8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نهاية حلقة أخرى من مسلسل التعطيل!

المسلسل الذي كتبه أوصياء الخارج وينفذه كومبارس الداخل مستمر من حلقة إلى حلقة ومن عقدة إلى عقدة، ومن قفلة إلى قفلة، من دون التكهن، حتى الآن، لا بموته ولا بنهايته. ومن ظنّ ان اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب قد يختم المسلسل بنهاية سعيدة خاب ظنه، باعتبار أن الاستمرار شرط من شروط اللعب على الانتظار، واستنفاد الممثلين والمتفرجين والحكاية كلها.
الحبكة عقدها ويعقدها باتقان من يريدون ابقاء كل شيء مفتوحاً على كل شيء واضافة عناصر جديدة على هذه الدراما المعروفة. لإضافة شيء من التشويق الارهابي (الدموي): فالاستحقاق الرئاسي مجرد لقطة، او مشهد أو حتى حلقة، في سياق التدمير الشامل لكل معطيات الدولة والنظام والسيادة والعدالة وصولاً إلى الانتماء نفسه. وهذا يعني أن فريسيي الداخل، والمراوغين، وكبار اللاعبين وصغارهم ما زالوا مصرين على الاستمرار في أدوارهم الموضوعة مع بعض التعديل الطفيف في الحوار، والمفاوضات وحتى الشخصيات والمساحيق والأمكنة. ولكن اللافت ان هذا المسلسل بات يشكو (كالمسلسلات المكسيكية) اجتراراً وتكراراً جعلاه ينكشف، ويفتضح ويقع في السقوط والرتابة والنهايات المتكررة.جماعة 8 آذار، ضمن أدوارها المحفوظة تعيد اللعبة دائماً إلى البدايات ، تطيل الحبل هنا وتقصره هناك، لكن عود دائماً إلى نقطة البداية: وكلّما توهم احدهم بتقدم الأمور واقتراب حل العقدة، اطاحوا كل شيء: لعبة التيئيس، ولعبة استنفاد كل شيء، أي لعبة اخراج كل اللاعبين من الحكاية سوى لاعبيهم. بمعنى آخر يريدون استفراد لبنان وحدهم: فلا العرب مقبولون ولا المجتمع الدولي مقبول، ولا العالم كله مقبول، ما عدا بتوع الوصايتين. هذا هو الظاهر وكذلك الباطن. وهذه هي اللعبة الخبيثة: ان تتظاهر بالقبول وانت ترفض، وان ترفض وانت تتظاهر بالقبول: وهذه الظاهرة رافقت كل المفاوضات والحوارات والاغتيالات والاعتداءات والاعتصامات. رحبوا بمشروع الحل العربي حتى البصم هناك... ثم دفعوا بعملائهم واجرائهم ومخبريهم لنسفه هنا، عبر هزات أمنية: الاعتداء على اليونفيل، اطلاق صاروخين على اسرائيل (استنكر الاطلاق من اطلق فيا للذكاء!) وأخيراً لا آخراً اعتداء آخر على الجيش بعد جرائم العبسي (المرتبط ببتوع الوصايتين وامتدادهما في الداخل)، وبعد اغتيال اللواء الركن فرنسوا الحاج، وصولاً إلى هذه التصريحات المنسوبة (ونعرف من هو الناسب والنسيب والأنسب!) الى شاكر العبسي، والتي تستهدف هذه المرة، تحريضاً طائفياً عليه (ونظن ان صهاينة العروبة وسفاحيها هم وراء هذه الممارسة الخائنة على الجيش) فالجيش بات على مرماهم! اقصد ضمن خطوطهم "الخضر" بعدما كان العبسي نفسه ضمن خطوطهم الحمر! كل هذا يعني ان هؤلاء لا يتورعون عن أي شيء لتدمير البلد لادراك اهدافهم: تعطيل المحكمة والسطو على السلطة (كعصابات شيكاغو!) اللعبة المذهبية لاثارة فتن وتبرير الكانتونية، والتهديد بحرب أهلية، القتل الساطع كعيونهم تفكيك الوشائج التي تربط المجتمع. كأنهم دائماً على اهبة إعلان البيان رقم واحد الذي لن يأتي بحمده تعالى! وعلى أهبة الانقضاض بكل بربريتهم على البلد، وعلى أهبة الاستمرار في التخريب.
