رحل الشاعر الصديق، الكبير، سركون بولص، كأنما، بعد منافيه الكثيرة عن وطنه العراق، التحق بمنفاه الأخير، الموت، من دون أن يستمهله، أو يستأخره. هكذا فتح الفضاء وقفز فيه، بكل آلامه، ومعاناته، ومرضه الخبيث الذي نهش أحشاءه طويلاً.
سركون بولص الصعلوك ذو المنافي الكثيرة، وذو الحيوات الكثيرة، وذو الشِّعر الكثير، وذو الألفة، والالتماع، كان كل ما فيه يتدفق. لا يعرف التقتير لا في عبّ العيش، ولا في نهل الشعر، ولا في الطعن في المسافات، من واحدة الى أخرى، ومن مدينة الى مدينة. الرحّال المقيم في القصيدة، المغادر المقيم في وطنه، كأنما يحمل حياته، كما يحمل كتبه وأوراقه وشعره، بخفة الخطو، وبثقل المعاناة.
سركون بولص، الشاعر الذي لم يعرف سوى الشعر شغفاً، لا مهنة، ولا سعياً الى "مجد"، ولا تزلفاً، ولا تنازلاً، ولا علاقات، ولا حسداً من أقرانه، ولا عداوة في "الكار"، ولا تنافساً. كأنه كان ينافس نفسه، وكأن كل قصيدة تنافس قصيدة، وكل تجربة تنافس تجربة. هكذا، ودائماً، ذلك الحوار غير المنقطع، بينه وبين شعره. الحوارات الأخرى لم تكن تعنيه إلا بقدر ما كانت تذوب في قصيدته. ولهذا، بقي شعره على تواصل عميق مع شعره، بلا تقطع (حتى في أوقات المرض)، ولا تناكر، ولكن بطليعية لا تعرف "الكليشيات" ولا التسميات، ولا المتاريس، ولا الشعارات. كأن الشعر كان أمامه بامتياز. أحياناً يسبقه سركون بالحياة، وأحياناً يسبقه الشعر في كل مفترق، ومكان، وغرفة، وشارع، وورقة، وصوت، ووجه، ومدينة، ذلك أن سركون بولص كان حراً من حرية الشعر، لأن الشعر حرية لا يقيد، ولا يؤسر، ولا ينفي سواه من التجارب.
رحل سركون بولص وما زالت صورته أمامي في لورديف (فرنسا): الجسد الممتلئ، الصوت الضاج، العينان المتقدتان، اليدان المفرطتان بالكرم، كأنما تفيض الحياة من كل حواسه وجوانبه وقلبه وعقله. ما زالت صورته في عيني، في آخر لقاء معه، منذ ثلاث سنوات. وما زال صوته يرن في أذني في آخر مكالمة لي معه منذ عدة أشهر. وما زال شعره، الحي، القريب، المتمرد، الجريء، القاسي، الحنون، الشغوف، الكاسر، ما زال شعره أمامنا. وحولنا. وفي داخلنا.
فيا أيها الشاعر الكبير، ويا أيها الصديق الكبير، رحلت باكراً، لكن شعرك سيتأخر عنك كثيراً، بيننا، وبين أصدقائك، وأحبائك، سيتأخر، عن موتك، كما ذكراك، وكما منافيك، وكما ترحالك بعيداً عن وطن، في مشارق الأرض ومغاربها.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.