8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المسرح الخليجي بين القلق القومي ونشوء العولمة

هل علينا أن نحدد مواقع الجمهور العربي اليوم، ومواصفاته، وقسماته، وحالاته الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية والاقتصادية، لكي نحدد سمات المسرح، أو على الأقل ما نحلم به، أو ما نسعى إليه؟ وهل يمكن القول، ان هناك، اليوم، أو أمس، أو غداً، جمهوراً واحداً متراصاً، ذا ردود فعل واحدة، واستعدادات واحدة، وذائقة واحدة، ووعي متساوق؟ وهل يمكن القول، ان هناك جمهور مسرح مختلفاً، بحساسيته، عن أي "جمهور" آخر، بمعنى آخر هل هناك جمهور مسرحي "متخصص"، افتراضي، أو تالياً جمهور شعر، أو سينما أو رواية، متخصص أيضاً؟
وإذا لم يكن هناك جمهور واحد، أي إذا كان هناك احتمال وجود "جماهير" ما فكيف يتم ترتيبها وتصنيفها: طبقياً، دينياً، ايديولوجيا، تقنياً، قومياً، سياسياً، معرفياً، وتالياً هل يمكن عبر كل ذلك "خلط الجماهير" عبر الكلام على ثقافة شاملة، أو مثقف شامل، أو جمهور شامل، وماذا ينتج عن ذلك: هل يكون الجمهور عندها مرجعية معيارية أم مجرد كُتل هشة عابرة، تماماً، كطبيعة المسرح العابرة، والهشة؟
نركز على الجمهور عموماً، لأنه العنصر الأساسي في المسرح. ولأنه جزء من "الحالة المسرحية"، ومن الكتابة المسرحية، وكذلك من القراءة المسرحية، حتى ولو اقتصر الجمهور أحياناً على وجود بضعة متفرجين (كما يقول غروتوفسكي). وإذا كان ثمة أزمة مسرح خليجي أو عربي أو حتى عالمي فالجمهور جزء من هذه الأزمة: "أعطونا جمهوراً جيداً نعطيكم مسرحاً جيداً" والعكس صحيح. هذه مقولة متداولة ترسم جانباً كبيراً من الحقيقة.
لكن من يعطينا الجمهور الجيد؟ هل المسرح يخلق جمهوره كما يدعي بعضهم، أم أن المجتمع هو الذي يخلق الجمهور؟ أم هي الأفكار أم القضايا أم الأيديولوجيا أم الاقتصاد؟ أم العولمة؟ (بحسب التعبير الشائع اليوم).


إذا لم يكن ثمة جمهور ثابت، عبر المراحل والظروف، فيعني تالياً أنه ليس ثمة جمهور مسرحي ثابت، عبر المراحل والظروف. وهذا يرتبط بالحالات الثقافية والسياسية والاجتماعية. وإذا كان "الجمهور" المسرحي جزءاً من "الجمهور العمومي" بشرائحه وتحولاته، فهذا يعني أن ما يؤثر في الجمهور العمومي يؤثر في المسرح.
على هذا الأساس، إذا ألقينا نظرة على المرحلة الممتدة من منتصف الخمسينات وحتى أواخر الثمانينات نجد أن حالات الجمهور الخليجي مثلاً (والعربي عموماً) تختلف اختلافاً كبيراً عن حالاته الممتدة من الثمانينات وحتى اليوم.
في المرحلة الأولى كان المجتمع الخليجي الطالع بمؤسساته ومثقفيه مجتمعاً يؤسس أو يبلور مناحي وتوجهات "مدنية" تتصل بالديموقراطية وتتسع في آفاقٍ من التحوّلات التي ترتبط بظهور النفط، وهي تحوّلات أورثت البنى السياسية إلى حد كبير، والبنى الثقافية، والحزبية. كأنما كانت مرحلة خروج من حالة إلى حالة: فترة بروز الصراعات الأيديولوجية، والفكرية وحالات الانفتاح، والبحث عن أسئلة جديدة، وهواجس جديدة. فلنقل إنها كانت مرحلة خروج من الحالات التاريخية، ومن البنى السائدة، إلى صوغ ملامح مجتمع "مديني" ومدني، من ضمن مشروع ثقافي، وحضاري شبه شامل.
وفي تلك الفترة كان ثمة انخراط، وعبر صيغ التنوّع التي ظهرت، محاولة خروج من القيم الثابتة إلى قيم أخرى، تحولية وتاريخية وجدلية وقومية. أي محاولة الخروج من أحادية مجتمعية ما إلى تعددية لا تقوم لا على تعددية طائفية أو قبلية بقدر ما تقوم على تعددية فكرية.
كانت الذات المجتمعية تبحث، بين اختياراتها العديدة، عن هويات مفتوحة، لا عن هويات مغلقة ونهائية.
بهذا المعنى، كان الجمهو في حالة إصغاء كبيرة لكل هذه التحوّلات. إصغاء خاص، خارج أنواع القراءات الجاهزة. وعندما، نتكلم على هذه المرحلة، فهذا لا يعني أننا نفصلها عن المراحل التي سبقتها، والتي مهدت لها في كثير من الجوانب والمستويات.
هذا الاصغاء الكبير من قبل الجمهور لهذه التحوّلات يتضمن، في عمقه، إصغاء للجديد. للمختلف، إصغاء يتجاوز إلى حد كبير الاصغاء الجماعي إلى علاقة فردية وخاصة. فالجمهور، بهذا المعنى، كان يتشكل أو قيد التشكل من مجموعة أفراد. لا من قطيع. وكل فرد له وعيه الخاص. ورهافته الخاصة وتكوينه الثقافي والنقدي المختلف. وهذا انعكس على المسرح نفسه، الذي تعددت أساليبه واتجاهاته، تعدد الجمهور، بل تعدد الفرد.
ولهذا وجدنا في الخليج العربي، وفي البلدان العربية عموماً، كل الاتجاهات المسرحية المحلية والشعبية والكلاسيكية والموروثة وحتى الفولكلورية إلى جانب الاتجاهات الغربية: من البرشتية إلى المسرح الفقير إلى مسرح القسوة، إلى الاتجاهات السينوغرافية والكوريغرافية، ومدارس الاخراج، والأداء، والفضاءات المسرحية، ليكبر بذلك دور المجاز في العرض، أي الدلالات والرموز التي يحتوي عليها. بات المسرح مكاناً للتجريب والاختلاف وطرح الأسئلة والالتزام والسياسة. وصار الجمهور جزءاً من هذا المكان، ومحرضاً على التوغل في المغامرة، ومثيراً للمسائل الجمالية والايديولوجية والفكرية. وكما أن المسرح، كلغة واختبار ودور، بات قضية المسرحيين، بات أيضاً قضية المتفرج.
