التحقيق. وهذا يعني ان بعض جماعة 8 آذار تُهدر دماء اللبنانيين الأحرار الذين خارج منظومة الوصايتين.
واذا عرفنا ان الجريمة المزدوجة التي نفذها اثنان (او واحد لسلامة التحقيق) من "زلم" الياس سكاف امكننا ربطها ايضاً بالمد الشعبي الذي تحرزه 14 آذار في اكتساحها الانتخابات النقابية (آخرها فوزها المدوي في نقابة المهندسين بفارق 1200 صوت) فهي رسالة لمن يعنيه الأمر: ان لا بد من لجم هذا المد الذي أكل ما أكل من رصيد كثير من الزعماء المنتمين الى 8 آذار لا سيما "جنرال الـ 70 بالمئة" الماضية: الذي وصل التآكل إلى داخل التيار بأجنحته وصراعاته العائلية وغير العائلية، وبالانسحابات الجماعية المتتالية من هذا التيار. فالأكثرية تزداد اكثرية والاقلية تزداد اقلية. وعون يزداد عزلة وكلمّا ازداد عزلة ازداد انعزالاً. بل وكلما ازداد ضعفاً ازداد استسلاماً للارادات المعروفة. (وهذا هو منطق الضعفاء الذين يصيرون بحكم ضعفهم مَلَكيين أكثر من الملك او ليس هذا ما نلحظ عن صغار الكتبة والمنقرضين).
انها الرسالة المكتملة التواقيع والبصم والوصم والتي استشففنا من حروفها (الدموية والسوداء) ان كل من سيدافع عن السلم الأهلي فهو "مزهوق" وكل من يحمي الدولة فهو "خائن"... (يستحق العدم) وكل من هو مع المحكمة الدولية فعنقه مهيأه للجز، وكل من يحلم بدولة قوية تُكنِّس الدويلات والكانتونات والبؤر الانعزالية والعقليات الانعزالية فهو من مرتكب الكبائر. وكل من يطالب بالاستحقاق الرئاسي فهو "عميل". وكل من يريد فتح مجلس النواب، فهو زنديق. وكل من يرفع علماً لبنانياً مستقلاً فهو مستباح، وكل من يؤمن بلبنان حراً ذا سيادة على اراضيه وحدوده فهو من "الخوارج"... اذاً الرسالة التي خُطت وتتلوها ألسنة بعض البغبغات وتنفذها أيديها واضحة: لا راحة لبلادكم!
واقلاق راحة بلادكم ستقوم بها واجهات بلدية من بلادكم! ولن تقوم سلطة واحدة عندكم: وتجزئة السلطة ستكون بأيدي بيادق من بلادكم. ولن تستوي محكمة لاكتشاف جريمة اغتيال الحريري وسائر الشهداء ومدّبرو هذا التضليل لن يكونوا الا من ظهرانينكم. وعندها (تقول الوصايتان): يحق لنا اذاً ادعاء ان النزاعات لبنانية ـ لبنانية (وواجهاتنا لا بأس بها خصوصاً الواجهات الالهية اللماعة والمشعة بالايمان والاخلاص والعدل والنشر والحشر......والساعة... والآخرة!).
اذاً جريمة زحلة لا يمكن أن تكون حادثة فردية: ولا قضاء وقدراً: ولا عملاً محصوراً منعزلاً: ونتساءل: اين ستكون غداً او بعد غد "زحلة" اخرى قد ينجح القتلة والعملاء في ارتكاب جريمة او مجزرة لعل وقيعة فتنة تندلع وعندها يستطيب خاطر المشهود لهم بدأبهم كوكلاء ومتعهدي تخريب! اذ لا يبدو اجمل لهم من رؤية بلادهم تشتعل وتحترق حتى بايدي العدو او اي عدو محتمل. (ولم يعد هناك عدو حصري واحد هو اسرائيل: بل عدّة سحن توحي اكثر من عدوانية الصهاينة على البلد). المهم، وبكل الوسائل ضرب البلد: من اغتيال هنا الى مجزرة هناك الى تهويل هنالك فالى تهديم العرى بين الناس وتخوين أكثرهم والعمل على فتح سبل الهجرة والتهجير لافراغ البلد من اهليه. فهؤلاء لا يخلّب البابَهم ويقرّ عيونَهم ويهدئ بلبالهم سوى رؤية البلد قاعاً صفصفاً... عال! (خي): كأنهم يقولون: ما أجمل "بلادنا" من دون شعبها وشجرها ومائها وحجرها وترابها!
