8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الجمهورية على موعد مع رئيسها الجديد

المطلوب حالياً، وبحسب الدستور، انتخاب رئيس جديد للجمهورية، اثر "نفاد" وَنَفَقِ ولاية رئيس مزرعة بعبدا، الممدّدة ولايته كتمديد المطاط المضغوط. إذاً، المطلوب انتخابٌ في موعده، لرئيس جديد: فالحكومة عندها رئيسها. ومجلس النواب عنده رئيسه أيضاً (ومجلسه بات افتراضياً، أو نظرياً). وهناك مَنْ يريد انتخاب الرئيس العتيد بالديموقراطية البرلمانية، مما تعني الثلثين في الدورة الأولى، والنصف زائداً واحداً في الدورة الثانية، إلا إذا قام توافق على رئيس، لا تتنازل فيه الأكثرية عن سبب وجودها واستمرارها: المتمسك بالسيادة، والاستقلال، والدولة العادلة، والديموقراطية، وضرورة بحث مسألة الكانتونات الدويلات، والأسلحة المشرّعة من الحدود الشمالية المشرّعة... والقرارات الدولية. هذا هو برنامج أي مرشح من الأكثرية المنتخَبَة من الشعب اللبناني. وهذا يعني أن الرئيس سيكون البرنامج والبرنامج هو الرئيس. وهذا يعني أن تزكية أي رئيس لا يحمل "وزر" هذا البرنامج تعني التخلي عن الناس، وانتفاضة 14 آذار، ولبنان وسيادته... وربما كيانه ودولته. ونظن أن المبادرات الداخلية والخارجية أياً تكن ناصعة نياتها ومخلصة إراداتها، يجب ألا تحيد عن هذه "الأساسيات" المفصلية، العضوية، والتاريخية... وحتى المصيرية. وهنا يُدرَج السؤال الأهم: ماذا لو نفّذت الوصاية الشقيقة عبر "يتاماها" في لبنان، وألسنتها، وأذرعها، تعطيل الانتخاب لإحداث فراغ واستدراج "حرب خنادق": أتخاف الأكثرية، وتتراجع، وتقبل فرض الأمر الواقع؟
بيت القصيد أنه بين فراغ تبشّر به جماعة 8 بازار ذات "الاقليمين" و"الجوارين" و"القرنين" وبين انتخاب رئيس بالنصف زائداً واحداً (إذا تعذّر الاستحقاق بفعل ما يهددون به). يبقى الخيار الثاني ضرورياً. وعندها تحمل ردود فعل 8 بازار: إما تمرداً وعصياناً، وفبركة حكومة ثانية، وغزوة على السرايا وتخريباً، (كما عَوَّدونا بإذنه تعالى!) ومحاولة تعزيز تقسيمات كانتونية على مستوى الادارات، والجغرافيا، والدولة، وإما أن تختار 8 بازار الرهان الديموقراطي، أو التسوية (ضمن الأساسيات التي ذكرنا) أو الحوار، أو اللقاء، أي المنحى الذي يعزز الآلية الديموقراطية، والتوافق غير القسري. لكن مَنْ يتتبّع" "مأثورات" بعض 8 بازار، ولا سيما رئيس مزرعة بعبدا قد يتأكد من أن هؤلاء الذين اغتصبوا رئاسة الجمهورية بدعمهم الرئيس "العسفي"، وأغلقوا مجلس النواب وكأنه دكان لبيع الخضر والفول والمجدّرة والفلافل، وأداموا عسكرتهم في الوسط التجاري والتي عززوها قبل أيام (كبديل من أرض اسرائيلية!)، وانقلاباتهم الفاشلة يبدو أن هؤلاء وإن أوحَوا حواراً ونيات متناظفة لا بدّ يحضرون "لشيء" ما، رُسم لَدُن الوصايتين لينفذ بأيدي العملاء والمجرمين والانقلابيين. ونتذكر جيداً أن بازاريي 8 بازار، كانوا كلما تظاهروا بالمهادنة ورحبوا بلقاءات، أو بمبادرات، يهيئون بالخفاء والتوازي "خطوة" انقلابية عنفية مجنونة وموتورة. فالظاهر والباطن على تضاد ومعسول الألسن أحياناً يقطر سموماً. وتخشى في ما تبقى من أيام تفصلنا عن 12 الشهر الجاري أو الرابع والعشرين منه، أن يُقدم هؤلاء (ومَنْ وراءَهم من قتلة ومجانين وإرهابيين) على عملية كبرى قد تكون اغتيالاً جماعياً أو فردياً أو مغامرة تخاض هنا وهناك لنصب الخنادق وإشعال الفوضى، وتعطيل كل شيء! (فهذا قد يكون متوقعاً لأن أفضالهم وأيديهم البيض لا فُضَّت وأنيابهم هرهرت علينا في "منعطفات انقلابية مقنَّعة، و"سافرة" بات يعرفها الداني والبعيد بنور "قذفه الله" في صدور المؤمنين، والورعين، وأهل السماء وغير الآدميين بإذنه بإذنه تعالى!).