،كما انتقل هذا المسرح من مرحلة "البراءة" إلى مرحلة "غير البراءة"، صار الجمهور بمقارباته الفكرية جمهوراً غير "بريء". يقرأ العمل من داخل طبقاته الجوانية، ومن داخل مجازاته المفتوحة، تحوّل من متفرج سلبي، كسول، مستسلم، جاهز، عقيم، إلى متفرج إيجابي، مبدع، حيّ، مشارك، ومجادل، أي متفرج ذي ذائقة نقدية متطلبة غير سهلة.
وعلى هذا الأساس رأى في المسرح، مكاناً، من بين الأمكنة، لأحلامه الشتى: الجمالية، القومية، السياسية، والايديولوجية والاجتماعية. أي رأى فيه بؤرة حية أساسية من بؤر المجتمع المدني. رأى فيه مكاناً خاصاً به، بقدر ما هو مكان عمومي مشترك. هناك يلتقي الرفيق والنقيض والأليف والغريب وما يصدم وما يثير وما يمتع وما يُعلِّم وما يُنفِّر وما يطرح أجوبة وما ينسى أسئلة. إذاً اخترق الجمهور عتبة المسرح، العتبة السحرية، وانضم إلى الداخل. لكن هذا الانضمام الحميم والواعي لم يلغ المسافة بينه وبين الخشبة. ومن هذه المسافة غير الملغاة، يبقى الجمهور مستنفراً، مقارعاً، يعرف كيف يجمع بين الواقع والمجاز، بين الواقع والمخيلة، بين الواقع ودلالاته المقترحة.
وإذا أردنا توصيفاً عمومياً له فيكمن القول إنه كان جمهوراً داخل جمهور. جمهوراً عمومياً داخل جمهور مسرحي، تماماً كما يقال في الشعر المجازي "لغة داخل اللغة". وهذا أدى إلى تعددية المتفرج الواحد. إلى البحث عما وراء الظاهر، عما وراء المستويات الأولى، عن المقاصد المطروحة. بمعنى آخر لم يعد المتفرج الواحد مجرد متفرج أحادي. ولم يعد الجمهور مجرد جمهور واحد أحادي. صار على صورة ما ينبني في المدينة، من هوامش ومراكز واختلافات. صار جمهوراً مركباً كالمدينة المركبة.
هذا الجمهور "المركب" هو جمهور غير ناجز، في مسرح غير ناجز، وفي مدينة غير ناجزة، وفي مجتمع غير ناجز. لا يركن إلى "هوية" ولا يبحث عن هوية محددة. الماضي عنده معطى، وكذلك المضمون. وهذا هو جوهر التجريب. التجريب في الأفكار، وفي الايديولوجيا... وكذلك في مستويات التعابير المسرحية.
كان ذلك الزمن الذهبي، بامتياز، لأنه كان زمن من اليوتوبيا بامتياز.
جمهور داخل الجمهور
كل ذلك يعني أن الجمهور في الخليج كالجمهور في العالم العربي، وهو كما أشرنا "جمهور داخل الجمهور"، لم يكن جمهوراً طوبوياً. ولم أتكلم عنه كجمهور طوبوي، في تلك المرحلة. لكنه، وهنا القصد، لم يكن جمهوراً مستنفداً. كان يشبه المدينة (المركز) الذي يتحرك فيها. مرحلة نهوض بعد ظهور النفط، ومرحلة التمام حول أنظمة وحول دول. وحول حالة مدنية. والحالة المسرحية هي أعلى درجات الحالات والتعابير المدنية. تبدأ بالمواثيق والأعراف والمؤسسات وتنتهي باعتراف بالآخر. وأقصد الآخر المختلف بتركيبته الفكرية والسياسية وانتماءاته وانفتاحاته غير المفتوحة. ولم يكن الشرق هو الذات النهائية، ولم يكن الغرب هو الآخر المحظور، برغم هذه الازدواجية البارزة بين تمسك الجمهور الخليجي بتقاليد وموروثات محلية وتاريخية وبين انخراطه في الحداثة بمختلف مظاهرها وتجلياتها. وتحديث المجتمع الذي سار بوتائر سريعة قابله ميل إلى التمسك بكثير من الثوابت الاجتماعية الراسخة. ولهذا كان ثمة لقاء بين "الجمهور" والمسرح على توازن ما في حقول المغامرة المسرحية الجديدة. وكأن المسرح ما كان يريد أن يحدث صدمة تخل بالتوازن، وكذلك الجمهور لم يكن مهيأ "لجنون" التجريبيات الحديثة. كأن المسرح بقي في حدود أن يكون وسيلة كشف عن تناقضات المجتمع وعن ظواهره تصل بهدوء إلى نقطة التحريض، أو نقطة الخروج على المألوف، ويصل بذلك إلى جمهور متماسك، متحد وموحد. ولهذا لا نرى، عموماً، (سوى استثناءات)، إن المسرح، أراد (مع مسرحييه الرواد) أن يحدث شرخاً مع الجمهور بقدر ما أراد أن يكون أداة توحيد. وهذا لا يعني اعتماده نموذجاً واحداً (جمالياً) أو فكراً أحادياً (ايديولوجياً أو سياسياً). بل ولم يرد المسرح الخليجي (على خلاف المسرح في لبنان مثلاً) أن ينتقل من مرحلة المسرح الاجتماعي التبسيطي المباشر الذي ساد منذ منتصف العشرينات وحتى السبعينات، انتقالاً قاطعاً أو صادماً، أي بقطيعة تجعله ينفصل عما قبله. كما لم يرد أن ينتقل من مرحلة ما قبل النفط بعاداتها وقيمها الاجتماعية والعائلية إلى مرحلة ما بعد النفط بقيمها الجديدة من غربية وغير غربية ومن استهلاكية وثقافية وسياسية، بطريقة فاصلة. ولهذا نجد في عموم المسرح الخليجي ذلك الصراع القائم بين ظواهر المرحلتين المتعايشتين أصلاً، اتخذ أحياناً صراعاً بين هويتين أو بين مجموعة هويات تتصالح هنا وتتنافر هناك. وهذا يعني أن امتزاج الهويات الذي ظهر لدى الجمهور ظهر في المسرح. من هنا يمكن القول ان ما كان يراه الجمهور على المسرح بدا انعكاساً لما يعيشه أو يعانيه.
