الثلاثاء المقبل موعد آخر مع جلسة نيابية أخرى لانتخاب رئيس جديد آخر للجمهورية ربما الأخرى بعد انتهاء ولاية المدعو الآخر اميل لحود. والمرجو هنا، غير المتوقع، والمنتظَر من "عبسيي" الداخل أن يتصرفوا ما يُنتظر منهم أن يتصرفوا انسجاماً مع "عقيدتهم" الاستبدادية": تنفيذ الاملاءات الآتية من خارج الحدود، لتعطيل هذه الجلسة، بذريعة عدم توفر "التوافق" الذي يستجلب الثلثين كشرط لازب بحسب "دستورهم" الذي هو فوق كل دستور، وفوق كل دولة، وفوق كل سلطة: "دستور" التهديد بالفراغ الدستوري، ودستور شل البلد، ودستور استكمال المسلسل الانقلابي الذي كان أحد آخر بنوده المنفّذة اغتيال النائب الشهيد أنطوان غانم، سبقه "بند" الحركة العبسية في نهر البارد (كجزء أساسي من مخططات "8 بازار" بفصائلها ونصائلها). إذاً "دستور" القتل مُعلن. ودستور اللادستور مُبطّن. ودستور الأجندة الانقلابية على سطح السطوح. كل هذا "يبشرنا" به نعيق غربان "8 بازار" في بازاراتهم السياسية والدموية.حيث كل بند مسطر بحبر الارتهان "الاستكباري" يقضي أولاً وأخيراً بضرب مكونات الدولة (الطائف) وإحداث فجوة في جسم المجتمع، وصولاً الى ضرب رئاسة الجمهورية نفسها، المستهدفة أساساً ضمن خطة إطاحة "دستور" الطائف وتوازناته، تمهيداً لاستكمال "السيطرة" على الحكومة "الصخرة" الأخيرة الصامدة في المواجهة.
ولا نظن، بحسب ما بتنا نعرف عن "هؤلاء"، ان الانتخابات في حد ذاتها، كممارسة ديموقراطية، برلمانية تعنيهم، بقدر ما يُهَجِّسُهم أتباع الطرق "العنفية" (وغير العنفية) لاعدام موقع الرئاسة نفسها، بعدما أجروا بروات ناجحة مع رئيس حيطان بعبدا، الذي، وبوجوده القسري، أدى المهمة الأولى، بتهشيم الرئاسة كموقع جامع، وبتهميشها كدور قيادي وكوظيفة عضوية في سياسة البلد. "فبروة" الثلاثاء المقبل (كمثيلتها السابقة)، هي الفصل الآخر من بروة التجديد لاميل لحود وإبقائه قسراً برغم إرادة الأكثرية النيابية، والحكومة، والناس، والعالم العربي. بمعنى آخر يريدون، في ما يريدون، خلع الصفة التاريخية عن رئاسة الجمهورية، (ضمناً وعلناً) لاستيعابها وإذابتها وتغيير هويتها عبر اقتراحات "بازارية" عديدة: الديموقراطية العددية بالانتخابات المباشرة على غرار 99.99 بالمائة من قطعان رعايا الأنظمة الشمولية الاستبدادية القريبة والبعيدة، ونظام التثليث، وكذلك، إذا تعذر ذلك في المدى المنظور، استجلاب "خروف" أبيض وفرضه رئيساً من براثن "الذئاب".
