إذاً، بين الدويلات اللاشرعية أو المذهبية أو بين ما تسمح به القوانين من اختراقات للفتاوى، وبين تدخل السياسة والمرجعيات الدينية والمذهبية، يقع رأس المثقف العربي اليوم، وهو لا يعرف من أين يأتيه القمع: من دولة القانون والمؤسسات المصادرة من أهلها، أم من الدويلات "الناشئة والفيتوات" المتغلغلة داخل النسائج الاجتماعية وحتى في صلب السلطة والنظام.
كأنه الدين أو الطائفة أو المذهب، اليوم، تشكل الممانعات الجديدة إزاء مصير الدولة نفسها. تماماً كما كانت الايديولوجيات الانقلابية على امتداد خمسين عاماً والتي في ادعائها بناء الدولة الديموقراطية العادلة هدمت مقوماتها بأنظمتها البوليسية والقمعية وبمناهجها الاستغلالية والفاسدة: من دولة عربية قوية بأجهزتها وضعيفة بقوانينها وعدالتها وديموقراطيتها، إلى "دويلات" شبه دينية تنمو وتنحو منحى من سبقها، بحيث تتعدل النبرة ويستبدل قاموس بقاموس، ليتم التعادل بينهما. ولكن المفارقة أن هذه "المنظومات" الدينية والطائفية تتقاطع أحياناً كثيرة مع الدولة القائمة هنا وهناك، لتستخدم الأدوات لقمع المعارضة أو خصوم السلطة: هذا ما جرى في لبنان في بداية الحروب، وهذا ما جرى في مصر أيام السادات الذي وضع قانون الحسبة الذي ما زال جارياً حتى الآن، وقد وضع بعض المجموعات الدينية لضرب الاحزاب اليسارية والقومية والناصرية، فدفع في النهاية الثمن.
ومما يزيد الأمور تفاقماً أن هذه المجموعات الدينية والطائفية، وبسبب ضعف الدولة وفشلها وفسادها وهزائمها، حفرت عميقاً في الجمهور، وباتت لها مواقع شعبية متقدمة، ومتينة ومنظمة، تؤثر على مجرى الانتخابات وتتقدم أحياناً لتكتسح مواقع جديدة. هذه المواقع الشعبية يبدو أنها صادرت الأمكنة نفسها، في شبه كانتونات فرضت فيها قوانين التحليل والتحريم والأحكام، والفتاوى والتعاملات خارج إدارة السلطة الرسمية، وهذه الامتدادات الشعبية والفئوية فرضت تقاليدها على كل المظاهر الاجتماعية من أعراس وأفراح وزواج وعقود: دويلات داخل الدولة: فصار لدينا سلطة من فوق غائبة في صراعاتها الخاصة الضيّقة مستمرة في قمعها وسلطات من تحت تنهشها وتنهش معها ما تبقى من حريات وديموقراطية وهوامش ثقافية وسياسية وفكرية.
6 ـ في ظل هذا التضعضع بين أنظمة مهترئة ودويلات طامعة، تتحرك الثقافة بثقل. وإذا أضفنا ما يشاع عن عولمة لازمة بدأ الكلام عنها عندنا، بكثير من العدائية، وبدأ الانخراط فيها بكثير من "الود" والرضى والقبول، ها نحن إزاء ظواهر جديدة قوية علينا باعتبار الوهن الذي أصاب المؤسسات والناس والأفراد والثقافة. والغريب أن المجتمعات العربية الغارق بعضها في الاستهلاك الديني والمذهبي والأصولي، وبعضها الآخر في ما تبقى من ايديولوجيات تغييرية، تتداخل فيه تأثيرات العولمة بتقنياتها وحداثياتها وبرمجاتها ومناخاتها وشروطها وطغيانها، بحيث باتت الأكثرية في كافة الاتجاهات، وكأنها كائنات معلبة أو معولمة أو مسوقة كالقطعان، حتى في طرق تعاملها مع اللاهوت والدين والفروض: النمذجة هنا طاولت قدامى المناضلين ضد الامبريالية وحتى المناضلين الجدد ضد العولمة والغرب.. كأن نعلن الحرب على العولمة، نحن نتعولم، وندعو إلى مقاطعة بضائعها ونحن نستهلكها، ونسعى إلى "بناء" هوية تحمينها منها، فنتقاطع مع ما تفرضه من أنماط وسلوك وتفكير ومناخ أحادية سواء في وسائط الميديا أو الإعلام أو الشركات الكبرى أو التلفزة أو الانترنت والسينما؟
كأننا، وسط ضعف الدفاعات، وفي ظل الانهيارات الفكرية والايديولوجية والسياسية والعلمية والثقافية المتلاحقة، نسلم (ونحن نصرخ رافضين) ما تبقى من حرياتنا ومن إرادتنا ومما تبقى من تعددنا وهوامشنا لهذه العولمة: إذاً تضافرت هذه العوامل لتضعنا في لحظة ملتبسة جداً: ضعف النظام العربي المتناهش، تنامي القوى الكنتونية داخل السلطة وخارجها، وتفكك المجتمع أو انغلاقه أو ارتداده، أو تحويله طاقة ضد الحرية والمكتسبات النهضوية، والعقلانية، تراجع قوى التغيير والديموقراطية، انحسار الثقافة، الحية المستقلة، وأخيراً لا آخراً العولمة بوسائلها ووسائلها وابتكاراتها وقوانينها ومرجعياتها، لتكتمل دائرة الحصار على الثقافة النقدية والإبداعية.