لكن هذا لم يقتصر بشكل عام على الامتزاج، أو على التزام سقوف دائمة في التعاطي مع هذه الأمور، مع تعقد المجتمع الخليجي وجمعه بين الأنظمة الوراثية، والنظم البرلمانية وسواها. هنا بالذات كان جزء من المسرح الخليجي يتطلع إلى جوانب أكثر ولوجاً في الممارسة السياسية، والديموقراطية، لكن من دون أن يخترق الحدود القائمة بين السلطة والنظام، وبين النظام والدولة. إذ أنه بقي، أي المسرح الخليجي، (كجمهوره) من ضمن رعاية الدولة، ومن ضمن ما يحدده النظام. وقد يقال ان حركات تغييرية برزت، سواء عبر الأفكار القومية (العربية) أم عبر الايديولوجيا اليسارية، لكنها بقيت هي أيضاً في مطارحها ذات نبرات احتجاجية غير متطرفة، أو على الأقل، كامنة تظهر ظهوراً مجازياً. فالمسألة القومية (التي تختلف بطبيعتها وأشكالها عند المضامين الايديولوجية)، كانت تشكل لدى الجمهور وأهل المسرح انتماءات طبيعية، عبر وشائج سياسية ودينية واجتماعية وايديولوجية.
وحتى بعد 1948 و1967، لم تتعرض هذه الانتماءات لاهتزازات كبيرة في ضمائر الجمهور وأهل المسرح، بل على العكس، إذ اشتدت هذه النزعات، وتبلورت في تجمعات وحركات وممارسات.
فالجمهور الخليجي في تلك المرحلة (بين الخمسينات ونهاية الثمانينات) كان ذا هويات متجاورة (وإن على صراع أحياناً)، متوافقة في صيغ تتحرك تحت مظلة الدولة: المجتمع القديم بعاداته + الظواهر الاستهلاكية + النزعات القومية والعائلية والدينية والسياسية + القيم الحداثية الثقافية والموروثة، كلها تزاحمت في مساحة زمنية غير رحبة نسبياً، وكلها على حدود غير نهائية، وغير صارمة، وغير مغلقة.
هذا التمازج وهذا التجاور وهذا الصراع صنعا أو ساهما في صنع العلاقة الحية بين الجمهور والمسرح، لأن هذا الأخير كان ساحة من ساحات ظهورها أو تباريها أو التعبير عنها.
ومن خلال ذلك يمكن القول ان المسرح الخليجي حماه عنصران أساسيان هما الدولة برعايتها له ودعمها إياه، والجمهور باحتضانه له كتعبير مدني عن ظواهره وأشكال تعدده وتطلعاته وأحلامه.
كان الجمهور إذاً وكأنه من داخل اللعبة المسرحية، ومن داخل الحالة المسرحية، ومن داخل المغامرات المسرحية الجديدة. أي أنه كان جزءاً من الكتابة المسرحية وجزءاً من الرؤيا المسرحية.
أحسبني هنا أتكلم على جمهور لا أعرفه تماماً، أو على الأقل أعرف شيئاً عنه. لكن حتى ولو لم أكن على معرفة دقيقة وعينية به، فإنه يمكن أن نعيد بناء صورته. تماماً كما نعيد بناء صورة جمهور لا نعرفه كالجمهور الاغريقي مثلاً، وذلك من خلال قراءة نصوص الكتاب في تلك المرحلة: سوفوكل، أوريبيدس... لأن الكتابة تعبّر عن واقع ذلك الجمهور، وكذلك الجمهور يعبّر عن واقع الكتابة. وهذا يمكن أن ينسحب على المعمارية المسرحية وفضاءاتها وأمكنتها... وعندما أستعيد النشمي (كبدايات ارتجالية) وأستعيد أسماء أخرى كتابية أو إخراجية كصقر الرشو وعبد العزيز السرّيع وسعد الفرج وسليمان الحزامي وحسن يعقوب العلي وسالم الفقعان وفؤاد الشطي وعبد الرحمن المناعي وحسين الصالح ومهدي الصايغ ومحمود عواد وراشد المعاودة وعيسى الحمد وسعد الجزاف وحمد الرميحي وعبد الله السعداوي... وآخرين، فإنه يمكن إعادة بناء صورة الجمهور بملامحه، ونبراته، ومستوياته، ومتطلباته ونوازعه، وميوله، ومواقعه.
أسباب تلاشي الشغف
هذه المرحلة الذهبية في المسرح الخليجي كانت، إلى حد كبير المرحلة الذهبية أيضاً في المسرح العربي. فالمشترك كثير بينهما. حتى يمكن القول ان حركة مسرحية خصبة كانت تمتد من أقصى المغرب العربي إلى أقصى شرقه. لكن في نهاية الثمانينات بدأت تتفكك هذه الأواصر، وتنكسر هذه الحركة، وتظهر ملامح تراجع عمومي، وتحوّلت هذه الحركة إلى إنجازات فردية، استثنائية تلمع في هذا البلد أو ذاك ثم تخبو. والحالة المسرحية التي كانت تضم الممثل والخشبة والمخرج والجمهور، بدأت تشحب. الحالة المسرحية نفسها أصيبت.
لكن ماذا جرى حتى تلاشى حتى الشغف بالمسرح عند كثيرين من أهله؟ وماذا جرى حتى تفرق الجمهور "المسرحي" أو "الجمهور داخل الجمهور" كما أسميناه؟
فلنحاول أن نتوقف عند بعض ما حدث قبل تلك المرحلة وما بعدها؟
1 ـ اندلعت حروب وقامت ثورات. قامت الثورة الايرانية وخلعت النظام الامبراطوري، مما أدى إلى بلبلة كبيرة في منطقة الخليج، وإلى ظهور نظام اسلامي يحاول (في بداياته) تصدير ثورته إلى محيطه وإلى أبعد من محيطه. واستنفرت، إثر ذلك حالات جديدة تدرك النزعة القومية العربية والأفكار الايديولوجية التغييرية، والظواهر الفنية.
2 ـ اشتعلت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران. واستنزفت ما استنزفت من الطاقات البشرية والمادية، وأحدثت شروخاً داخلية وإن غير منظورة في الجسم العربي والخليجي.
3 ـ غزو العراق الكويت ثم الحرب التحريرية بقيادة الحلفاء، وكان لذلك آثار عميقة في النفوس والعقول.
4 ـ الصراعات الداخلية في بعض بلدان الخليج بين السلطات القائمة وبعض القوى المعارضة، وما اتخذته أحياناً من مناحٍ طائفية وغير ديموقراطية.
