.. وانعقدت القمة العربية في دمشق بغياب لبنان وبعض القادة العرب الأساسيين ومع هذا انعقدت في سبحاتها المتبقية وبأيديها المتبقية. والسبحة الناقصة سبحة ناقصة. والعقد المقطوع عقد مقطوع. وعَقَد مشتقّ من عِقد: أي التأم واجتمع تماماً كحبيبات السبحة وتماماً كحبات اللؤلؤ أو الزجاج: سيان أحياناً لا شتان!
وعندما كان للحكومة اللبنانية الشرعية أن تقرر عدم الذهاب (وقيل المقاطعة) كان للذين يشككون في شرعيتها وميثاقيتها (وهي تمثل الأكثرية التي انتخبت رئيس مجلس النواب الذي يشكك بدوره بالأكثرية التي منحت الثقة الحكومة: ليصير هو من انتخب مجلس النواب والأكثرية وليست هي التي انتخبته وليسحب مفتاح المجلس النيابي ويخبئه في عبّه العمران!)، كان للذين يشككون في شرعيتها أن يحضوها (بلا شرعيتها) على حضور القمة، وكان عليهم وهم الذين لا يعترفون بها، أن يتهموها بأنها قاطعت المؤتمر بسبب الضغوط الأميركية. إذاً، المعارضة (؟) زعلت كثيراً في هذه المناسبة التاريخية على تفويت السنيورة "فرصة ذهبية" لحل بعض المشاكل اللبنانية، باعتبار أن الأزمة السياسية كانت على وشك الحل قبل المؤتمر، وعندما قاطعته الحكومة ذهب الحل أدراج الوصايات! براو! إذاً لو ذهب لبنان الى دمشق وشارك (كما كان له أن يشارك كخيال ظل في المؤتمرات السابقة في عهد الوصايتين وأكثر)، لتحلحلت كل مشاكله الاقتصادية والسياسية والسيادية والاستحقاقات... فيا له من خطأ استراتيجي فوّت على لبنان فرصه التاريخية: أين؟ في قمة دمشق!ولقد وَلْوَلتْ أصوات معارضة و"دَبّت الصوت" وأقامت الدنيا ولم تقعدها ثم أقعدتها ولم تقمها، ثم لم تقعدها ولم تقمها، ثم قامت هي فقعدت، ثم استقعدت فاستقامت على سيل من الاتهامات. ذلك أن الفرصة الذهبية تتمثل أولاً بأن "الانقلابيين المشهود لهم بديموقراطيتهم السابقة، وبأحاسيسهم السيادية "المفرطة" وعدوا الحكومة بأنها ستكون شرعية فقط في المدة التي تحضر فيها القمة، ويزول مفعول هذه الشرعية الممنوحة من الأقلية التي تتهم كل يوم أكثرية الشعب اللبناني بالعمالة والخيانة (فما أجمل العملاء عندما يتهمون سواهم بالعمالة: إكسترا! والله!)، وتعود حليمة الى عادتها القديمة لتُدمّر ما اتفق عليه في القمة، وتخصيص فقهاء في اللغة وفي الإيمان وفي الآداب (العمومية) بتفسير خاص للمبادرة، وتفشيلها وتشويهها. أو ليس هذا ما أصاب المبادرة العربية التي أجمع العرب بوزرائهم ورؤسائهم عليها، ثم جاء الفلهويون باللغة (وهم فيها بمستوى الصفوف التكميلية أو ما دون الابتدائية)، ويعطون دروساً في اللغة العربية وقواعدها وتفاسيرها: فأين أنت يا مارون عبود، وطه حسين، وسيبويْهِ وأمين نخلة والشيخ عبدالله العلايلي: صاروا كلهم (صغار الأميين) علماء لغة تماماً كما أتحفونا بعلمهم العليم والأعلم بأمور الاقتصاد عندما دأبوا على تعطيله بحروبهم العبثية وباحتلالاتهم الأماكن العامة وبانقلاباتهم الفاشلة!
ونحن نعترف بأننا أصبنا بخَسارة فادحة بعدم انعقاد القمة تتمثل بعدم تقديم "فيلولوجيي" اللغة أطروحاتهم البنيوية في تفسير التفسير، ونقد النقد، ولكم كنّا استفدنا من علومهم المُتبحّرة!
