8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رئاسة بين الأسماء والمواصفات والممارسات

تحتدم حالياً معركة الأسماء والمواصفات بين فرقاء الصراع في الاستحقاق الرئاسي، وفي ظل المبادرات "المتوالدة" والمتداولة سواء على شكل جدي أو على شكل فولكلوري أو من باب التمويه، و"التظهير"، وإضاعة الوقت حتى الموعد الآخر الذي حدده رئيس المجلس في الثاني عشر من تشرين الثاني المقبل أي قبل عشرة أيام من انتهاء المدة الدستورية للعملية الانتخابية.
وهذه الآليات التي تجري تحت يافطة ضرورة التوافق على "شخص" يكون له المواصفات قبل الممارسات، والاستعدادات قبل المصادفات قبل المصارفات، والتقاسيم قبل التراسيم. تدعو الى التساؤل أتراها مسابقة من أجل رئيس ذي "حيثية" فعلية أم من أجل رئيس ذي حيثية افتراضية. بمعنى آخر يحكي عن مواصفات تسبق الرئيس، وعن رئيس يستبق المواصفات؛ ففي الحالات الأولى يحمل الرئيس ما يحمله من مضامين وقضايا، وفي الحالة الثانية ينفض الرئيس ما يفترض أنه حامله من مضامين وقضايا: ليبدو الاحتدام بين رئيس يشخصن الطموح المحدد بما هو ضروري أي الدولة.
الدولة بدستورها، والسيادة بمتطلباتها، والمقررات الدولية بإلزاماتها، والوطن بحدوده، والأسلحة بثقلها، والحدود بترسيمها، وبين رئيس هيولي ينزع عن كل هذه الأمور صفة الحيثيات ويتقدّم بمواصفات إنشائية، وبقامة غبارية، تدفع الى نفي ما تقدّم من موجبات والتزامات.
بمعنى آخر تشتبك أسباب التوافق بمفاهيمه ومصطلحاته ومقتضياته وسماته بين الظاهر وما يمثله وبين الباطن وما يتدبره. فجماعة 8 بازار يرفعون شعار التوافق على رئيس، كشرط لجلب رئيس بلا توافق، أي رئيس، ولأنه نظري كغبار الصحراء، يُحوّل كل شيء الى ما يشبه اللاشيء، ولأنه بحسب 8 بازار ينبغي أن يكون "شَبَحاً" أو ظلاً يطوف على سطح الأمور، فلا يعلق، ولا يثبت، فيجب أن ينسجم مع ظلاليته، فتتحوّل معه الدولة، والدستور، والقرارات الدولية، والمحكمة، والسيادة شيئاً يشبه "التظليل"، أو التشييء، أو التفصيل على قياس الفراغ، والتفريغ، والتدوير والتربيع. بمعنى آخر يكون رئيساً توافقياً، يُنفى عبره كل توافق ورئيساً "حيادياً"، يُعدَم عبره كل انحياز الى متطلبات الواقع وإلزاماته. أي رئيس بمواصفات اللامواصفات: المواصفات التي تعني "مرادفات" بلا سياق، والمواصفات التي تجري على كل من يعثر عليه في مصادفات الغبار، وتقع عليه، في اللاموقع، وتلمه من بين المتناقضات والتعادليات: أي رئيس ونقيضه اللارئيس، والسيادة وعدمها، والقرارات الدولية وتحبيرها بالماء، رئيس يحكم ولا يحكم. يهش ولا ينش، يقول ولا يقول. قوي بمواصفات الضعف، مرتبط بخيوط الانقطاع عن الواقع. وهكذا، يُدير "الأزمات"، وهو لا يديرها، وينفذ القرارات وهو لا ينفذها، ويجسد الدولة وهو لا يجسدها. رئيس يأتي لكي لا يأتي. يُصبح كرئيس حيطان بعبدا، ظلاً يتردد، ولا وجود، شبحاً يظهر من اختفائه. وبه، كتوافقي (وهمي)، يعود كل شيء الى سابق عهده، وكأن شيئاً لم يكن (لأنه هو شيء كان ولم يكن)، لا ثورة الأرز، ولا القرارات الدولية، ولا عودة الدولة، ولا السيادة، ولا الاستقلال، ولا المحمكة، ولا اليونيفيل، ولا الجيش اللبناني... فهذه تصبح معه أسماء ـ صفات تندرج في بواطن القواميس بمفردات الشعارات والطنين وبين الأدراج قبض غبار، أو ذراً في العيون. رئيس اللابدء يعيدنا الى البدء من الصفر. لا حول له إلا بحول الذين لا يريدون حولاً للوطن، ولا قوة له إلا بطغيان الذين لا يريدون قوة للدولة بل للدويلات، ولا سلاحاً للشرعية بل سلاح اللاشرعيات، ولا حدوداً للأرض، بل للذين يريدون أرضاً بلا حدود؛ حدودها في الخارج. إذاً رئيسهم التوافقي، يجب أن يكون من منتوج المصادفات: أو من رميم العظام، أو من