5 ـ بروز أشكال من التطرف الديني لدى بعض الجماعات.
6 ـ استمرار الحرب الداخلية في السودان.
7 ـ نهاية الحرب الأفغانية وانتصار طالبان وانقلاب في بنية المجتمع الأفغاني، ومحاولة تصدير "التجربة" الأفغانية "المجاهدة" إلى نسيج المجتمع الخليجي (والعربي).
8 ـ وقد رافق كل ذلك بروز الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
9 ـ تنامي ظواهر الاستهلاك بقيمها وتجلياتها، وآثارها، مع ما واكبها من الانتماءات الراسخة.
10 ـ تساقط الأفكار الكبيرة التي صنعت القرن العشرين وصاغت أحلام الجمهور وذاكرته من الماركسية إلى القومية وحتى الليبرالية، وصولاً إلى انجازات النهضة العربية والحداثة، وتلاشي الاتجاهات الايديولوجية والالتزام.
هذه الأمور مجتمعة خلّفت خيبات عميقة في النفوس، وأشكال قلق، وفراغاً، وخوفاً من كل ما تجلّى في المراحل السابقة، وأدى إلى هذه الأحوال... وكان نصيب الثقافة من كل ذلك فادحاً، وعلى الأخص الفنون لا سيما المسرح. فكأن "القديم" قد "ولى"، من دون أن يظهر "الجديد". وكأن الارتداد على الماضي يولد ارتداداً على الحاضر والمستقبل. ووجد الجمهور نفسه شبه عارٍ من كل ما كان يصنع أفكاره ومتعته وآماله. وجد نفسه وحيداً ويكاد يكون مجرداً من الوشائج القومية كانتماء وممارسة وتوجيه. ووجد نفسه إزاء تنامي ظواهر الاستهلاك منقاداً لها تحت ضغط انسحاب انجازات النهضة العربية من موسيقى وسينما ومسرح وفكر وحتى تاريخ، فخضع لهيمنة ثقافة التلفزيون "اللحظوية" لتعمم هذه الثقافة على مجمل الفنون.
وقد اتخذت ظواهر الاستهلاك المعممة نمطاً ولافتة وعنواناً هي "العولمة"، والتي استمرت (ولا أقول نشأت) لكن بوجه أحادي متأمرك. ويهمني أن أقول أن "العولمة" لم تنشأ في هذه السنوات الأخيرة، وإنما كانت دائماً مشروعاً ملازماً للتاريخ منذ البابليين والأشوريين والفراعنة وحتى الآن مروراً بالاغريق والرومان والمسيحية والاسلام وأوروبا... بل وأكاد أقول ان النهضة العربية هي نهضة معولمة. فكرنا الحديث فكر معولم. مسرحنا معولم. سينمانا معولمة. روايتنا معولمة. فننا معولم، حياتنا معولمة، سلوكنا معولم. وإذا كانت أوروبا، اليوم، تقف ضد العولمة، فليس لأنها ضد المبدأ، وإنما لأنها ليست مصدرها، أو لا تشارك المشاركة المطلوبة فيها.
والمسرح العربي الحديث أوليس هو معولماً؟ أولم تتأثر كل التيارات الغربية وغير الغربية من ستانسلافسكي إلى ميرخولد وبيسكاتور، وبرشت ومسرح القسوة (أرطو)، والمسرح الفقير (غروتوفسكي)، والمسرح داخل المسرح (بيراندلو)، والمسرح العبثي (بيكيت، يونسكو، البي)، والمسرح التسجيلي (بيتر ايس)... أوليست هذه الاتجاهات والمدارس والتيارات ظواهر معولمة في مسرحنا العربي؟ وما ينطبق على المسرح ينطبق على الشعر الحديث أيضاً...
ولهذا عندما أتكلم على ظواهر الاستهلاك المتنامية في مجتمعاتنا العربية، أقصد ما اخترقنا من الغرب، من ثقافة الحداثة، وما بعد الحداثة، وأعني بها العولمة السلبية. أي العولمة التي تصيبنا بشكل استهلاكي، منمط، براني، بعيداً عن القدرة على الاستيعاب والامتصاص. أي بعيداً عن الابداع والمشاركة في صنع الحضارة الحديثة. ومنذ أكثر من عقد، تفاقمت أشكال الطغيان هذه، في الوقت الذي فقدنا فيه ما يخولنا من مقارعتها، ومواجهتها مواجهة الند للند، حيث إن كل المدارس المسرحية التي أشرنا إليها، والتي تزاحمت في فترة زمنية ضيقة، وتلاطمت وتصادمت، ثم تلاشت، لتخلف فراغاً كبيراً نعانيه الآن. بكلمة أخرى نحس أن مرحلة انتهت، من دون أن تبدأ مرحلة جديدة.
هذه العوامل، إضافة إلى العوامل التي ذكرناها: من ضعف المناحي القومية، والخيبات الشبابية وغير الشبابية من الواقع العربي، والحروب المتتالية، والهزائم، والأزمات الفكرية والاقتصادية، كلها جعلت المسرح أو حلم المسرح في مكان آخر، لتحل محلها عدمية شبه مطلقة، أو الأحرى غير مبالاة شبه كاملة لدى الجمهور بالنسبة إلى المسرح الطليعي والتجريبي والجدي. والجمهور الذي يجد نفسه بدون قضية كتلك القضايا الكبيرة التي حركت وجدانه، ما عاد يجد في المسرح مكاناً للحوار بشأن قضاياه، ولا مشاكله، ولا هواجسه، ولا أحلامه. وبما أن الجمهور تحت كل الضغوط التي خضع لها، صار مشغولاً بقضاياه اليومية، (الاستهلاكية) ومنجذباً إلى ما يشبه هذه القضايا من فنون الترفيه والاستهلاك، انساق إلى المسرح التجاري والشعبوي الذي يسلّع كل القضايا ويصدم جواهرها... بمعنى آخر تحوّل الجمهور من مواطن مدني يحضر المسرح كظاهرة مدنية إلى زبون في مسرح يعامله كمجرد زبون. وقد استغل تجار المسرح وسماسرته هذا الفراغ الكبير ليجعلوا من المسرح مكاناً عمومياً تسلّع فيه القيم، وتستغل القضايا والمشاعر والغرائز استغلالاً شعبوياً، رخيصاً، تحت لافتة واحدة: شباك التذاكر. ولم يعرف المسرح الخليجي (ولا العربي) مرحلة ساد فيه هذا النوع من المسرح الهش، المريض، كسيادته اليوم وسط حطام انجازات المسرح العربي في سنواته الذهبية. الجمهور الذي يحاصر بمثل هذه الظواهر، ينساق إليها، بهدف قطف ترفيه مسموم، ومتعة هشة، بحضور سلبي، يبدو فيه التلقي النقدي (المبدع) شبه غائب.