وهذا يعني انه، من زمان، اعلنوا لبنان بلداً معادياً، بديلاً من اسرائيل وكذلك الشعب اللبناني. فما الذي يردع "المكافحون" و"المناضلون" عن ضرب الأهداف "المعادية" أي لبنان، لا شيء! بل أكثر: لماذا لا يكون لبنان ايضاً ساحة بديلة من ساحاتهم لتصفية الحسابات، وتحقيق المطامع وركوب حروب عبثية وانتصارات وهمية تحت وابل كثيف من الخراب العميم! فليرتكبوا أي شيء، من عمالة، ومن جرائم، ومن اتهامات ومن تخريب... اذا كان ذلك يوصلهم الى تدمير البلد واستعادة هيمنة الوصاية عليه، وتغيير هويته السياسية بالقوة، وتعديل دستوره بالارهاب: هذه هي ديموقراطيتهم الجمهورية: لكن أي جمهورية؟ كأنهم يريدون لبنان على صورتهم (باعتبارهم صورة داكنة عن اربابهم) اي يضعون نظاماً شبيهاً بهم، وناساً مقولبين بالشعوذة والمال والرشوة والتضليل والترهيب: مجتمع خوف يريدون، وعندها يكون لهم ان ينتخبوا الجمهورية والبرلمان والشعب والأرض والماء والهواء والحدود والفضاء... أوليسوا "انصاف آلهة". هذا هو موضوع مسلسلهم القديم المتجدد الذي بدأ مع سقوط النظام الأمني المشترك وانتصار 14 آذار في الانتخابات، وتأليف الحكومة. هذا هو فحوى الحكاية وكل ما عدا ذلك لعب على الوقت والكلام والاعصاب والاستنفاد والاستباحة: يريدون كل شيء أو اللاشيء: العدم: اعدام كل ما هو حي وحيوية ونضر وقائم في لبنان! وهذا يفسّر انهم يرفضون كل الصيغ المطروحة ليشاركوا بفاعلية في الحكم: يحتالون ويقدمون الاقتراحات البهلوانية: من الثلث المعطل، الى حكومة الوحدة الوطنية، الى الشروط المفروضة سلفاً على رئاسة الجمهورية، إلى نسف القرارات الدولية، إلى ترسيم الحدود، إلى التمثيل الديبلوماسي مع الشقيقة... كل هذه الأمور مواد أولية لاستخدامها كمعوقات لأي حل، وللوصول إلى اللاحل: إلى النفاد: إلى الفوضى: إلى الفراغ: إلى الموت: وعندها تأتي "قيامتهم" المجيدة، ونشرهم وحشرهم، ليستولوا كأموات منبعثين بعثاً على حياة الوطن. ولكي يموهوا هذه المشاريع العدمية الانقلابية (التي فشلت كلها حتى الآن) يخدعون كل الوسطاء (ما عادوا يستطيعون خداع أكثرية الشعب اللبناني الذي بات لا يصدقهم ويعرف انهم يكذبون ويكذبون!): من فرنسا، إلى العرب، إلى الجامعة العربية، إلى المجتمع الدولي: يبدون النيات الطيبة (وسرائرهم من سواد القطران والزفت) ثم يوافقون... ثم يعلقون... ثم يتحفظون... ثم " يوزّون" عملاءهم ليرفضوا (وعميلهم الأول أي جنرال الجبن ميشال عون جاهز لكل الأدوار القذرة بالجهوزية ذاتها التي تمتع بها عندما جهزه صدام حسين لمحاربة السوريين في لبنان لقاء المال والسلاح والوعد بالسلطة!).
صرنا نعرف السيناريو النمطي اياه: ترحيب: تريث: تحفظ: شروط جديدة: ثم شروط أخرى: ثم رفض: اتهام أميركا (يعنون الأكثرية!) بعرقلة الحل: ثم موجة تخريب ترافقها حملة تخوين (ما أجمل الخونة واتعَسهم عندما يخوّنون سواهم ويحاضرون بالوطنية والاخلاص للوطن) ولا بأس باستعادة لغة التهديد، بالعصيان من هنا أو الاعتصام، أو الهجوم، او الاعتداء على الأحياء الآمنة (فيختارون منها الحساسة كالبسطة مثلاً للتنفيس عن قيمهم "المدنية" غير المذهبية وعن هواجسهم "السلمية" غير الانقلابية. هذا السيناريو يزاد عليه أحياناً مشهد حدودي، ينسجم مع كلام التخوين واشكال الاعتداء على الناس، والتخريب واطلاق الصواريخ العشوائية على اسرائيل، ثم الاعتداء على اليونفيل وصولاً إلى تخوين الجيش نفسه ومحاولة تقسيمه، المشهد الحدودي الرائع عندما تعرقل الشاحنات والمركبات والسيارات العابرة الحدود الشقيقة بذرائع أمنية أحياناً، وبسياسية أخرى لاكمال حلقات الحصار الاقتصادي على لبنان الذي ينفذه حلفاء "الشقيقتين" على لبنان باسم القربى طبعاً والأخوة والرابط القومي! فيا لهذا الانسجام اللافت والمعلن احياناً بين عبابسة الداخل وعتاريس الخارج!