ويمكن تشبيه المشهد الحالي: بأن أمام الأكثرية الانقلابيون، ووراءهم الهاوية: وأي خطوة الى الوراء لمصلحة هؤلاء سترميهم في القعر. وهذا هو معنى الصمود، وهذا هو معنى الخيارات المحدّدة التي وضعها بتوع 8 بازار في مواجهة الاستقلاليين، وتتلخص بأن تكاوين 8 بازار كأنها رد فعل شامل على "أحلام" 14 آذار (مع أن الفارق الزمني للتسمية لا يتعدى الأسبوع!).
فأهل ثورة الأرز استقلاليون والآخرون استقصائيون و"انتدابيون"؛ وأهل ثورة الأرز سياديون وهؤلاء وكلاء خارجيون؛ وأهل ثورة الأرز ديموقراطيون وهؤلاء أقرب الى مربَط أعنتهم وقراراتهم: شموليون؛ وأهل ثورة الأرز تعدديون ضمن الوحدة الوطنية، والآخرون إلغائيون أحاديون ضمن التقسيمات الكانتونية؛ أهل ثورة الأرز سلميون لم يلجأوا الى أي عنف وتكسير وغزوات، والآخرون ترهيبيون، عنيفون، قسريون، لم يعمدوا الى خطوة... إلا وكان العنف تعبيرها وصورتها؛ أهل ثورة الأرز عروبيون بالمعنى الشعبي والديموقراطي والحضاري والانساني والاجتماعي، والآخرون "أعاجم" بلكنات "عروبية" لا تتعدى شعارات تستخدم كذرائع لنفي العروبة، وممارسة القمع، والاستبداد (فهل العروبة تعني الاستبداد والقتل!)؛ أهل ثورة الأرز يؤمنون بالدولة العادلة القوية بشفافيتها وديموقراطيتها، والآخرون يخططون لتدمير الدولة والاستيلاء على مقدراتها، وتحفير حدود الكانتونات والخروج على القوانين والأعراف؛ أهل ثورة الأرز "دستوريون" (الطائف)، ضمن التوازنات الضرورية بين مكوّنات الشعب، والآخرون معادون للدستور ومنقلبون عليه، كتمهيد لاغتصاب النظام والدولة. أهل ثورة الأرز يطالبون بالعدالة، وبمعاقبة قَتَلة شهدائهم ابتداء بالرئيس رفيق الحريري وانتهاء بانطوان غانم ومروراً بسمير قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني وباسل فليحان، وبيار الجميل... وبدعم المحكمة الدولية، والآخرون يغطون القَتَلة، ويبرئونهم لتضليل التحقيق من ناحية وتعطيل المحكمة، وكذلك لإهدار دماء اللبنانيين الأحرار في 14 آذار.