مسرح بلا مسرح
مسرح بلا قضية. قضية بلا مسرح. مسرح بلا مسرح. جمهور بلا جمهور. جمهور بلا مسرح. مسرح بلا جمهور. هذه هي المعادلات الراهنة في المسارح التي يسمونها شعبية، وهي لا علاقة لها لا بهموم الشعب ولا بقضاياه، وإنما بجيوبه.
فالجمهور الذي دعم المسرح الجدي في الستينات والسبعينات والثمانينات، وهو جمهور "خاص"، ومتنوع: سياسي، ايديولوجي، فني، شبابي، ملتزم، غير ملتزم، هذا الجمهور كأنه انكفأ وعاد لا يحس أن المسرح يشكل المكان "الخاص" (المفتوح) لحوار التناقضات، وحوار الاختلافات، والتعبير الحي، المرئي والجسدي والفني والجمالي عن هواجسه. كأن المسرح بالنسبة إليه، تساوى، كمكان، مع كل الأمكنة...
والجمهور الراهن الذي تربى، على امتداد نحو عقد ونصف عقد، على ثقافة "الفرجة" اللحظوية، أو ثقافة "السمع" اللحظوية، وفي ظل شبه انقطاعه عن إنجازات المراحل الذهبية للثقافة والمسرح، يجد في المسرح الشعبوي تفريغاً لشحنات وطاقات ولكن بشكل سهل ومجاني.
إذاً، الجمهور، اليوم، خارج مرمى المسرح الجدي والتجريبي إلى حد كبير ما عدا بعض الشرائح الشبابية من طلاب وأساتذة ومثقفين، وهي شرائح متناثرة تكاد تكون مناسبية في تواصلها مع المسرح.
إزاء هذا الواقع، ما العمل؟ هل يستقيل المسرح الجدي، والتجريبي، مع صُنّاعه وأهله وجمهوره وأمكنته وخصوصيته، ويستسلم، بذرائع شتى نسمعها تتردد على ألسنة كثير من المسرحيين الكبار والصغار؟
هل نعتبر أن المشكلة "جوهرية" وتتصل بجوهر المسرح، الذي لم يعد لا حاجة "وجودية"، ولا اجتماعية، ولا تعليمية، ولا جمالية، وانه ينتمي إلى عالم آخر انقرض، وعليه أن يلتحق به؟
هل نعتبر أن المسرح الخليجي (والعربي) قد انتهى أمره وقد أدى قسطه للعلى... وعليه أن يستسلم لقضائه المبرم بالرحيل؟
هل علينا أن ننتظر "نهضة" عربية جديدة ننتظرها كانتظار غودو، ونحن نتباكى وننوح من دون أي مبادرة؟
هل نعتبر أن مسألة الجمهور هي مسألة موقتة، تحل نفسها بنفسها، فننتظر أيضاً انبعاث الجمهور من رماده ويقظته من نومه؟
هل نعمد إلى تجديد الخطاب المسرحي بحيث يتلاءم والمتطلبات الراهنة؟
كل هذه الأسئلة مطروحة، ومشروعة، بشكل أو بآخر، ولكن لا بد من إيضاح أن:
1 ـ ليس هناك نموذج ثابت دائم للجمهور. فالمتفرج يخضع للمتغيرات، وليس هناك متفرج واحد لكل الأزمنة والأمكنة. فالمتفرج ابن زمانه. وعليه، مثلاً، يمكن أن نعيد بناء صورة للمتفرج الاغريقي من خلال النصوص القديمة، التراجيدية والكوميدية. وانطلاقاً من قراءة هذه النصوص نفترض متفرجاً ما، يمكن أن يكون "ناقداً" أو بريئاً... ويمكن أن نعيد بناء المتفرج الخليجي في الأربعينات أو المصري في العشرينات أو اللبناني في الستينات من خلال النصوص والعروض والتجارب.
2 ـ المتفرج الخليجي في الستينات والسبعينات حتى التسعينات كان متفرجاً متورطاً في المسرح، وفي القضايا السياسية والايديولوجية والهموم الاجتماعية وبروز تحوّلات داخله: صعود فئات جديدة، وعادات جديدة، وأنماط جديدة، وتناقضات جديدة، على صعيد العائلة والمجموعات والنظام السياسي نفسه.
كان "متفرجاً" ناقداً، لكنه كان أيضاً متفرجاً "مركباً"، من ضمن هذه التعددية. وعليه كان يرى في المسرح، برغم الاختلافات القائمة داخله، جزءاً من المدينة التي تتكون أو تكونت أو جزءاً من الحياة المدنية. وبرغم ما بدا من التزامات مباشرة أو غير مباشرة، لديه، أو انحيازات، فإن ثمة مسافة كانت قائمة بينه وبين النص والعرض والاخراج... هي مسافة النقد.
3 ـ المتفرج الخليجي اليوم، هو متفرج بصري. إيقاعي. ما عادت المدارس والاتجاهات النصية والاخراجية التي تزاحمت وانحسرت كافية لكي تؤمن متعته. وهو في هذا شأنه شأن المتفرج العربي عموماً. ولهذا نجد أن الأعمال التي تخلو من الحركية الجسدية أو من التراكم السينوغرافي قليلة. وهذا يعني (وهذه خطيئة المخرجين أيضاً) أن العنصر الدرامي يتراجع أمام عنصر الفرجة.
أمام الجماليات البصرية والسينوغرافية التي تفترس أحياناً كثيرة النص والممثل والمخرج، عناصر العرض الأساسية، وهذا يفسر ربما تحوّل كبير في طبيعة المتفرج "القديم"، في مرحلة النشمي والضويحي... الذي كان يصغي إلى "الكلام" بعيداً من متطلبات الاخراج المركب والسينوغرافيا، وبين المتفرج "الحديث" المرتبط بالستينات والسبعينات والذي توحدت عنده الرؤيا العرضية: الاخراج والأداء والصورة (البصرية والايقاعية) والدلالة... وبين المتفرج "ما بعد الحديث" (إذا صحت العبارة) والذي نشأ بين الحروب وظواهر الاستهلاك والعولمة المتجددة والنكسات القومية، وبين طغيانية ثقافة التلفزيون، وبين سيادة المسرح التجاري الذي يسيطر على الساحة الخليجية والعربية وكأنه صار القاعدة، والمسرح الجدي هو الاستثناء.
