8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جريمة "الغريبة القبيحة" بحق ثقافة لبنان مَنْ استباح الأدب اللبناني وشوّه صورته في فرنسا؟

أُعلن أن "الآداب الجميلة" في فرنسا التي ينظمها المركز الوطني للكتاب تكرم الأدب اللبناني، رائع! إلقاء ضوء على نتاجنا المتنوع الخصب في هذه المرحلة التي يجد وطننا نفسه على مرمى التهديد بالحروب والاغتيالات والانقلابات و"سوء المصير". عال! قلنا قد يعوض، هذا التكريم، ما أصاب ويصيب هذا البلد من إجحاف "عروبي" و"أعجمي" وغربي على مدى ثلاثة عقود!
براو، الأدب اللبناني مكرماً: والكل يعرف أن الأدب متعدد بأنواعه ولغاته وأجناسه من شعر الى رواية، إلى قصة، إلى نقد (ادبي) إلى فلسفة، إلى مناهج بحثية، إلى المسرح، ككتابة، والى فكر أيضاً يتعاطى مقاربة النصوص الأدبية، براو! انتظرنا! وكثيراً: فالفرنسيون جديون، وتفترض أن "المستشارين" واللجنة جدية ومطلعة ونزيهة، ثم انفرجت الأسارير وتصاعد البخار الأبيض من المدخنة السوداء: والنتيجة: اختيار 12 كاتباً وكاتبة: 9 منهم روائيون و3 شعراء.
ولم تكن الصدمة بالأسماء دون الصدمة على مستويات عدة أولها أن التكريم بدا للرواية في وفد يطغى عليه الروائيون ليظهر الشعر تعيساً ملحقاً بالرواية في تظاهرة أدبية. وكانت إهانة للتجربة الشعرية اللبنانية من الأكثر طليعية في العالم العربي منذ مئة سنة وقد رد محمد القاسمي بأن اللقاء هذا كان مقرراً للرواية ثم ولتكريم الشعر فقد طُعِّم. زيّن وبُهِّر بثلاثة شعراء. براو، وكيف لنا ألا نشكر مستشار "المشروع التكريمي" محمد القاسمي لا سيما عندما رد على مقال بيار ابي صعب الدقيق والنقدي عن تغييب بعض الأسماء بحجم أنسي الحاج وبول شاوول وسواهما فقال القاسمي: أردنا وجوهاً جديدة! براو يا محمد القاسمي (قرأنا نصوصك المسرحية جيداً!) باعتبار انسي الحاج وبول شاوول من الوجوه القديمة: وعباس بيضون والياس خوري وحسن داوود ورشيد الضعيف من الوجوه الجديدة عال! علماً بأننا وهؤلاء من جيل واحد جيل السبعينات، أما إذا قصد المسرحي الفرانكوفوني أن قياس الجدة بجدة النص. فيعني أنه تنكبَّ مهمة نقدية كبيرة ليس مؤهلاً لها، لا بثقافته الشعرية العربية ولا الأجنبية، إذاً، المستشار "الدرامي" يعين نفسه جنرالاً شعرياً برتبة مقرر وناقد، وشيخ طريقة برتبة مصدر فتاوى. براو، إذاً أرادوا أن يكرموا الشعر بنفيه، وباختزاله (لا اعتراض على الأسماء كي لا يساء فهمي، ولكن ما كنت لألبي مثل هذه الدعوة إذا كان الشعر ذيلاً أو مشوهاً أو مبتوراً).
وهذا الوفد الروائي اختزل أيضاً ومن خلال لجنة هيمن عليها بعض دور النشر الفرنسية فاختارت الأكثرية ممن نشرت لهم، بغية انتهاز هذه الفرصة "اللبنانية" للترويج. فكان أن معظم الذين اختيروا من الروائيين هم ممن نشرت لهم هذه الدور المذكورة فكان نتيجة ذلك إن استبعدت أسماء روائية بارزة كهدى بركات وربيع جابر وحنان الشيخ ومي منسى وجبور دويهي وأحمد الزين... إذاً وفد روائي "مُخَردق" بضغوط دور النشر وبالعلاقات الاخوانية: قريبة الموظف والناقد المسرحي روبرت ابو راشد أدرجت في الوفد كرمى لخالها ذي التأثير وهي بنصوص "Bandes dessin??s" عال! براو. روبرت في الوطن كما في المهجر!
أما المستويات الأخرى فنسأل: هل الأدب هو الرواية والشعر فقط؟ والمسرح كنص ألَمْ نتعلم كورني وراسين وموليير وهيغو وكلوديل وجيرودو وجان جينيه وبيكيت وجورج شحادة ويونسكو ضمن المناهج الأدبية. الطريف ان القاسمي هو مسرحي عيّن مستشاراً للأدب، ولم ينتبه الى ان المسرح ككتاب نصوص غائب: وعندما في لبنان ما يبيض الوجه من يعقوب الشدراوي الى ريمون جبارة وشكيب خوري وجلال خوري وعصام ابو خالد وسهام ناصر (كطريقة كتابة خاصة)..