6 ـ أين محط المثقف الطليعي المتقدم، الهامشي المستقل، والحالم، والتغييري، والصدامي، والمبدع، والمجترح، والخارج على المألوف، والإلزامات الفوقية، والمتمرد على السائد: أين موقعه في هذه أشكال الحصار المطبقة؟ فلا الدولة باتت تحميه وهي تقمعه، ولا المجتمع يرتاح إليه، ولا الزمن الجديد المعولم يستأنسه: إذ كيف يتمكن المثقف أن يتحرك بحيوية في ظل هذه الإحباطات والمخاوف المتوالية من جميع الجهات بل كيف يمكن أن يثق هو بكتابته وأفكاره وإبداعاته إذا باتت الكتابة نفسها والأفكار والإبداعات مستوعبة في نماذج (السلطة) أو الأصوليات أو العولمة.
بل كيف يتمكن المثقف أن يؤمن بأي مستقبل إذا كان يشهد أمامه "زوال" الإنجازات النهضوية الكبرى، شرقاً وغرباً، واضمحلال الريادات والأفكار التي صنعته وصنعت أحلامه وطموحاته ومغامراته: بل ماذا يمكن أن يفعل المثقف اليوم في ظل التدجين المؤسساتي، أو الإرهاب العربي، أو التكييف العولمي. هؤلاء رواد النهضة مثلاً كمحمد عبده يُخوّنون ويُتهَمون بالعمالة للغرب لأنهم مفكرو الدولة الحديثة، ونجيب محفوظ يتعرض لمحاولة اغتيال ويصادر "نبي" جبران بعد 8 عقود من صدوره. هذا من دون أن نغفل واقع الثقافة نفسها: تراجع في المسرح وفي السينما.وانحطاط في التلفزيونات واستغراق مجهول في الانترنت قد يؤدي إلى عزلة اخرى أو امتصاص لحيوية الشباب، شبه انقراض للأفكار والايديولوجيات والقيم التغييرية والأدبية والفلسفية، إلى درجة يمكننا القول فيها إن العالم العربي اليوم خالٍ من الأفكار (الجديدة)، وهذا ما لم نشهده على امتداد قرن ونصف القرن من النهضة والتنوير: ذهبت الأفكار والاتجاهات والنزعات التي صنعت الثقافة العربية، القومية، الفلسفية، اليسارية، اليمينية، الليبرالية، من دون أن نتلمس بدائل أو حتى امتدادات فكأننا نعود اليوم من تاريخنا الثقافي الحديث الحافل بالمغامرات والاختراعات صفر الأيدي، وصفر الوجوه، وصفر النفوس.
وعندما نتطلع حولنا، في العالم، لا نجد نصيراً أو معيناً، أو ملجأ: فهناك أيضاً في الغرب والشرق جنازات متتابعة لكل ما صنع الديموقراطيات، والاتجاهات، والفلسفات، والمدارس النقدية، والفكرية: كل يوم نطالع بجنازة أو بنعي (في الغرب): موت المسرح، موت الشعر، موت السينما، نهاية التاريخ، موت الحداثة، صدام الحضارات، موت الجغرافيا، موت الرأسمالية، موت الاشتراكية، موت الله، موت الانسان، موت الوجود، موت الجسد. موت الطبيعة، موت العالم: كل شيء كأنه في عداد الموتى: إنها الآلة الاستهلاكية المعولمة التي، وبقوة زمنها العابر، والعاقر، واللحظوي، تبشر بهذه الميتات لاستبدالها "بضائع" جديدة: تعامل التاريخ كبضاعة وزبائن، وتحول العالم مستهلكاً وزبوناً، والأدب والشعر والفنون والآثار وخيرات الشعوب وصولاً إلى الموت وحتى الاعضاء البشرية والمأكل والمشرب والملبس والهواء! إذ كيف يمكن أن نبقى أحياء ككتّاب وشعراء ومفكرين وسط هذه الجنازات اليومية وكأننا ما إن نفكر في الكتابة حتى نشهد جنازتنا أمامنا: كأننا موتى برسم الجنازة، أو أحياء برسم الموت. الغرب يشيع نفسه كل يوم، ويعيش كل موته وموتاه، ونحن بين مطارق الدولة القمعية المتداعية، والأصوليات المستنقرة، والثقافات الشاحبة، والعولمة المقولبة، نتحرك كالمروبصين، نكاد لا نفرق بين أن نكون نياماً نحلم باليقظة، أو مستيقظين نحلم في نومنا!