المتفرج المسرحي العربي والخليجي، هاجر إلى أمكنة أخرى. المتفرج القديم، متفرج الستينات والسبعينات، ابتعد إلى حد كبير لأن مسرحه قد انحسر. والمتفرج "الجديد" هو متفرج خارج لعبة المسرح المركبة والتجريبية. بعضهم يطرح حلولاً من خارج المسرح: مثلاً استخدام التلفزيون للترويج المسرحي عبر تقديم عروض، والذهاب إلى بيت المتفرج الذي لا يأتي إلى بيت المسرح. وبعضهم يرى. ولا يمكن فهم دور التلفزيون في هذا المجال وسواه إلا إذا ربطنا هذه الأداة الاعلامية بتطوّر المجتمع وكذلك بتطور أشكال الترفيه الثقافية. وقد تحوّل التلفزيون صدى ظاهرتين مهمتين: 1) الانتقال من استهلاك جماعي شعبي (منتوج واحد تستهلكه فئة متنامية من السكان)، إلى نمط استهلاكي متنوع أكثر فأكثر. ومن ناحية أخرى تطوّر قطاع الترفيه، بحيث قضى حتى على الثقافة الشعبية. وبعضهم يرى "التوفيقية" سبيلاً إلى الجمهور. والتوفيقية، عموماً، هي الدرجة الصفر للثقافة العامة المعاصرة. فالجمهور ذاته يصغي إلى الجاز، وأم كلثوم، ويتناول مآكل غربية ظهراً مثلاً، ومآكل محلية مساءً، ويضع عطراً باريسياً، ويلبس قميصاً انكليزياً، وحذاءً إيطالياً، ويشاهد فيلماً لرامبو وآخر لفريد الأطرش... ومن السهل العثور على "جمهور" للأعمال التوفيقية. "أي شيء يصلح"، وفي غياب المعايير الجمالية يظل من الممكن والمفيد تقويم الأعمال الفنية طبقاً للأرباح التي تدرها. مثل هذه "الواقعية" تتسع لكل الاتجاهات مثلما يتسع رأس المال لكل الحاجات شرط أن تكون للاتجاهات والاحتياجات قوة شرائية.
وهنا يتهدد الخطر المسرح مرتين: مرة من جانب السياسة الثقافية ومرة من جانب السوق. والنصيحة التي تقدم عادة للمسرحيين هي تقديم أعمال تكون مقبولة لدى "الجمهور" الذي تخاطبه، وان تكون سهلة بحيث يفهم الجمهور معانيها كلها... وتريحه. تماماً كما يفهم الأعمال الباقية... من تلفزيونية وسينمائية وبيست سيلرز. إنه الجمهور "المقولب" في صياغة واحدة. إنه المتفرج "الواحد" المشترك ربما والمنسحب على كل الفنون التي لا تجد أحياناً فروقاً بين مستوياتها وآثارها. مثل هذا المتفرج يندرج تحت لائحة "الزبون"، والزبون دائماً على "حق"، وعلى أهل المسرح أن يقدموا وجبات يومية لهذا الزبون تتلاءم مع عموميته وراحته "ومتعته".
إن التوفيقية هذه تُعدم خصوصية "المسرح" من ناحية، وتشوه جوهره، بحيث تنفي أولاً عن المتفرج صفة "المواطنية"، وثانياً صفة "الابداع"، وثالثاً صفة التمييز، وكأنها تسعى إلى متفرج يسمع بعينيه، ويرى بأذنيه، ويصغي بغيابه "الكسول".
وهذا يؤدي إلى الاستسلام لمختلف أنماط التواصل الجديدة (المعولمة، أو ما بعد الرأسمالية، أو ما بعد الحداثة أو ضمن الليبرالية الجديدة... وكلها تسميات ربما وهمية). التلفزيونية، المعلوماتية، الاذاعات، وتقليدها، ونسخها، والخضوع لسطوتها. وهذا يعني أن يتخلى الجمهور في علاقته بالمسرح، وأهل المسرح بعلاقتهم بالجمهور وبالخشبة عن طرح سؤال "الاختلاف" السؤال الذي ينقذه من هذه التوتاليتارية "الليبرالية" الجديدة، التي تريد تحت إلحاح الاستهلاك تكوين مستمع واحد، ومتفرج واحد، ومتلق واحد، يتيح لسلعتها "العالمية" أن تسود السوق العالمية؛ تسود العالم الذي يتحوّل بدوره إلى سوق وشركات وإعلانات... إن سياسة "السوق" و"النموذج" التوتاليتاري المعمم، (أو الايديولوجي الجديد)، وما تحمله من طغيانات استهلاكية، لا تهدم المسرح والجمهور وأهل المسرح، بل وتهدم معاني التعلم والتعليم والمدارس والتجريب والأفكار، تُصفِّيها كلها في نمط موحد في لاوعي جماعي، يصيب الفردية في الجمهور، والفردية في المبدع المسرحي؛ والفردية (لا الذاتية) هي الينبوع الأول، لا للمسرح ومتلقيه، بل لكل الفنون، والابداعات. إنها التميز عن فكرة "القطيع"، وعن فكرة "الاجماع"، وعن فكرة أن المسرح عندما يكون للجميع، فيجب أن يخضع للجميع. مرآة صادقة للجميع.
إن هذه الطغيانيات الجديدة، وتحت مختلف المسميات، كأنها تسعى إلى تصفية ما في الحداثة المسرحية من أسئلة، وما في الطليعية من أسئلة التجريب، وما في الجديد من مغامرة، وما لدى الجمهور والمسرحي، من توق إلى المجهول، وإلى الشغف، وإلى التميّز. وتصفية "ارث" الطليعية المسرحية.
العزلة
يحكى ويكتب وينظر رداً أو تعليقاً، على واقع المسرح الخليجي (والعربي)، وعلاقة الجمهور به، ان السبب وراء هذا الانفصام، أو عزلة المسرح، أو تراجعه، إنما في تغربه كصيغ، أو كتعبير حداثي، عن الواقع، أو عن استرفاده النموذج غير التراثي أو المحلي.
ويطرح بعض الطارحين أجوبة وحلولاً تتصل بهوية الجمهور، وقسماته، وهوية المسرح، وضرورة العودة إلى الذات للوصول إلى الذات، وإلى الآخر، ووصولاً إلى جمهور خليجي عربي خالص، إزاء مسرح خليجي عربي ذي هوية محددة. وهذا مرتبط باقتراحات عديدة سبق أن برزت في بعض البلدان العربية مع توفيق الحكيم ويوسف ادريس تدعو إلى مسرح عربي بقالب عربي وبأدوات "عربية"، وبمواضيع عربية. وحددت هذه الدعوات تحت صيغ عديدة في المغرب والأردن والجزائر...