لكن ماذا عسانا نفعل من أجلهم: فكلما جُنّت بهم السُّبلُ، وكلما تضاعفت كميات عمالتهم، وتعمقت طرق إجرامهم، وتعددت أساليب منقلباتهم "يطبّون على وجوههم طباً" أو "على أقفيتهم" طجاً فشلاً ذريعاً. وكلما أضمروا حقداً لبلادهم ازدادت بلادهم بشعبها مناعة وقوة: فمن فشل الى فشل: من العمليات الترهيبية المعروفة، الى العمليات الانتخابية النقابية، الى ازدياد عزلتهم العربية والدولية... كل ذلك تعابير فصيحة وبليغة عن "تدركبهم" من عل الى أسفل. صحيح أنهم ينجحون في ارتكاب الجرائم والمجازر (وهذا من اختصاصهم ومواهبهم ومهنتهم وخبراتهم ورسالتهم الدنيوية والسموية والوطنية والقومية) لكن كل مجزرة يضيء شهداؤها درب خلاص جديدة، ودرب مقاومة جديدة ودرب ممانعة جديدة، ومواجهة للطواغيت وقوى "الاستكبار" القريبة والبعيدة. فها هي زحلة تنهض من دماء شهيديها وتُعلن حضوراً أقوى بتجاوزها قطوع الفتنة وصراع الأخوة والأهل، لتختار مع قوى 14 آذار الاختيار الطبيعي: الدولة وعدالتها والقضاء مع ما يرافق ذلك من تعبير عن احتجاج وألم وحزن وفجيعة. كانت زحلة فعلاً "دار السلام" وكنّا نردد صغاراً "زحلة يا دار السلام فيك مربى الأسودي". كانت زحلة وسط الأكاذيب والدم والتفوهات ومحاولات تمييع التحقيق وصرف الأنظار عن المجرمين، نموذجاً للمجتمع المَدَني الواثق من سلميته ومن أدواته ومن أهدافه. ذلك لأن أبناء زحلة الذين عانوا ما عاناه اللبنانيون على امتداد حروب الآخرين على بلادهم، يعرفون جيداً "أعداء" المدنية والمدينة والمجتمع والديموقراطية والدولة. يعرفونهم من سيمائهم ومن أسمائهم ومن بطاقات "إنتمائهم"، ومن ارتهاناتهم: عرفوا أن هؤلاء المجرمين استغلوا افتتاح حزب الكتائب أحد مراكزه الجديدة في حوش الزراعنة ليخططوا لفتنة شبيهة ببوسطة عين الرمانة: فتكون زحلة "بوسطة" جديدة لفتن جديدة ولحروب جديدة ولخراب جديد. عرفوا بأحداسهم وبتجاربهم وبخبراتهم أن هؤلاء المرتكبين لم يأتوا صدفة ولم يقتلوا صدفة ولم يهربوا صدفة، ولم يُكلفوا ذلك صدفة، وأن مكلفيهم معروفون ومشهود لهم بالجريمة وصنع الخراب. وحسناً فعل حزب الكتائب بضبط ردود الفعل التي كان ينتظرها رسّامو المجزرة ليردوا عليها بما هو أدهى وبما يتمنى ذوو النيات السود والقسمات الأشد سواداً وقتامة. حسناً فعلت 14 آذار بمناشدة أبناء زحلة بتفويت فرص الفتن على أصحابها فتكون غصة في حلوقهم. وفي كل ذلك انتصار للمجتمع المدني. وإذا عرفنا أن زحلة تاريخياً، كانت دائماً في مقدمة المدن اللبنانية الأكثر انفتاحاً والأكثر حباً للحياة، وللثقافة، والفنون، والأكثر تشبثاً بالحوار والجدل والأخذ والرد... عرفنا أنه لم يكن جديداً عليها أن تتمسك بقيمها "السلمية"، والمدنية، والإنسانية، في مثل هذه اللحظات الخطرة والملتبسة، ولم يكن غريباً عنها أن تعلو على جراحها وتكبح ردود الفعل (التي كان ينتظرها بعض غربان الانقلابات والخراب) وتضع المسألة في يد القضاء علماً بأن من خطّط لهذه الجريمة خطّط أيضاً لتهريب الجاني الى حيث يكون في "حماية" الآلهة التي بدأت تتدركب أصنامها من قمة "أولمب" البلد (بحمده تعالى). فزحلة في تعبيرها السلمي عن احتجاجها وعن أحزانها وفجيعتها قدمت من جديد برهاناً آخر على تمسكها بالدولة (التي يحاول أبوام المنقلبات تهديمها)، وعلى اختيارها الساطع رفض النزاعات الأهلية التي يخطّط لها أعداء البلد، لتنضم في ذلك الى المناطق اللبنانية الأخرى التي سبق أن تعرضت "لغزوات" و"اعتداءات" وانتهاكات من "لَدُن" آلهة الكرتون والمعدن والنار في بلادنا... بغية إثارة فتن مذهبية: من طريق الجديدة الى فرن الشباك الى مناطق أخرى: فكأنما تكوّن عبر هذه الأحداث روابط مشتركة وروحية مشتركة في عدم الانجرار الى ما يريده الانقلابيون عبيد الوصايات المتعاقبة على لبنان. فزحلة ربحت رهان السلم، وخسر المجرمون رهان الفتنة. وزحلة كانت بالفعل عروساً (ولو مضرجة بالدم) عروساً ذات "فتنة" ديموقراطية، وجمال مدني، وسحر جمهوري، وتألق سيادي: والذين حاولوا اغتصابها، وامتهانها، وإخراجها عن قناعاتها المجتمعية الراسخة، وجرّها الى مواقعهم، وتشويه تاريخها، وجعلها محطة دامية تنتقل بين بوسطات الخراب من مكان الى مكان، خسئوا. وها هي وبدلاً من اللجوء الى "الانتقام"، وأخذ الحق باليد، والعودة الى زمن الميليشيات (وبعضهم ما زال عندنا بكل القه ونورانيته)، وتدمير الإنجازات المتصلة بثورة الأرز، ها هي تختار الاحتجاج السلمي النفّاذ، والصوت الصارخ، والمسيرة الصامتة، لتكون بذلك فعلاً "دار السلام"... كما نتمنى أن يكون لبنان كله.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00