رحل الدكتور سهيل ادريس بعد معاناة طويلة مع المرض، ليترك خلفه إرثاً متنوعاً خصباً ورحباً من الرواية والقصة والترجمة، إضافة الى مجلة "الآداب"، و"دار الآداب"، وترجمات عديدة بارزة، الى تأسيسه اتحاد الكتاب اللبنانيين و"جمعية القلم المستقل"...
لم يكن ادريس حالة كتابية، تجرأ في كتاباته وفي ترجماته فحسب، وجهه بالممنوع والصامت العموميين حوله، ولم يكن محركاً ثقافياً رائداً في هذا المجال، جمع ما لا يجمع في زمن الانقسامات الثقافية ـ الايديولوجية والسياسية فحسب، بل كان في كل ذلك من التغييريين والداعين الى التجاوز، لتكون "الآداب" المنبر، ودار النشر الأفق والحضن، ومن الأصوات القومية العالية، القومية العروبية الحضارية الديموقراطية والتقدمية الجامعة (أي ليس عروبة أنظمة القمع)، من دون الوقوع في انغلاق أو شوفينية، وهذا ما يفسر هذه المروحة الشاسعة لانفتاحه ولترجماته. إنه زمن الأحلام الكبيرة عاشها سهيل ادريس، وفي كل الاتجاهات، لكنه كان أيضاً زمن النكسات الكبيرة، ويكفي أن نقرأ له "أصابعنا التي تحترق" لنحس بعمق النكسة القومية بعد 1967، من هذا الانتماء القومي ـ التغييري كان لسهيل ادريس أن يطل في معاركه الثقافية والفكرية بروح سجالية رفيعة. ذلك أن ذلك الزمن "الجميل" كان زمن التيارات والمدارس والأفكار والريادات، وكان من الطبيعي "التصادم" الحي بين كل هذه الظواهر، وكان من الطبيعي أن تتخذ هذه الحروب معاني بيروت، آنئذ، الضاجة بالتعدد والخصب والتنوع والتناقض.
قامة عالية سهيل ادريس، وبلا تصنيف مقنن ومحدد، لأنها بعلوها فوق كل تصنيف؛ قامة عالية هَوَتْ، في زمن كأنما ينفي كل إنجازاته الكبرى، وكل تجلياته؛ رحل في الزمن الجحود، في زمن تشوش الانتماءات، وموسم الهجرات الى القبائل والطوائف والحروب، وتراجع كل ما صنع مجد الريادات، والابداع، والأفكار الكبرى في لبنان والأمة العربية.
رحل، وقبل أن يرحل، صمت طويلاً سهيل ادريس، صمت وكأن صمته احتجاج على ما آلت إليه أحلام أجيال كاملة، كأنما كان يكابر "مرضه" مكابرته الأمراض المتفشية في هذا الزمن. لكن كما كان في قوله كبيراً، كان في صمته الأخير كبيراً أيضاً، ذلك الصمت الذي يختزن عصراً كاملاً من التنوير والابداع والأحلام... والهزائم!
برحيل سهيل ادريس نفقد مؤسساً صلباً، ومبدعاً كبيراً، ورائداً من رواد النهضة العربية والحداثة والجدة بأبهى صورها المعاصرة.
برحيله فقدت بيروت منارة شاهقة.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.