ولكن إلى هذا الحد يمكن أن يجرفنا ما نشهده هنا، وفي العالم، نحو اليأس، والاستسلام والهروب، والخوف، والاكتفاء، والقناعة، وترك الساحة للتخلف والقمع والجهل والعنف والإرهاب والاستهلاك؟
إن في كل ما أوردنا من نقاط "ضعف" أو ضغوط أو سلبيات، ما يشير أيضاً، وما يدل على هوامش ما زالت حية، في الثقافة عموماً، وفي العلوم، وفي الكتابة.
صحيح أن الايديولوجيات التاريخية التي صنعت القرن العشرين بسلبياته وإيجابياته قد تفسخت، إلا أن الآفكار ما زالت موجودة وهي كانت موجودة قبل الايديولوجيات. بل يمكن القول إن تفكك المدارس الأدبية والفلسفية والفنية ساهم في تحرير الكاتب والشاعر والفنان والمفكر من "الجواهر"، و"البنى الجاهزة" والإلزام القبلي، وجعله، ربما لأول مرة منذ أكثر من قرن حراً في فرديته، وفي صوغه نصاً بلا واجبات ولا بيانات: نصاً حياً لا يتأثر بنظرية أو بايديولوجيا. بمعنى آخر يكتب نصاً تمليه التجربة حتى التجريب. التجربة التي يأتي كل تفسير لها، وكل تنظير بعد نصها. وإذا كانت الايديولوجيات والمدارس والتنظيرات تشكل نوعاً من الأوليات و"الجواهر"، تماماً كما هي الأصوليات و"العولمات" فإن تجاوزها يؤدي إلى تحرير النصوص من أي مستندات برانية. ونظن، أن الكتابة اليوم تعيش عصرها الذهبي (لا سيما الشعر) لأنها خرجت من القماقم والوظائف الميدانية والتبشرية إلى صلب "شعريتها" المتفجرة بلا تقنين ولا توجيه. أوليس هذا ما نلمسه عند كثيرين من كتّاب وشعراء التسعينات: تحرروا من إرث الروّاد وتنظيراتهم ومن إلزامات الأفكار الجاهزة، وها هم يكتبون تجاربهم بتجاربهم، أي بحرياتهم الثقافية والفكرية. ونظن أن تنوع "اللغات الشعرية" مثلاً، حتى التناقض والتنافر من المغرب الكبير إلى المشرق، خير دليل على نفض كثير من الشعراء الجدد كل هذه الأعباء التاريخية عنهم وعن الشعر نفسه: فلتذهب المومياءات المطيبة من شعرية وغير شعرية الى حيث يجب ان تذهب بعدما تحولت بعقمها واثقالها عقبات أمام الأجيال الجديدة. وعندما نقول ذلك لا نقصد أن تنفصل الأجيال الجديدة عمّا قبلها: على العكس، وإنما تنظر إليها وتقرأها قراءة نقدية، لا طوباوية، ولا مقدسة. ولا نهائية ولا "منزلة". وما يجري على الشعر والأدب لا بدّ أن يجري على سائر القطاعات السياسية والفكرية والفلسفية وإذا كانت مشكلة التيارات الايديولوجية والسياسية أنها بقيت كنصوص نظرية من نتاج الغرب أو الشرق في حدود القبول، والتقبل، فإننا نرى احتمال أن تأتي الأفكار كلها ايضاً بعد التجربة: أو تخضع كلها للتجريب. هنا المحك سواء بما يتعلق بالديمقراطية أو بالحرية أو بالنظم، أو بالانماء، أو بالجامعات، أو حتى بالاقتصاد. كانت النظرية تهبط من فوق، وعلينا، الآن، أن نجعلها تطلع من تحت: من الواقع والحياة والبحث والنقد والاختبار. أو اذا كانت الثقافة وامتداداتها العامة لقيت ما لقيت من عسف وقمع وابتسار وارهاب وما زالت، من قبل أهل الأنظمة الاستبدادية وما أنجبته من أصوليات، فعلينا ان نعرف ان الكتابة الخطرة هي التي تكتب محاطة بالخطر، وبالمجازفة (في الحياة والسجن)، وأنها آخر الحصون المقاومة، لكل أشكال الاستيعاب والنماذج والقهر والاستتباع والاستفهام والدكتاتوريات والتخلف. واذا كان علينا ان ندفع ثمن كل ما نفعله فيعني ان تعرف لكل شيء ثمنه: من الحرية الى الابداع الى العدالة الى الديموقراطية. فالاستكانة والاستسلام والخنوع والخضوع لاغراءات السلطة والمال والجاه والترف، والأمان والدعة والخوف، لا تؤدي الا الى موت الكاتب والكتابة، عندما يصبحان ذريعة لالغاء وجودهما نفسه.