وهذا يعني أنهم، ضمن خيارات ظاهرة ومعلنة: التوافق والوحدة الوطنية، وتجنيب البلاد الفتن والقلاقل، والحروب الأهلية (المذهبية)، وضمن استبطانات جزويئية: العمل على تغيير النظام (بالقوة والتهديد)، بكل تراتبياته: بدءاً من اعتباره برلمانياً: لا يريدون برلماناً ولا يحزنون، إلا على شكل ما وصلوا به: شماعة للفراغ، وخيالات ظل (البرلمانات العربية والعالم الثالث...)، وتالياً لا يريدون حكومة: فإذا كان البرلمان "شكلانياً" فمن الطبيعي أن تكون الحكومة "شبحية"، ومن الطبيعي تالياً أن تكون رئاسة الجمهورية خرزة غير زرقاء على صدر الفراغ. وعلى هذا الأساس لا يُتوقع أن "نرتاح" لا الثلاثاء المقبل ولا أي ثلاثاء... حتى "دكّ" مداميك الدولة، وإطاحة أركانها، وفرض "دويلة" منسوبة الى الخارج، والى الخواء، من دون شكل ولا مضمون، إلا كمنصة للتخريب، والقمع، والقتل. ونموذج هذه الدويلة المنشودة موجود الآن في الضواحي وكاد يتأسس في "عهود" حروب المجرمين والطغاة على أرضنا في الأيام الميليشيوية السوداء التي ورثها بقضها وقضيضها الكانتوني بعض البازاريين لترسيخ دويلتهم بالسلاح والمال والقرارات الخارجية.
كل حلم كانتوني هو إيحاء خارجي، وتعبير محلي للمخطط الصهيوني: إذاً كل ذهنية كانتونية هي ذهنية صهيونية تصب أولاً وأخيراً عند بني اسرائيل. فبراو!) وعلى هذا الأساس، ومن الواضح أن المعركة "الظاهرية" هي معركة "نصاب"، واختيارات، وثلثين والنصف زائد واحداً... والمبادرات، والدعوات الى الحوار... كلها تمويهات تخفي وراءَها تحضيرات لمنقلبات جديدة شبيهة (أو أكثر) بما ارتكب في كانون الثاني الماضي، وفي العسكرة في الوسط التجاري، والاغتيالات، والقلقة، والعنف، ومحاولة عصابة العبسي المرتبطة بعبسيي الداخل وبعبسيي الوصايتين. ويكون الصراع عندها بين "العبساوية" المقنعة بالايمان و"الفتح" كما هي مقنعة بالآلهة في مكان آخر. التي تسعى الى إحداث الفوضى في النظام والكيان والدولة معاً، وصولاً الى تقسيم مُمَوَّه أو الى تقسيم واضح: وهذا ما يتهددنا به جماعة "8 بازار" أو جماعة "أو" و"إذا" و"إما"... وهي جدية، لا لأنها تتمتع بالقرار الشعبي البلدي، وإنما لأنها أوعية متصلة بالقرارات الخارجية المدعمة بتدفق السلاح والمال (النظيف والثوري والتقي والورع: دولار مؤمن والله! ويورو أكثر إيماناً! فيا لهذا الايمان الذي ينتقل من "الرؤوس المشتعلة الى مجاز المال!). فالمطلوب إذاً تحويل لبنان "أشلاء" موزعة على "منصات" التخريب، والالغاء. إذ ماذا يهمهم من لبنان ديموقراطي وهم فاشيون، ضد الديموقراطية، وماذا يهمهم من لبنان برلماني وهم شموليون، وماذا يهمهم من لبنان تنويري وهم ظلاميون، وماذا يهمهم من لبنان كمجتمع مدني وهم عسكر إلغائيون، وماذا يهمهم كلبنان سيادة، واستقلال، وهم مرتهنون، وماذا يهمهم من لبنان ـ كمقاومة سياسية وفكرية وحضارية وحوارية وهم كانتونيون، وماذا يهمهم من لبنان المتعدد ثقافياً، وطائفياً، وسياسياً، وهم أحاديون. إذاً، لبنان كما هو، وخصوصاً بعد ثورة 14 آذار، نقيضهم: وأكثرية الشعب اللبناني "عدوهم"! (هكذا يعتبرون)، والدولة القوية الواحدة والعادلة خصمهم الأول، وعقبتهم الأساسية. إذاً، فلندمر هذا "اللبنان" الاستثناء الذي "يُتعب" جيرانه الدكتاتوريين والشموليين، بديموقراطيته، ويتعب "اسرائيل" بحضوره وتميزه (ومن يريد أن يزعج اسرائيل اليوم، بنياتها البيضاء والحسنة، الأنصع من نيات الشعب اللبناني، ولو! أإلى هذه الدرجة: بعض الخجل يا إخوان. فضيحة