وهذا يعني، الخروج، على تاريخ المسرح "العربي"، الذي هو أصلاً غير عربي، ولكن بإبداعات عربية. وهو يعني فرض عزلة على "الذات" الجماعية الخليجية والعربية، في وهم مواجهة "الغرب"، و"التغريب" و"العولمة"، والأوربة، والأمركة، دفاعاً عن الهوية... أقصد هوية موهومة. وكأنه، ولكي نعيد الجمهور إلى المسرح، علينا ابتكار أو اختلاق هوية مزدوجة للمسرح وللجمهور معاً، والوقوع في تقوقع، وفي عزلة، وفي انغلاق، لن تكون نتائجها سوى مزيد من التراجع العميم.
هذا المنطق لا يؤدي فقط إلى إيجاد شرخ بيننا وبين العالم، ولكنه يؤدي، في النهاية، إلى قيام غيتوات مسرحية قطرية (وربما مناطقية)، بحيث ندعو لحماية جمهورنا المسرحي أو اصطياده، إلى مسرح خليجي صرف منفصل عن المسرح العربي، ومن ثم ندعو إلى مسرح كويتي أو قطري أو بحريني صرف منفصل عن المسرح الخليجي. ونقسم الجمهور إلى جماهير مصغرة "خليجية" ومن ثم كويتية فقطرية فبحرينية... إن فكرة تجزئة المسرح، حتى على صعيد ادعاء تراثية ما، أو هوية ما (ما هو تراثنا، ما هي هويتنا)، تقضي على فكرة المسرح نفسه، الذي هو، في النهاية، فن انساني مفتوح، بنصوصه واخراجاته، وبجمهوره. فما يفترض أن يميز جمهور المسرح في أنه جمهور شامل، متعدد، خصب، محاور، متسع الآفاق، خارج كل اثنية، أو طائفية أو قبلية، أو عائلية، أو توتاليتارية أو شمولية.
ونحن نعرف أنه لا المسرح العربي عربي خالص، ولا المسرح الغربي غربي خالص، وهذا ينسحب إلى التكاوين الثقافية للمتفرج، الذي ليس هو لا متفرج خليجي خالص، ولا متفرج عربي خالص، وتالياً ولا هو متفرج غربي خالص. فكل فرد منا، سواء كان من هنا أو من هناك، حصيلة "هويات" عديدة غير ثابتة وغير أبدية وغير جامدة. وتحجر المتفرج في مرحلة، أو في لون، أو في شكل أو في هوية، هو إعدامه كانسان أولاً وكمتلق مبدع ثانياً. حتى مفهوم المسرح، كما رأينا، ليس واقفاً في فكرة أو في شكل، وإنما هو على تفاعل مع الذات الجماعية بكل تطوراتها ومفاجآتها وصدماتها.
ولهذا يمكن القول انه ولكي تكون متفرجاً "عربياً" حياً، وخلاقاً، وإيجابياً، عليك أن تخرج من عروبية ثابتة، مغلقة. ولكي تكون متفرجاً خليجياً حياً، وخلاقاً وإيجابياً، عليك أن تخرج من خليجيتك الجاهزة، والموضبة، في قيم وأساطير الآخر. فالمسرح الفرنسي أو الانكليزي أو الأميركي أو الاسباني، ليس هو مسرحاً فرنسياً أو انكليزياً... إلا بقدر خروجه من هويته الضيقة. إذ لا مسرح فرنسياً خالصاً، ولا مسرح انكليزياً خالصاً، وتالياً الكلام على متفرج من صنف فرنسي معمم مثلاً هو كلام واهم، يصيب مفهوم المتفرج والمسرح معاً. وهذا يقودنا إلى الكلام حول ما يشاع عن صراع حضارات أو حوار حضارات... وهذه مقولات من اختلاقات استعمارية. فالمهيمن ينادي بـ"صراع الحضارات" كما هي الحال اليوم، والضعيف يدعو إلى "الحوار". ولكن أي صراع؟ وهل الحضارة الغربية غربية؟ وهل الحضارة العربية عربية؟ أوليست الحضارة الغربية هي تراكم انجازات ألوف السنوات شاركنا نحن بصنعها منذ البابليين والفراعنة والفينيقيين والمسيحية والاسلام؟ لكن يحدث ن القوي يصادر هذه الحضارة وينسبها إليه، كما نرى اليوم، ويحدث أننا نقع في هذه الفخاخ فنتنكر لهذه الحضارة وقد ساهمنا في صنعها. وهذا ينسحب على مقولة "الأنا" و"الآخر". فمن هو الآخر سوى الأنا، ومن هو الأنا سوى الآخر. هذه الثنائية المانوية إما من صنع ميتافيزيقي متسامٍ، أو من صنع سياسي ومصالح مباشرة اقتصادية أو استثمارية...
فلا هناك صراع بين الشعر العربي والشعر الغربي، لأنه ليس هناك شعر غربي بالمعنى الخالص، ولا شعر عربي بالمعنى الخالص، وليس هناك صراع بين المسرح العربي والمسرح الغربي. لأن ليس هناك لا مسرح غربي خالص، ولا مسرح عربي خالص.
على هذا الأساس نقول ان ما يهدد المسرح العربي، اليوم، بأهله وبجمهوره، ليس "الأمركة"، ولا "الأوربة" ولا "العولمة"، وإنما ما يهدده هو محاولة الانئسار في هوية أسطورية تتوجه إلى أحجار الماضي، والي بنى ثابتة لا تفصلنا عن العصر فقط وإنما عن ذواتنا وانجازاتنا التاريخية، من هنا، علينا ألا نفهم ثقافتنا، كمتحف نودعه موروثاً جامداً ونهائياً، لأن هذا ما تريده القوى الخارجية المهيمنة.
ويجب ألا يُفهم من كلامي أني أدعو إلى مسرح بلا لون ولا طعم ولا جذور غير مرتبط بواقع ما، أو بمسألة، أو بمكان.ولكن ما أردت قوله أنه إذا أردنا أن نبحث عن حلول لأزمة المسرح الخليجي أو العربي وجمهوره. فعلينا ألا نستسهل حلولاً تأتي من معاداة المسرح غير العربي تحت شعار قوالب عربية أو خليجية، وتالياً علينا ألا نستسهل حلولاً تأتي من اعتماد تراثية أو محلية، تجذب جمهوراً فولكلورياً ضيق الأفق، وتالياً علينا ألا نستسهل باعتماد توفيقية ما باسم المسرح الثالث، يؤدي في النهاية إلى مسرح مبسط أو تجاري، وعلينا ألا نستنفر مشاعر قومية كذريعة لاصطياد الجمهور بحيث يصبح المسرح مضموناً ومحتوى بلا مسرح.