إذاً هناك خطان متوازيان لا يلتقيان (إلا بإذنه تعالى) يتواجهان اليوم، عشية الاستحقاق الرئاسي. وإذا التقيا طبقاً لمبادرات، وتسويات، فإن اللقاء "الموعود" أو الافتراضي، لا يمكن أن يكون على حساب ما حققه معظم الشعب اللبناني: إذا ماذا سيفعل رئيس إذا "جيء به" كمتاع رث، أو كحضور شكلي يمنح الآخرين فرصاً لتحقيق مأربهم، بسلبيته أو بضعفه، أو بلا طعمه ولا لونه. لا شيء: واللقاء يكون "آنياً" لتمرير الاستحقاق، ليصبح بعدها إمعاناً في الافتراق، والعودة الى الصفر، واسترجاع عهود الوصايات. فحتى اختيار رئيس يأتي بخفي حنين ويذهب بأسوأ من خفي حنين، ليترك الأمور على أحوالها، سيكون، مباشرة أو غير مباشرة خادماً للنزعة الانقلابية: رئيس بلا خيارات يعادل خيارات بلا رئيس! فاللحظة "التاريخية" التي نعيشها لا تقبل الاعتثار، أو التلكؤ، أو التهرّب، أو الخضوع لمنطق الترويع، أو حتى لمنطق التنازلات. الرئيس الوهمي يقوم على رئاسة وهمية، وربما على وطن وهمي، وحدود وهمية ودولة وهمية. والمطلوب استكمال الخروج من الواقع "الوهمي" الذي زرعته الوصايتان في الوطن من أقصاه الى أقصاه: الواجهات بلدية والخلفيات وصائية. ولا نظن أن مَنْ استشهدوا، ومَنْ نزلوا الى الشارع، وتظاهروا سلمياً، وكافحوا، يقبلون أن تُزَوَّر شهادتهم، أو حضورهم وانتماؤهم، الى البنود التي رفعها رموز 14 آذار. فالموت يوازي الحياة. والحياة تعني الوطن، والحرية، والسيادة، والعدالة، والحدود المضبوطة، والدولة المنتشرة على كل الدولة من دون امتيازات لأحد، أو استثناءات لأي فريق مهما تدجَّجَ بالمال والسلاح والتهديد والتهويل والتكفير والتخوين والاستكبار (على شو دخلكن؟)، فهذه عدة النَّصب التي عرفناها وخبرناها أكثر من ثلاثة عقود. (وما أجمل الخَوَنَة إذا خَوَّنوا، والتكفيريين إذا كَفَّروا، والمارقين إذا "استحصَنوا بالعفة).
هذه العدة، التي هي من دلالاتهم وبلاغاتهم (الدموية)، ها هم يشحذونها من جديد، ويلوّحون بها (على تقادمها وَصَدَئها) وكأنها من رايات استباحة الارادة الديموقراطية، ونوازع المجتمع، وأحلام الناس؛ وما شأنهم بالناس ما داموا جاهزين في كل لحظة إما للكذب عليهم، وإما لجعلهم "قطعاناً" مهيأة "للذبيحة"، و"القرابين"، من أجل خوارج الخارج. بل وأي احتقار يكنه هؤلاء للناس، هؤلاء الذي يدّعون تمثيل إرادة الناس: وما معنى التضليل الاعلامي والسياسي وحتى الديني والفكري سوى أن مَنْ يعتمدها يرى في هؤلاء الناس مجرّد أدوات وذرائع في خدمة مصالح الآخرين من أنظمة، وجهات، وأجهزة! وماذا يعني تجاوز إرادة أكثرية الناس سوى مشاعر الكراهية، والاحتقار لهؤلاء، بل وأكثر: ماذا يعني "استخدام" "الأقلية" (بعد الانتخابات)، ووضعها في مواجهة "الأكثرية" سوى امتهان ضمير هذه الأقلية، وتدميره، وجعله خرقة بالية في مساراتهم، وعنجهياتهم، واستكبارهم! فهم يريدون حالياً، وباسم الأقلية، أن يقفزوا فوق الأكثرية: وهذه طعنة في الاثنتين: الأقلية لأنهم يجعلونها في مواقع غير مواقعها، والأكثرية لأنهم ينفونها وينكرونها بعقولهم الاستبدادية، الطغيانية: ومتى كانت الفاشيات تحترم الناس: تُضلّلهم؟ نعم! تكذب عليهم؟ نعم! تلغيهم؟ نعم! تبيع دماءَهم؟ نعم! تنفيهم عن أي قرار؟ نعم! تصادرهم؟ نعم! لكن كل هذا يتم باسمهم: تذكروا هتلر وموسوليني وستالين... تعرفوا الى أي مدى، عمد هؤلاء، باسم الجماهير، الى قمع الجماهير وقتلها، وتوريطها وإلغائها وغسل أدمغتها بالاعلام المزيّف: تذكروا هؤلاء وقارنوهم بما هو موجود عندنا: لا فارق أساسياً، ولا حتى "خصوصية" في الخطاب السياسي والايديولوجي سوى تحبير "عبارات" واصطلاحات، وتحويلها من نص أيديولوجي توتاليتاري سابق الى نص أيديولوجي آخر توتاليتاري أو ثيولوجي أو غيبي أو قومي راهن!