والله فضيحة)، ويُتعب رؤوس الحالمين بمصادرته. فهذا اللبنان "بصيغته"، وتاريخه، وكحالة استثنائية وسط أنظمة مُعممة، متشابهة، ومكررة لنماذج "المنظومات" التوتاليتارية البائدة، (النازية، الفاشية، الستالينية، الصهيونية، الماوية، الأصولية). خطر عليهم، لا يريدون شعباً يصنع النظام. يريدون "نظاماً" جاهزاً يصنع الشعب. لا يريدون شعباً ينتخب الحاكم بل يريدون حاكماً ينتخب الشعب. لا يريدون حرية تعبير للناس، وإنما حرية تصرف التعبير من قبل النظام. إذاً، هذا "اللبنان" ـ الفضيحة ما زال فضيحة! هذا اللبنان "الخطأ" في محيطه، ما زال خطأ، يريدون "تصحيحه" لتنتفي عنه صفة "الاستثناء" والاختلاف، هذه هي المعركة الأساسية التي يخوضها بالوكالة (عن الوصايتين) جماعة "8 بازار". هذه هي معركتهم، واستراتيجيتهم، ووسواسهم: جعل لبنان إما وكالة "فقهية"، وإما "وكالة" استبدادية حزبية، وإما وكالة مقسمة على مجموعة وكالات توزع بالجملة هنا وهناك. إذاً يريدون لبنان مفصلاً على قياس "نموذج" ما، هو استبدادي النزعة والحالات. تماماً كما برزت في القرن الماضي نماذج مفصلة على قياسات ايديولوجية (اثيوبية) جاهزة، وضربت الشعوب والعالم وجَرَّت الويلات والحروب. بمعنى آخر لا يريدون لبنان يشبه نفسه (أي واقعه وطموحاته)، ولبنان ـ يشبه ناسه. وإنما يريدون (خوارج العصور البائدة وقرامطتها وحشاشيها) لبنان يشبه سواه. (تماماً كما أراده ايديولوجيو السابق). أي جزءاً تابعاً، "ناجزاً" معلباً لمشروع أوسع لا حول له ولا قوة لأهله فيه. أي لبنان غير لبناني. أي لبنان غير عروبي (العروبة أيضاً عدوهم اللدود. نتذكر يافطات في الحمراء في الثمانينات: "العروبة بدعة صهيونية" أو "العروبة والصهيونية وجهان لعملة واحدة")، ونتذكر ما حل بالعروبيين في الجوارات الشقيقة وفي لبنان!). أي لبنان غير موصول بالعالم. وإذا "وُصل" فبالواسطة تماماً كما كان في عصر الوصايات عليه. أي لبنان خارج العالم. أي لبنان المستفرد وحيداً كالشلو بين أشداقهم وبراثنهم: أوليس هذا ما يفسر استياء بتوع "8 بازار" ومَنْ وراءهم، من كل تضامن عالمي وعربي مع لبنان: يسمونه "تدخلاً"! ويسمونه رهاناً على الخارج: ومن يسمي ذلك؟؟ النتاج الصافي غير المغشوش والنظيف للخارج مالاً وقراراً وسلاحاً وتخريباً! إذاً لا يريدون أن يساعد لبنان لا المجتمع الدولي، ولا العالم الغربي والعربي: "أتركوه لنا: وخذوا من إرهابنا ما يدهش العالم والدنيا والآخرة وصولاً الى الجنة بإذنه تعالى الله! ونظن أن أكثر ما يُحفّر في نفوسهم المحفرة أصلاً هي عزلتهم المشهودة، والتفاف الدنيا حول البلد الصغير، ومحاولة العالم حمايته منهم: من شرورهم وتسلطهم واستكبارهم، كأنهم يقولون لهذا العالم: ما شأنكم؟ نحن نخرّب وأتركونا نخرّب، نقتل الزعماء والناس والكتّاب فاتركونا نقتل. نريد فقء هذا "الدملة" عن جسمنا "الطاهر الطهور"... فاتركونا نفقأها؟ واتركوا لبنان بين أنيابنا (كما سبق وفعلتم) وسترون ما يدهش من جرائمنا وفظائعنا و"معجزاتنا" (الدموية) ما يُخلّب مخيلاتكم وما يأسر نفوسكم وما يحبس أنفاسكم". وهكذا يقولون "تعرفوننا"، إذاً أتركوا لبنان لنا. فهو لنا. فوضتمونا عليه كثيراً فأعيدوا تفويضنا بالله عليكم" فنحن أولى بتخريبه نحن وجارتنا اسرائيل! لماذا تركتم اسرائيل تخربه ولا تتركوننا نكمل المهمة. بالله عليكم! كفوا عن اعتبار هذا البلد موجوداً كسيادة واستقلال وكشعب وتاريخ وجغرافيا ودولة: بالله فنحن البديل من كل ذلك وخذوا منا ما شئتم!