وهكذا يفهم من لم يفهم ان هذه المبادرة قد انتهت مفاعيلها وعلينا بأخرى: وبهذه الطريقة تأكد عمرو موسى ان المبادرة التي وافق عليها وزراء الخارجية العرب بالاجماع، وبمن فيهم، الشقيقة الكبرى قد عطلها حلفاء الشقيقة الكبرى الصغار في لبنان: يوقع الموقف مع العرب ثم يلحس التوقيع: والتوقيع بالموافقة على المبادرات ثم لحسها قضية تحتاج إلى جهاز احصائي، وطرائق تحليل نفسية، وتعقب تاريخي ورصد اخلاقي، لكي نتوصل ولو نسبياً الى شخصية هؤلاء "اللحّاسين" الجامعة والمطبوعة بطبائع اسيادها: الكذب، والتراجع والتنكر والنفاق وادعاء ادوار واختلاق تهم للغير... اي رمي كل ما في هؤلاء من موبقات على سواهم. لكن الازدواجية فاقت هذه المرة كل التوقعات، وضرب اصحابها الارقام القياسية العالمية: قالوا للبنانيين بالصوت والصورة والمنخار والسريرة والباطن والظاهر: نحن كذابون فلماذا تضيعون وقتكم وتصدقوننا! انه اعلان "نوايا" صارخ يخفي ما سبق ان اخفاه: التدمير المنهجي لكل يد تمد لمساعدة لبنان ولحل مشاكله، والتخريب على كل مبادرة واستنفاد كل شي: من الأمل بالحل، إلى الأمل بتحسن الاقتصاد، ووقف الهجرة والتخريب والكف عن اعتبار لبنان أرضاً معادية يجب اسقاطه بكل ما تملك الوصايتان من مال وسلاح وعملاء... وخطط "شيطانية".
اليوم تحدد موعد آخر للاستحقاق الرئاسي لن توافيه "المعارضة" المزعومة، واليوم إعلان آخر من رئاسة المجلس حول المواعيد المقبلة، مرفقة بمهاجمة الحكومة غير الشرعية وكذلك الأكثرية لتجاوزها الدستور والبرلمان والديموقراطية! (رائع).
وقد تبرز في الأيام المقبلة مبادرة أخرى، ضمن المسلسل الانقلابي المستمر، ولن يكون مصيرها مختلفاً عن مصير "اخواتها" السابقات، مع "ابتكارات" جديدة في علوم الاغتيال، او التخريب او ضرب الدولة اوتسديد فواتير الوصايتين على حساب هذا البلد المنكوب بهذه النوعية من العمالة والارتزاق والاجرام.
حلقة الجامعة العربية يبدو انها "خُتمت" لتفتح على حلقة أخرى بانتظار "انقلابات" دراماتيكية في موازين القوى العالمية (الانتخابات الرئاسية الأميركية) صدور القرار الظني حول اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، استنفاد قدرة الدولة على احتمال هذا النزف المعنوي والمادي والسياسي والوطني، واستهلاك طاقة الجمهور السيادي والاستقلالي والديمرقراطي، وانهيار ما تبقى من المؤسسات الشرعية لتلتحق بمجلس النواب المستجلس في التعطيل، ورئاسة الجمهورية المحاصرة... فلعّل في هذه "الانتظارات" ما يغير المزاج السياسي ويقلب المعادلات... وعندها يكون لعملاء الوصايتين ان يجعلوا من هذا البلد حزمة حطب تحرق قرابين لمصلحة من لا يريد ان تكون حروبه ومطامعه وأمراضه واوبئته الا في لبنان.
لكن من سوء حظ هؤلاء المراهنين على "المنقلبات" ان الناس باتت تعرفهم جيداً وتعرف غدرهم بل وتعرف مدى عدائهم للبنان ولشعبه ولأرضه... ومدى عمالتهم ولهذا ها هي مستنفرة بكل حذرها ويقظتها وجهوزيتها في وجههم... أي في وجه المستكبرين الجدد... ومستضعفي الوطن، ومستبيحيه ومنتهكيه. ومستعديه ليردوا شرورهم عنه!
وأخيراً... نصدقك يا عمر موسى، وكم نُقدّر صبرك على لاحسي تواقيعهم وعلى المتنكرين للوطن...
اتراك صدّقت لحظة أن هؤلاء الذين وعدوك سيفون بوعودهم... ولا سيما وأن المبادرة عربية حتى العظم! وهم على الطرف النقيض من العروبة والعرب والقومية العربية والشعب العربي، وداخل المسلسل الأعجمي الذي يُتأتِئ أحياناً بلكنة عربية!
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00