من هنا، إن جماعة 14 آذار (كأكثرية) عندما يصرّون على الاستحقاق الرئاسي في موعده الدستوري فيعني أنهم يصرّون على "احترام" الناس حتى الأقلية المنتخَبَة، ويجلُّون إرادتها، ويعملون بوحيها. ولهذا فأي تراجع، تحت مسميات وهواجس، لا يصيب مقاتل الأكثرية فقط، بل كل الشعب اللبناني. ولا يعتدي على مكانتهم بل على مكانة كل هؤلاء تماماً كما كانت الحال عندما كان بتوع 8 بازار ينتهكون أمن الناس وحرياتهم بعنفهم وقطع الطرق والاعتداء عليهم، وتهديدهم: ماذا يعني هذا سوى احتقار شامل، لا "لجمهور" الأكثرية بل لجمهورهم أيضاً! إذ ماذا تنتظر من ""قوم" يستبيحون الانسان، وخصوصاً في بلدهم؟ فهؤلاء، سيقمعون، لا محالة، ناسهم، إذا بدا لهم أنهم بدأوا يكتشفون "حقيقتهم" المرّة، ويعون خطورة ما يقدمون عليه. وعندما يهوِّل بتوع 8 بازار بالحروب وإطاحة الدولة والكيان (كما تفوّه عميل الوصايتين والقرنين لحود بعبدا وسواه) فماذا ذلك سوى استغلال "غرائز" ناسهم المقولبة، للعب بحيواتهم، ومصائرهم. وهل خيانة الناس وجعلهم وقوداً لمصالح الغير، وهل تدمير البلد، سوى تجسيد فكرتهم السوداء عن الناس عموماً!
يريد هؤلاء الانقلابيون اليوم أن يمشوا على جثث أهلهم ومواطنيهم ليحققوا إرادة الخارج، فكأن بلدهم هو من متاع هذا الخارج، ويريدون أن يحرقوا الجمهورية كُرمى لعيون جمهوريات الموز والخس والبندورة... والاستبداد. ويريدون أن يخرّبوا كل شيء من الدستور الى الدولة الى الاستحقاق الى الكيان، لينفذوا من هذا التخريب الى إلغاء هوية البلد، وتسليمه الى الوصايتين: باسم الايمان، ومصلحة الوطن، والدستور، والشرعية.
الاستحقاق الرئاسي يقترب، وتتصاعد معه التهديدات، والخطط الماكرة والدموية، ورسم المؤامرات، والاغتيالات، والتفجيرات، وراء الكواليس والأقبية الداكنة السوداء كسيمائهم؛ ومع اقتراب الاستحقاق يضع الناس أيديهم على قلوبهم، وقلوبهم على أيديهم، لكن، مع كل ما يشيعه بتوع 8 بازار، وما يخططون له، وما قد يرتكبونه، فلن يختلف رد أكثرية الناس عن ردودهم السابقة في مواجهة الاعتداءات المحتملة، والمحاولات الانقلابية الممكنة؛ وكما حمى الشعب استحقاقات كبرى، على امتداد السنتين الماضيتين، كالمحكمة والقرارات الدولية، والحكومة، والشرعية، والدولة، فسيحمي هذه المرة "تاج" هذه الاستحقاقات: انتخاب رئيس جديد للجمهورية، توافقاً أو وفاقاً أو بأكثرية نيابية مطلقة؛ ذلك أن الانقلابيين يخيِّرون الشعب: بين فراغ دستوري وما يستتبع ذلك (كما هدَّدوا) من حكومتين وعصيانات، وبين فراغ ينتج عن رئيس فراغ ليس له "وجود"، أو "طعم" أو نكهة: إذاً الفراغ مزدوج يحاول فرضه أهل الأقلية. وبين خيار فراغ وفراغ، سيذهب الناس الى الخيار الآخر: تجاوز الفراغَين المفروضين الى نصرة الدستور، والدولة، والكيان. بانتخاب رئيس له مواصفات رئيس مرحلة عصيبة ودقيقة: حماية انجازات 14 آذار: من سيادة مطلقة على الأراضي بحدوديها الشمالية والجنوبية، احترام القرارات الدولية، تعزيز الجيش ليكون القوة الوحيدة الموكلة حماية لبنان، سحب الأسلحة غير الشرعية، ومعالجة البؤر الأمنية ذات الطابع الكانتوني...
أما الناس، الى مخاوفها، فما زالت صامدة، ومتمسكة برئيس لبناني للجمهورية اللبنانية بكل ما يعني ذلك من أمل بالمستقبل، وبرسوخ هذا الوطن، بالرغم بكل ما يُحدق به من مخاطر ومؤامرات وخيانات!
ومع هذا الرئيس (خارج الفراغين) لن يكون لبنان لا ورقة في بنطلون الوصايتين، ولا ساحة لحروبهما، ولا ذريعة لوجودهما، ولا لقمة سائغة في إشداقهما!
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00