هذا هو لسان "أحوالهم" وبلبالهم: لبنان كله كنعجة تحت نصال خناجرهم! ولهذا لا نرى في عملية انتخاب رئيس جديد إلا تفصيلاً جزئياً في مشروعهم التحولي ـ الانقلابي (على غرار ما فعلت بعض الأحزاب في الخمسينات والستينات: الدبابة تصنع النظام)، ولا نرى في شروطهم سوى دلائل على مخططات أوسع لا تكتفي بالمشاركة في الدولة والسلطة وإنما تسعى الى السلطة: بلا شريك سوى الوصايتين بإذنه تعالى، ولا اعتراف إلا بهما. وهذا كله موجود على الأرض: الدويلة السامية، النظيفة، المطهرة لا تعترف بالدولة اللبنانية بقدر ما تعترف بالوصايتين، وعلى المجتمع الدولي والعربي (ربما) أن يقيم معها علاقات ديبلوماسية أسوة بما يقيم مع الدولة اللبنانية، وربما سيطالبون غداً بترسيم حدود (لا مع سوريا واسرائيل) وإنما بينهم وبين الحدود اللبنانية، ويطالبون بالاعتراف بهم "كجمهورية" مستقلة، ذات سيادة، وحدود، وجيوش وأمن، وحكومة...
هذا هو مشروعهم بعيد المدى... يمهدون له بالكلام على رئاسة وتوافق وتثليث وتربيع وتخميس وانتخابات مباشرة... هذا كلام "تمهيدي" لمشروع أكبر ينتظرون أن يحقق في "غفلة" عن العالم: فمشروعهم الانقلابي إما هو سيطرة تامة على السلطة، أو تقسيم السلطة، وتجزئتها، وكانتنتها: فإما كل شيء وإما الفوضى والموت والخراب. ذلك انهم ومن ضمن تفاصيل طموحاتهم الكبرى، وفي الانتظار، يمكن أن يجهضوا كل إنجازات 14 آذار: المحكمة الدولية لمحاسبة قتلة الحريري وسائر الشهداء، تعطيل 1559، و1701 وإبقاء لبنان "موقعاً" معلقاً قابلاً للتفجير في أي لحظة خدمة لاعدام "المحكمة"، وجهوزية للصراع بين إيران وأميركا!
وهذا هو معنى الهيمنة على لبنان: أن يكون جزءاً من سواه سياسياً وعسكرياً ونظاماً، أي يكون سلطة صغيرة في جيوب الوصايتين، تماماً كما أراده الأميركيون والاسرائيليون علي امتداد ثلاثة عقود عبر وكلائهم في الوصايات العربية لا سيما الشقيقة الكبرى!
الثلاثاء المقبل، سيكون كغيره، لا أكثر ولا أقل: وككل ثلاثاء في المدى المنظور وغير المنظور: تأريخاً محدداً لمحاولة فرض انقلاب شامل بذرائع وادعاءات وتمويهات، لكسب الوقت وتهيئة الأجواء لفراغ كبير من دلائله أن يصل هؤلاء الى السلطة: فهؤلاء هم الفراغ بعينه، واغتصابهم السلطة سيكون الفراغ الأفدح في تاريخ لبنان والأمة العربية!
لكن فات هؤلاء "الانقلابيون" أن الشعب اللبناني الذي خذلهم بعد 14 آذار، وأجهض مخططاتهم... المَرضية، قادر (بإذنه تعالى)، أن يفشل كل ما يزمعون على تخريبه، وتدميره، برغم ما ينتظره من معاناة!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.