إذاً لم يذهب لبنان! وانفصدت القمة عندما التأمت ولتلتئم بعدما انفصدت! وهذا لعمري انتصار في ذاته أن نجمع القطع بالوصل، والفصد بالجمع، بحيث يكون الجزء المفصول كلاً موصولاً، والكل الموصول جزءاً مقطوعاً! أوليس هذا هو "المنطق" الذي تعلّمناه وحفظناه وخبرناه من سياسات بعض الأنظمة العربية الباركة على شعوبها بقوة "البيعة" الجماهيرية "المغيّبة"، وبشدة الأرقام المدوية 99.99: وآه! وأي شعبية هذه أوصلت الى كل هذه الديموقراطيات المزيّفة، والدكتاتوريات الصافية كعين الديك وبيض الدجاج الصباحي، هذا إذا لم تقلب المعادلة أيضاً: فتصيح الدجاجة ويبيض الديك! ولم لا! أولسنا نعيش في زمن المعجزات والانتصارات الإلهية وتدخل السماء مباشرة مع بعض "آلهة" الأرض وأوليائها وقدّيسيها: إنه الحس الملحمي الذي يجمع بين الأسطوري والخرافي والواقعي والإنساني والماورائي: أو ما هكذا تربح الحروب والمعارك الخاسرة بإذنه تعالى وإذن الوصايات الإلهية المتعاقبة كالكوارث والزلازل والأوبئة؟
إذاً، بعد التئام من التُئِم له أن يلتئم في مؤتمر القمة (المؤتَمِر والمؤتَمَر بحضور غير العرب تعويضاً عن العرب: براو! أيتها العروبة المظفرة من المحيط الى الخليج!)، كان على لبنان أن ينتقد ذاته، ويتفقد وضعه، ويحصي خسائره ومردوداته وأرباحه: والنتيجة: إن لبنان البلد الصغير كان الحاضر الأكبر في مهرجان القمة: كان وراء الكلمات وقدامها، وداخل المجاز وخارجه، وفي صُلب التفكير وامتداداته، وفي نجاعة المشاركة ولو غائباً! وعندما نقول إن النتيجة جاءت على ما توقعها الجميع، فيعني أن قرار الحكومة الشرعية (إزاء الانقلابيين وقطاع الطرق وغزاة الأحياء ومحرقي الدواليب...) كان صائباً والجوجلة كانت أيضاً صحيحة، إذ كان لهذه القمة في حضور لبنان الغيابي، أن تترهل قبل أن تنصب أول منصة، وأول ميكروفون في القاعات وفي المنابر... وكان لهذه الحسابات أن تكون دقيقة، لا لأن من قام بها من صنف المتنبئين (والعوذ بالله من متنبئي هذا الزمن ومشعوذيه!) أو العباقرة بقدر ما كان استفادة من تجارب الماضي، إذ تكهن اللبنانيون والحكومة الشرعية بأن كل ما كان سيقرر من دعم للمبادرة العربية والحوار وتسهيل الأمور لن يكون مصيرها مختلفاً عما سبقها: ونظن أن المسؤولين الذين اتخذوا قرار المقاطعة راجعوا سجل هؤلاء: الوصايتين والواقعين تحت سحرهما: 1) أجروا حواراً حول طاولة مستديرة لحسوا قراراتها بعدما وقعوها: لحسوا بمبارد ألسنتهم تواقيعهم ووعودهم! 2) وبديلاً من ذلك الالتئام عطّلوا مجلس النواب ليحولوا دون أي حوار بين الممثلين الشرعيين في البرلمان، لتكون الساحات العامة والشوارع والمنابر الإعلامية والتظاهرات التخريبية وتحطيم الممتلكات العامة... هي الأمكنة الملائمة للحوار. 3) أيدوا القرار 1701 ثم انقلبوا عليه بإذن تعالى! 4) أيدوا قيام محكمة دولية لكشف قتلة الرئيس الحريري... ثم انسحبوا من الحكومة عند إقرارها: ما هذا الصوت الإلهي! بل ما هي هذه الصوتية الأخلاقية والدينية التي يتبجّحون بها ويفترشونها ويلتحفونها، 4) ايدوا بالاجماع المبادرة العربية وقبل ان يتلوها عمرو موسى مسحوا كلماتها وأحرفها وحتى حبرها وورقها، 5) وصفوا حكومة السنيورة بالمقاومة الدبلوماسية: ثم وصفوها بالخيانة. 6) اعلنوا حرباً على إسرائيل من دون أن يسألوا أحداً لا رئيس الجمهورية المفدى اميل لحود، ولا الحكومة ولا رئيس البرلمان، ولا أهل البرلمان، ولا احد: ثم قالوا ان الحكومة حرضت إسرائيل على حربها على لبنان! برافو. 6) اجمعوا على انتخاب العماد سليمان كمرشح توافقي للرئاسة ثم راحوا يكبلونه بشروط تعجيزية كاعلان عن تراجعهم المبين وكل شيء مبين على ايديهم المبينة والعوذ بالله!. 7) استقالوا من الحكومة وتقدموا كأبطال ثم راح بعضهم يداوم ويستقبل ويوقع ويمارس وهو مستقيل: فيا لهذه الجرأة (كي لا اقول الوقاحة) في جمع الاستقالة وعدمها، والممارسة وعدمها قالوا: انهم قبلوا بالثلاث عشرات الحكومة وعندما بدا لهم او تهيأ لأذهانهم (المتفتحة) ان هذه الصيغة يمكن ان تقبل ولو بواحد في المئة اضافوا شروطاً جديدة! 7) وقبلها أعلن على السنة بعضهم ان المهم انتخاب رئيس وكل ما عداه ثانوي، لكن لملموا كلماتهم وجعلوا انتخاب الرئيس في آخر المطاف.. او الطواف.