إذاً من قرر في هذه اللجنة المرتهنة بدور النشر أن النص المسرحي لا ينتمي الى الأدب وعندها وعلى هذا الأساس علينا أن نطالب بتغيير البرامج الفرنسية في فرنسا وفي لبنان والعالم العربي ونلغي فن المسرح من مناهج الاختصاصات الأدبية (لا اتكلم عن العرض).
هذا بالنسبة الى المسرح، وماذا عن النقد: ألم يعلمونا في الصفوف الثانوية والجامعية أن تعلم النقد يندرج ضمن المواد الأدبية أيضاً: ولو خذوا معكم يا بتوع لجنة حسب الله ناقداً أو باحثاً ليضيء على الأقل موقع الرواية اللبنانية أو الشعر أو الكتابة المسرحية. وماذا عن القصة القصيرة: أمحذوفة أيضاً يا بتوع لجنة "الاستشراق" و"الاستغراب" من الأدب؟ أوليس عندنا قاصون؟ ولو! طيب: أولم يكن من المستحسن يا "حكماء" لجنة دور النشر وهمومها الترويجية، أن يكون في صفوف هذا الوفد ولو مفكراً واحداً، مفكراً ثقافياً أو فلسفياً أو أدبياً... يضيء قليلاً على علاقة ما كتب ويكتب بالتاريخ، والحروب، ولبنان، وكل ما عاناه ويعانيه لبنان! إذاً، ولأن رؤوس اللجنة سياحية واخوانية، نزعوا كل مضمون تاريخي أو فلسفي؛ أو فكري، أو نقدي راهن، عن الثقافة اللبنانية لا سيما في عقودها الثلاثة الماضية وحتى اليوم، وحيّدوا معاني "المقاومة" بالكتابة، وبالممارسة وبالموقف، عن واقعها! فلبنان يعامل، بالنسبة الى اللجنة هذه، وكأنه يعيش فردوساً أمنياً، وأنه لم يعان شيئاً منذ ثلاثة عقود: كأنه سويسرا أو السويد أو المريخ! براو! إذاً فلتكن البرمجة مرتبطة بذهنية اللجنة: كشفية + سياحية + ترويجية فهذه من شؤون الكتاب اللبنانيين ضمن لبنان وليس في الخارج. أو فلنقل أرادوا برنامجاً ينسجم مع الذهنية الابتسارية في حدودها المجحفة.
فالشعر ليس وحده مشوّهاً ومبتوراً في تمثيله الهزيل نسبة الى الروائي، بل الأدب اللبناني ككل، بل والثقافة اللبنانية التي ساهمت في قيام النهضة العربية، والحداثة، وحاربت في أزمنة الخطر من أجل الديموقراطية والحرية، والهوامش الحضارية؛ الثقافة اللبنانية هي المستباحة في جوهرها، وفي طاقاتها، وفي تطلعاتها، وفي طليعيتها، وتجريبتها ودورها...
ونظن، أن الشعر وهو رديف أساسي من روافد هذا الثقافي، وإن أصيب بأضرار بالغة لا يستطيع أي من الذين شاركوا تعويضها، إلاّ أن استباحة الثقافة اللبنانية، ليست سوى صورة أخرى من استباحة لبنان ومستبيحو أرضه وتاريخه وناسه وديموقراطيته وكيانه ودولته على امتداد عقود من الوصايات، كأنهم وضعوا لبنان في خانة هذه الاستباحة الدائمة، وحتى بات طبيعياً وعادياً لأي كان أن يعمد الى الانتقاص منه من دون أي شعور بالذنب أو من دون أي رادع وضمير ومحاسبة.
ونحن نسأل: لو كان اختيار "الغريبة الجميلة" لبلد آخر كمصر، أو كتونس، أو كالمغرب أو كبريطانيا أو كالهند، أكان تجرأ أحد على استباحتها، ومعاملتها بهذه الخفة، وهذا الاجتزاء، وهذا الاستخفاف بل وهذه الدونية، والامتهان والاحتقار.
كأنما لبنان لا يكفيه ما يعانيه من صنوف المصادرة حتى تكتمل هذه الدائرة بتشويه ثقافته، وتقطيعها وتقزيمها واحتقارها، أمام الآخر البعيد.
نكرر: لا اعتراض لنا على الأسماء، بل على تلك الطرق "الملتوية" أو التجارية، والانتهازية، والإقصائية، (والجاهلة) التي اعتمدتها هذه اللجنة التي يسجل أنها ارتكبت فضيحة ولا كالفضائح، وجريمة ولا كالجرائم في حق الثقافة اللبنانية!
فمبروك!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00