من هنا يمكن القول: علينا الاعتراف أولاً بأن ثمة أزمة كبيرة بين المسرح الخليجي (والعربي) وبين الجمهور. والحلول لا تأتي بوصفات جاهزة: وصفة للمسرح الخليجي. وصفة للمسرح الكويتي. وأخرى للقطري. أو للسعودي... ثم نعمم هذه الوصفات، إلى وصفة للمسرح اللبناني وأخرى للسوري وأخرى للمغربي أو الجزائري...
فلا الوصفات السحرية تحل الأزمة، ولا الشعارات، ولا العزلة، ولا الاندفاعات، علينا أن نبحث أولاً وبطريقة علمية موضوعية إيجاد أجوبة ما عن أسئلة متصلة: لماذا لم يعد الجمهور يأتي إلى المسرح؟ ومن يأتي إلى المسرح الجدي، ومن يقصد المسرح التجاري ومن لا يقصده؟ إلى أي حد يمكن اعتبار المسرح الخليجي نفسه (والعربي) مسؤولاً عن تفاقم هذه الأزمة مع الجمهور لكي لا يكون المسرحيون براء أو نافضين أيديهم من هذه المعضلة؟ وإذا كان المسرح لا يبدأ، ولا ينتهي عند حدود الخشبة، فما الدور الذي تلعبه العائلة، والمؤسسات التربوية والتعليمية ومعاهد الفنون وطرق التدريس في تكوين متفرج حر وإيجابي؟
وإلى أي حد أصابت الرعايات الرسمية والدعم الرسمي للمسرح عمق العلاقة؟ وإلى أي حد لعب التلفزيون دوراً سلبياً على تكوين المتفرج؟ ووسائل الاتصالات الحديثة والانترنت هل كان لها أثر في كل ذلك؟ وإلى أي حد لعب الصراع السياسي والديني والفكري والديموقراطي والايديولوجي دوراً سلبياً أو إيجابياً في المتفرج؟ والمسرح التجاري هل كان فعلاً العنصر الأساسي الذي دمر العلاقة بين المسرح الجدي والجمهور؟
هذه الأسئلة تفضي إلى أخرى: أي متفرج نريد؟ وهل يجوز لنا أن نضع مواصفات متفرج نموذجي معمم؟ وهل نضع وصفة لمتفرج نريده على صورتنا، بحيث يرى بأعيننا، ويسمع بآذاننا ويؤول بتأويلاتنا؟
كيف؟
المسرح الخليجي في أزمة؟ وكبيرة شأنه في ذلك شأن المسرح العربي. الرواد إما صمتوا أو رحلوا أو اقتصدوا في أعمالهم. والمخضرمون أعطوا ولكن واجهتهم التحولات والحروب وطغيان الاستهلاك وتراجع الأفكار الايديولوجية والسياسية وبروز ملامح صراعات طائفية، وأزمات اقتصادية. أما الجيل الجديد، وفيه مواهب كبيرة، قدمت أعمالاً مهمة، فإنه، والجمهور في النقطة التي قد لا يجدان فيها شيئاً يستندان إليه. هكذا وحدهم. الجمهور "هجر" المسرح، أقصد الجمهور المعني، أو كما أسميناه "الجمهور داخل الجمهور".
ونظن أن كل الأسئلة، والأجوبة، والاقتراحات والحلول يجب أن تنطلق من المسرح يعاني مشكلة، وان جمهوره يعاني مشكلة أيضاً، المشكلة، مشكلة الجمهور، مسرحية بالدرجة الأولى. وعندما تعالج قضية المسرح ننجح في استعادة الجمهور إليه.
أقصد، وكما أن أزمة الفن التشكيلي لا تحل في الشعر، وأزمة الشعر لا تحل في التلفزيون، فإن أزمة الجمهور ـ المسرح، وأياً كانت التصورات، تبدأ في المسرح وتنتهي في المسرح (ولا أعني هنا فصل المسرح عن الظواهر الأخرى).
فالجمهور، يذهب إلى المسرح لأنه يريد أن يرى مسرحاً. أي عملاً فيه من العناصر والمقومات ما يجعله مختلفاً عن الفنون الأخرى.
وقد فقد المسرح في السنوات العشر الأخيرة معظم المقومات التي تجعله مسرحاً، ودراما، من خلال طغيان السينوغرافيا أو الكوريغرافيا والرقص والغناء والاداءات الحركية، التي أصبحت موضة سهلة أفرغت المسرح من دراميته، وعرّته من تميّزه. إذ عدنا لا نفرّق، في كثير من الأحيان، بين العرض الراقص، أو الفولكلوري، أو الجماليات الحركية، وبين المسرح. حتى صار الرقص مثلاً ملازماً لكل عمل مسرحي تحت شعار "التعبير الجسدي" كما كان الرقص الشرقي ملازماً لحقبة طويلة من الأفلام العربية.
ولهذا بدأ التجريب (إلا عند بعض الشبان) في الاختفاء. وعندما يختفي التجريب في حدوده المهنية على الأقل يبطل المسرح).
ولهذا، وبفضل بعض المخرجين، عاد الجمهور لا يفرق بين أن يذهب إلى حفل راقص لفرقة راقصة، وبين حفل راقص في عمل مسرحي، وبين أن يرى فرقة استعراضية في أمسية استعراضية، وبين استعراضية في عمل مسرحي. اختلط الحابل والنابل، وكان المسرح هو الخاسر، لأنه فقد خصوصيته. فقد المسرحة.
على هذا الأساس نرى أن لا حل لمسألة الجمهور، لا في التفاؤل القومي، لا في معاداة العولمة، لا حل لمسألة الجمهور إلا بمصالحته أولاً مع مسرح جدي يحفظ هويته وتميزه، وعندها يستطيع أن يعبر عن همومه الاجتماعية والسياسية والاستهلاكية بطريقة مسرحية، لا تلفزيونية ولا إذاعية ولا تشكيلية ولا راقصة ولا عتابا ولا مواويل ولا فولكلور.
بالمسرحة وحدها نكون مسرحاً ونكون جمهوراً مسرحياً في الخليج والعالم العر

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00