اذاً الملدوغون من جحور مرات، هل يلدغون من جديد؟ هذا ما رأته الحكومة بعدم مشاركتها في القمة، لأنها كانت على ثقة تامة بأن ما سيطلع حتى بالاجماع سيذهب ادراج الوصايتين كأن قمة لم تكن، وكأن خطباً لم تكن، وكأن مواعظ حول وحدة الشعب اللبناني لم تكن؟
اليوم وبعد أسبوع من ختام المؤتمر بحمده تعالى وبعد القرارات التاريخية الفذة التي تفجرت من وراء الميكروفونات والحناجر والأصابع المرفوعة، كأنما كان على كل لبنان ان ينتظر لكي لا ينتظر: ينتظر ربما الخوف والانتقام وردود الفعل على نتائج المؤتمر المحدودة.
وعلى الانتكاسة التي مني بها. وهذا يؤسفنا لأن الخاسر الأكبر من هذه الانتكاسات هم العرب ولبنان وأهل الجوار!.. وها هو عمرو موسى يتريث في زيارته لبنان ودمشق، لأن ظروف ما بعد القمة ما زالت قاسية ومجهولة المعالم: أي غير ناضجة ليقوم بالحوار المباشر بين الأطراف اللبنانية وبعض الأنظمة التي يقال انها معنية بنا (ولا نعرف لماذا يجب ان تكون معنية بشأننا ولسنا معنيين بشأنها!). عمرو موسى يتريث وسط هجمة تشنها المعارضة الموالية للوصايتين، تتردد فيها اسطوانة بيضافون المشروخة من زمن الخمسينات: التخوين والعمالة والتهديد والتنكيل والتبشير بالحروب: هذا شأن غربان الوصايتين الذين لا ينضح نَعيقهُم بغير الدم والخراب والفوضى والعدم.
سألني كثير من الأصدقاء اثناء وجودي في عمان: ماذا سيحصل بعد القمة؟ وارفقوا اسئلتهم بالمخاوف والهواجس والقلق على لبنان وشعبه ومصيره وعن الاحتمالات الممكنة في المدى المنظور؟ وتساءلوا: اترى ستلجأ المعارضة الخاضعة للوصايتين الى وسائلها المعروفة بالتخريب وتغطية الاغتيالات وأحداث فتن واثارة بعض البؤر الكانتونية اللبنانية وغير اللبنانية، وغزو بعض الاحياء لتعميق الصراع المذهبي والطائفي، فأجبت بما يمكن ان يجيب به اي مواطن عانى ما عانى بلده طيلة 30 عاماً من القهر والاذلال والتنكيل والمصادرة: كل شيء وارد! لأن الوارد اليوم أو غداً سبق ان وَرَدَ وليس مستبعداً بأن يرد، لأن ذهنية الطغاة، واعداء الديموقراطية، وحرية الشعوب، والفاشيين، والمرتبطين بمشاريع مستقلة أوسع من لبنان.. لن يعدموا وسيلة لمحاولة قلب الأمور، وهزم الوطن، والاستمرار في اعتبار "لبنان أرضاً معادية" بديلاً من العدو الصهيوني!
بعض اصدقائي ذهل! وبعضهم خاف! وبعضهم قال: ان عدة القتل والنصب التي استعملت في لبنان على مدى ثلاثين عاماً انتقلت الى العراق وفلسطين.. وها هي تعود بقوة الى لبنان.. واردف آخر: ماذا تريد إسرائيل أكثر من هذه الخدمات الجلى التي يقدمها إليها من يدعون ممانعتها ومواجهتها، والمتمثلة بتدمير لبنان كدور ثقافي، وكمجتمع ديموقراطي مدني، وكمركز مالي، وكرئة عربية تتنفس ربما وحدها الحرية... ماذا تريد اكثر من رسم مخططات جهنمية في لبنان، لصرف الأنظار عما ترتكبه إسرائيل من مجازر وبربرية بحق الشعب الفلسطيني! فيا له من فيلم اعتراضي يقدمه هؤلاء لحرف الأنظار عما يحدث في فلسطين: إنها الخدمة الجلى التي تضاف الى خدمات "أجل" لا سيما في الجبهات العربية القريبة التي ما زالت إسرائيل تحتل فيها أجزاء منها... وتهديدها، بلا اعتراض يذكر.. ولا مواجهة تذكر، ولاحرب تذكر سوى ما يعلنونه من حروب ومواجهة على لبنان وكيانه ومصيره... ووجوده!
وماذا تريد إسرائيل اكثر من هؤلاء "الاعداء".. الطيبين!
والمضحك ـ المبكي ان بعض المثقفين العرب يصدقون ان هؤلاء الممانعين لإسرائيل وأميركا.. هم حقاً ممانعون لإسرائيل وأميركا!
شيء مثير!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.