وعندما نتكلم بهذه "النبرة" فليس لأننا متفائلون أو متشائمون، وانما لأن الكتابة لم تكن مقاومة للواقع بكل جوانبه، ورفضاً للتسليع، والتزويق، والاستتباع، والتنميط حتى على صعيد المغامرة في الشكل المضمون، فانها لا تكون كتابة. واذا كانت الهوامش الحية هي التي صنعت الابداعات العربية الكبيرة، على امتداد اكثر من قرن، من فكر ومسرح وشعر وسينما ونقد، فإن ما نحاول ان نفعله اليوم، هو توسيع هذه الهوامش خارج الأطر الثابتة وخارج مرمى القمع، وفي مقابل التوتاليتاريات المتقاطعة: من الأنظمة الاستبدادية الراهنة، الى الأصوليات وفقهاء الظلام، فإلى العولمة. ونظن انه بالتجريب ضمن هذه الهوامش المتحررة، يمكن الافلات وقد تم الافلات فعلاً، من هذه الظواهر التي تلتقي بقدر ما تفترق، وتتقاطع بقدر ما تتواصل، وان بدا انها متفقة على إلغاء معاني الحرية، والفردية، والاستقلالية، والابداعية غير المسلعة او المصادرة... انه زمن عربي آخر. وعندما نقول باللحظة العربية الراهنة، فلكي نحررها ايضاً من عروبة الأنظمة، والحزبيات، والشوفينية، الي مشروع ديموقراطي وفكري وحضاري متفتح على المقابل، متجاوزا ما يسمى الكتل التاريخية من أقليات او اتنيات او عنصريات او أديان او طوائف. نقصد عروبة تنفي نفسها باستمرار لتكتشف نفسها باستمرار، تنافس لتتجاوز نفسها، بحيث تكون افكارها المفتوحة امامها وليس وراءها: في ماضوية مغلقة نهائية ميتة مفتتة، او في أحضان دكتاتوريات صادرتها وحولتها شعارات لتحكم استبداداً باسمها، وتبرر هزائمها السياسية وتسلطها ونهبها وقتلها الصوت الآخر، وخنقها كل تنوع. اللحظة العربية اليوم كما كانت في الأيام الذهبية للنهضويين والتنويريين، ليست عربية بالمعنى الصافي. وليس هناك عروبة بالمعنى الصافي، ولا اسلام بالمعنى الصافي. ولا مسيحية بالمعنى الصافي. ولا شرق بالمعنى الصافي ولا غرب بالمعنى الصافي: التهجين صنع الحضارات، والعروبة بتلاقحها على المقابل والمختلف صنعت نفسها، وصنعت تاريخاً من الابداعات والاجتراحات فلا عروبة من دون الآخر. ولا عروبة بلا مراجعة. ولا عروبة بلا نقد. ولا عروبة بلا تحرر من المنطق التبريري. ولا عروبة بأفكار أبدية ثابتة. ولا عروبة تستنمي نفسها: العروبة لكي تنجب عروبة أكثر تقدماً عليها ان تتجاوز ذاتها الى "الآخر"... فالذات لا تطور الذات. (وهذا هو منطق الأصولية في أن الهوية الأحادية، والذات المغلقة والأنا المريضة، والنرجسية العرقية أو الدينية او الايديولوجية تنتج نفسها، والواقع انها تؤسس في نفسها، وتحتضر في نفسها، وتستنقع في نفسها).
اذاً في هذه اللحظة العربية الخاصة، نكتب ما نكتب، محاطين بالقمع والتخلف والاستبداد والاقطاعات الطائفية والمذهبية، والأنظمة المتهالكة، والامتزاجات الغرائبية، ومع هذا، نكتب ما نكتب لأنها الكتابة ليست ترفاً أو أقنعة خنوع. بقدر ما هي مقاومة! الكتابة اليوم هي الحصن الأخير للابداع!
(*) قدمت اول من أمس في الندوة الفكرية التي تعقد على هامش معرض الكتاب في الدار البيضاء تحت عنوان "الكتاب والتفكير في اللحظة العربية الراهنة".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.