8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

وداعاً بشير الداعوق

رحل الدكتور بشير الداعوق في منفاه المتعدد بصمت الكبار. الكبار المنفيين بقوة القهر والعسف، من دون ان يترك بعاده عن بيروته، ووطنه، ما يُحبط عزيمته، أو يشوش انتماءه إلى العروبة الحية، والقومية كمشروع مختزن قيماً ديموقراطية، ومضامين اجتماعية وتقدمية.
"انه" بشير الداعوق، الصديق الذي بقدر ما يقل في كلامه، بقدر ما تشعر بقوة حضوره، وبشفافية قراره. عرفته منذ اكثر من ثلاثة عقود وشريكته في الحياة والادب والوطن والمنفى الكبير، غادة السمّان، التي وفي مرافقة ثنائية دائمة، كانت له العون في منفاه، وكان لها العون كزوج وأب وكصديق. ها هو يترك ما ذهب إليه في بلاد اخرى. يترك بالفراق النهائي لينضم باللقاء النهائي إلى حيث ينتسب، وإلى حيث لم يجد بديلاً من منزل، ومن مدينة، ومن بلاد.
انه الحزبي الرحب وغير المتعصب، حامل احلام الافكار التي كانت حية، ورائدة، في الحرية، والتحرير، والتغيير، قبل ان تحولها الانظمة التي وصلت باسمها إلي السلطة، شعارات، وعناوين للقمع والقتل، والفساد، ومصادرة ارادات شعوبها. هو، بقيت الافكار عنده، وبرغم ما احسه من احباطات، خصوصاً في حروب الآخرين (حروب تلك الانظمة) على ارض وطنه، وسقوط المشاريع التغييرية الكبرى، بقيت عنده كالخمائر، ذلك ان الانظمة تنتهي وكذلك الايدولوجيات، لكن لا الافكار، وخصوصاً عندما تتحول لدى اصحابها، كما عند بشير الداعوق، احتمالات مفتوحة بطاقاتها إلى ما يطورها في اختزانها، ويفتحها من دون حدود.
سقطت الانظمة وبقيت الافكار، داخل الناس، والمجموعات والافراد... وبقيت عند بشير الداعوق حلماً مؤجلاً لا حلماً مجهضاً. فالحلم اكبر من سفلة الانظمة، ومن الطغاة، ومن القتلة. الحلم يسبقنا مهما تأخرنا عنه، والافكار ايضاً تسبقنا لكي نوافيها بكل ما يجعلها مجالاً للتحقق.
بشير الداعوق ذهب محاصراً بكل الهزائم. بهزيمة كل ما آمن به، وامتلكه، وحضه على النضال، والالتزام. رحل وبلده لبنان يحقق كثيراً من احلامه، ولو محاصراً بالاستبداد والقتل والاغتيال ومشاريع الوصايات، والفرض. كأن بشير الداعوق يشبه بلاده، ييأس ليحلم، ليحول يأسه وميضاً واشراقة أمل، وربيعاً للحرية لا ينتهي.
رحل الصديق بشير الداعوق، وساءني جهلي بالنبأ اياماً... رحل هكذا، وكان عليّ تدارك النبأ، بحزنه، وبأسف، وبافتقاد، إلى رجل فيه من الشفافية الكثير الكثير، ومن نفاذ الادراك الاستماع (الصامت)، ومن الهدوء الضاج بالالم، والمكابرة التأمل العميق، ومن الصفاء استئناف الامور.
رحل الصديق، وها نحن نفتقده، وكثيراً. تماماً كما افتقدناه في منفاه وكثيراً. كما وها نحن نشتاق إلى حضوره، كما اشتقناه وكثيراً، مع رفيقة دربه، الكبيرة غادة، التي نعرف مدى ما تتألمه، مثلنا وأكثر، وأكثر، ذلك ان الذي لم يفارقها، في ترحالها، ومن فيها، كان له ان يتوقف لحظة، ثم اكثر، لتكمل به ومعه في بلاد الله الواسعة، وهنا، حلمها، الشاسع بالكتابة، الكتابة التي ستكون رفيقتها الدائمة. هذه المرة، وحدها مع حازم الابن الذي اخذ من الوالد شفافياته، ومن الوالدة توهجها الدائم.
فألف رحمة عليك يا صديقي، يا بشير يا ابن بيروت، وابن الامة العربية التي وان اسقطها الطغاة، بقيت فيك، وفينا، وفي كل الحالمين، برفعتها، وتقدمها، وديموقراطيتها وناسها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00