مسحوق المخابرات. ونظن، (وهذا مضمر ربما أو كثيراً) أن وراء المواصفات ما وراءَها. فعندما يفترض رئيس تجل عنه "الصفات"، الرئاسية الضرورية، ويجل، هو عن أي مهمة يتنكبها، مما هو معلن وغير معلن، فيعني في الأول وفي الأخير، أن المطلوب أن تبقى الدولة إما برأس، أو برأس يشبه البالون، أو على الأقل على رأس تعطلت كل آلاته، ولغاته، فتبقى الدولة أيدي عشواء وجسماً هامداً، لكن بتزويقات احتفالية موسمية، يظهر هذا الرئيس فيها كدمية ملونة يعزف لها نشيد وطني فقد روحه ومعناه. فالرئيس من الرأس: والمطلوب منهم أن يكون رأس الدولة بلا رئيس، ورئيسها بلا رأس، مما ينسحب على كل شيء: تصبح المؤسسات كلها معطوبة، منهوبة، تماماً كما كانت في السابق: تخلي حضورها لقبائل الدويلات، وحراكها، أي تسلم قيادها للخارج باعتبار أن الدويلة الكانتونية بصيغة الجمع (أو المفرد) هي مجرّد جاليات خارجية، وجيوش عسكرية، وكيانات برانية، تعدم أي مركزية في الدولة وأي فاعلية، وأي دور. وعندها يُصبح الرئيس أقل من رئيس "دويلة": يصبح رئيس قصر، أو جدران، أو رئيس حفنة، أو رئيساً على نفسه. وعندها يعود شذاذ "الأنظمة" والوصايات الى مواقعهم: يستمرئون التفرّد بالقرارات المصيرية، والاستحقاقات الداخلية، والارادة الوطنية، ورسم الحروب وإعلانها بلا مرجعية سوى الخارج المعني والمستفيد، والتسلح بما تستمر هذه الدويلات أقوى من الجيش والقوى الأمنية، ليصبح الجيش كما كان في عهد الوصايات ديكورات وزخرفات تُحفظ للمناسبات السنوية بأناقة لافتة! وماذا يبقى من لبنان عندها: توافق على رئيس لا ينتخبه أحد، أو على الأقل يفرضه مَنْ لا يريده إلا كشاهد زور: شيئاً يشبه كراات اميل لحود، ورأسه، وقامته، وبدلاته، وكلامه: أي "نفّاخة"، مجرّد نفّاخة في أيدٍ خارجية. وماذا يبقى من دور للبنان كشعب كلي: كل ما كان له أيام الوصايتين الشقيقة والأعجمية: ساحة ليست له (تشبه ساحة رياض الصلح اليوم التي يحتلها مَنْ يريدون رئيساً لا يرأس!)، أي ساحة مرشحة لاستقبال كل ما يرسمه الآخرون: الحروب وويلاتها، الفوضى ومردوداتها، البلطجية، حكم الزواريب، القمع، المذهبية، الخروج على القانون. ساحة مرسومة بحدود الآخرين: فلا حدود في الجنوب إلا ما ترسمه الوصايتان لتمسك بقرار الحرب كما كانت أيام "فتح لاند"، وتالياً كما كانت، أيام "حزب الله لاند": "فتح لاند" تعني أن عرفات كان يسيطر على الحدود مع اسرائيل، "ولاند حزب الله" تعني ان إيران وسوريا تسيطران على الحدود، وكم يبدو بعيداً (كما كان) أن يكون للدولة وجود، ذلك لأن مَنْ يسعون الى رئيس بلا رئاسة يعنون أنهم الرئاسة فعلياً، وعليه، فلهم قرار الحرب والسلم، وعبرهم تتم التسويات، وبهم تجري المساومات والمفاوضات والتنازلات والبازارات! وربما، عندها، أي الاتيان برئيس ولا هشاشة العشب تحت الأقدام، أن تعلن دويلات "القمم" والمذاهب: ولنا عندها بضعة "رؤساء" فعليين غير معلنين، إزاء رئيس وهمي معلن: أي تصبح الجمهورية مجلساً كانتونياً مبهماً، بحدود مرسومة بالحروب، والدم، وتنتفي عندها أي وحدة مرجوة، أو أي جمهورية واحدة، أو أي دولة ممكنة (كما كانت الحال أيام الميليشيات قبل الطائف)، وعندها بالذات تنتج هذه الكانتونات وحوشها: والكانتون (عندنا) لا ينتج سوى الوحوش والمسوخ والعنف، والقتل، والأحادية... و"القائد" الواحد، والحزب القائد الواحد... وما عداه إما تكفيراً أو خيانة! والمعادلة الأخرى: رئيس منتخب فعلاً ولو بالنصف زائداً واحداً. أي رئيس يحمل ما يحمله اللبنانيون، وما تريده الجمهورية، وما تتطلبه الدولة، وما تمليه السيادة: رئيس من 14 آذار، ماذا يعني ذلك: أمعركة تعادل ما يُهوِّل به جماعة الوصايتين البازاريين، أم حروباً تقسيمية، قد تؤدي الى ما تؤدي إليه انتخاب رئيس مستضعف؟ المجازفة مطروحة باعتبارها تشير الى احتمال افتعال حروب داخلية يسمونها أهلية، وسط تدفق الأسلحة والمرتزقة والمال من مخازن الوصايتين، ومن بيوت المال الايمانية الورعة التي تمسك بالدولار بأصابع نظيفة هفهافة... لتخرج به أحمر بالدم والحروب، ووسط التدريبات، والسيناريوات، والاستعدادات. أتكون عندها مجازفة الاتيان برئيس رئيس، ولأنه رئيس للجمهورية الواحدة، يُحدث انتخابه الفتن (من قبل عبسيي الداخل)، والتناحر، وعودة حليمة الحروب الى عاداتها القديمة: ثمن رئيس يُنتخب الأمنُ والتخريب والتدمير والاغتيالات والمواجهة والتقسيم. وثمن رئيس غير منتخب (تحت شعار التوافق المزعوم) ثمنه أيضاً اللادولة، واللاجمهورية، واللارئيس، واللاحدود، واللادستور، واللا القرارات الدولية، ولا السيادة! وإذا صدقنا تهاويل غربان 8 بازار، وصدقنا ما يعتزمه بعض 14 آذار، فيعني أن كل الاحتمالات واردة. ولكن ما العمل؟ هل يُقبل التوافق كشكل من أشكال الاستسلام لتهديدات فلول الوصايتين، وعنجهيتهم، واستكبارهم، وجورهم، واستبدادهم، وقمعهم، ودكتاتوريتهم، وعمالتهم، وانحرافهم لإعادة لبنان الى براثن هاتين الوصايتين، فيكون متراساً لصراعاتهما، وبنداً من بنودهما، وورقة يعلكونها في أفواههم ويبصقونها! نقول هذا، ويعرف الجميع أن ما وراء "أكمة" طروحات 8 بازار المعلبة، والموضبة مع فواتير الأسلحة والمساعدات والرشوات المالية. نقول أن وراء أكمة شروط 8 بازار ما وراءَها: وهذه الشروط أحياناً تأتي في باب المناورات، وأحياناً من باب المهاترات، وأحياناً من باب التعمية على الأهداف الحقيقية من محاولات عرقلة انتخاب رئيس جمهورية جديد. هذه التعمية هي الأكثر استثارة، لأنها قد تخفي في ما تخفيه مؤامرة على الدولة ككل. ومقدمة هذه المؤامرة أو مدخلها الرئيسي استهداف موقع الرئاسة في ذاته، وما يستتبع ذلك من تخريب للتوازنات وقلب للأوضاع، وتدمير لكيان.
مع هذا، لا بدَّ من الانتظار، خصوصاً أن الطباخين العرب والدوليين ومن ثم المحليين قد كثروا، ورفع معظمهم شعار "التوافق" على رئيس يرضى عنه الجميع. عال! ولكن ماذا يتضمن التوافق، وهل يكون توافقاً من باب التواطؤ على السيادة، والدستور (الطائف)، والقرارات الدولية، والأسلحة الخصوصية خارج سلطة الدولة، والكانتونات العينية؟ إذا كان التوافق يعني تعطيل هذه الانجازات والقفز على بعض الظواهر السلبية، فيعني أن الرئيس الذي يسمونه "توافقياً" من خلال تبنيه هذه الأدوار، ليس سوى واجهة رسمية لانقلاب شامل. وعندها يجوز التساؤل كيف يكون رئيس "توافق" وهو منحاز ضد إنجازات الاستقلال، والسيادة، والظواهر التقسيمية...؟ بل كيف يكون رئيس توافق إذا خالف الدستور، وتهرّب من استكمال ما يجب استكماله من العناوين التي أشرنا إليها. أما إذا كان الرئيس التوافقي يعني "تجميد" كل شيء أي الاستمرار في التعطيل عبر "التجميد"، والتأجيل، فيعني أن هذا الرئيس لن يكون أكثر من باشكاتب أو موظف صغير، أو حتى مبدد أو مهدر لأحلام أكثرية اللبنانيين في حماية دولتهم وكيانهم وسيادتهم وأمنهم واقتصادهم. عندها يكون تسليم "واحد" من 8 آذار أفضل من الاتيان برئيس مقطع الأوصال، شقفة هنا، وشقفة هناك، وعندها، يكون من جديد الفراغ الكبير، هذا الفراغ الذي يحتله قسراً اميل لحود. فهل نريد رئيساً كمثل جدار بعبدا، أم رئيساً كمثل الظل، أم رئيساً من مكوّنات اللاقرار، واللاموقف، واللاانتماء حتى الى جمهورية؟
هذا هو الرهان "التوفيقي" بامتياز والذي يمكن تلخيصه بما يطالب به بعض اللبنانيين والعرب: "إرفعوا أيديكم الملطخة بالدم عن لبنان!".
فهل يجرؤ رئيس "توافقي" (جماعي) على رفع هذا الشعار وتنفيذه؟

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00