اخترقت صور شهداء الانتفاضة أروقة مجلس النواب حتى القاعة والمقاعد، فكأن صورهم كانت مفتاح البرلمان الحقيقي، مفتاحه الديموقراطي، والوطني، والاستحقاقي، والأخلاقي والانساني. كأن صور الشهداء هي التي حملت حامليها، هي التي حملت الجدران التي ضمتها، هي التي حملت مجلساً نيابياً، أُغلق دهراً (زوراً) ثم فُتح نصف فتحة، وربع فتحة، حتى كان على الذين استنكفوا عن دخوله، مكتفين بالبقاء قرب الحيطان، والمكاتب، أن ينظروا من شقوق الأبواب، ومن وراء مناخيرهم، ومن خلف أصواتهم، ليروا، أو ليتفرجوا على النواب في قاعتهم وعلى صور الشهداء في مقاعدهم. لحظة بين الموت والحياة، بين الغياب والحضور، بين الليل والضوء، سادت تلك الأمكنة والناس. الشهداء بصورهم وعيونهم وقسماتهم والدروب أمامهم التي افتتحوها. أرادوا أن تبقى مفتوحة في وجه حَمَلَة المفاتيح الصدئة والنيات المُبيَّتة، ولا ندري هنا ماذا كان شعور أهل 8 آذار (أقصد ممن قُرّر لهم أن يزوروا مسرح المجلس كمتفرجين سياحيين سلبيين) عندما واجهت عيونهم صور زملائهم الشهداء: زملائهم وجيرانهم في المقاعد، والقبة، والوطن. ماذا رأى آذاريو الوصايتين في تلك الوجوه التي سُفحت لتعطيل الانتخابات الرئاسية، وجعلهم كأقلية أكثرية بالقتل: قتل أهلهم؟ماذا قالت عيون رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي ثم ماذا قالت عيون النواب الشهداء (حديثاً) بيار أمين الجميل، وليد عيدو، أنطوان غانم وجبران تويني، عندما التقت عيون نواب 8 آذار المصطفين كشهود ملتبسي الشهادة، أمام موكب الصور المظفرة.
ترى هل قالت لهم نظرات الشهداء شيئاً يشبه الحرية. هل استفاق فيهم شيء من الحرية عندما واجهتهم صور شهداء الحرية؟ وأهل التحرير من نواب حزب الله: ألم يقل لهم شيئاً صمت الصور الناطق على شفاه شهداء السيادة: ألم تذكرهم بأثمان التحرير التي دفعوها ودفعها معهم اللبنانيون؟ ترى: أما زال هؤلاء الذين استُشهدوا "عملاء" حتى بعد استشهادهم، ليكون من يتهمونهم بالعمالة اليوم ضيوف الشهادة المقبلة؟ ألم يُذَكِّر هؤلاء الشهداء اللبنانيون نوابَ حزب الله و"أمل" وسواهم بشهدائهم في المقاومتين الوطنية والاسلامية؟ أولم تقل لهم شيئاً هذه الطريقة الوحشية بقتل هؤلاء الأحرار: ألم تذكرهم بالطرق الوحشية الصهيونية: إذ كيف لهم أن يدينوا وحشية الصهيوني ولا يدينوا وحشية من يفترض أنهم على "ممانعة" الصهيونية ومشروعها! الصور التي حملها نواب وارتفعت على الجدران، ألم يلاحظها رئيس المجلس: ماذا لو سألته: ألا يحق لنا كنواب استشهدوا ولو بتأبين في المجلس، ولو بكلمات أخيرة في المكان الذي استشهدنا من أجل بقائه وبقاء الدستور والاستحقاق والقضايا المتصلة بها. وماذا يمكن أن يكون قد دار في ذهن رئيس المجلس والنواب المتوزعين في الأروقة والكواليس بعيدين عن منصة المجلس وعن خشبة المسرح، فلا هم مع الجمهور ولا هم مع الممثلين، ماذا يمكن أن يكون دار في أذهانهم عندما مرت مواكب صور الشهداء أمامهم الذين "منعوا" قبل استشهادهم من دخول المجلس، لتخترق صورهم، المجلس بعد استشهادهم: لا شيء! أم أنهم كانوا، مع حلفائهم من 8 آذار، (ومن وراء حلفائهم من بتوع الوصايتين) يكتفون بتعداد النواب الوافدين من 14 آذار كما اكتفوا سابقاً بتعداد الشهداء بالأرقام وربما ليس الوجوه، ولا بالتذكر، ولا حتى بالخوف (لأن القتلة ليسوا خصومهم بل حلفاؤهم! من وراء الحدود).
صار نواب الأكثرية بالنسبة الى خصومهم أرقاماً تُحسب أو تحسم من المجموع، وتحسم من الحياة. مجرد أرقام تتتابع، أمام عيون زجاجية، وقلوب حجرية، ورؤوس مسدودة بشهوات الانتقام والتشفي والسلطة. أرقام بأرقام. وكأن النفس البشرية إذا كانت في المقلب الآخر غير الحليف تنتفي بَشَرِيتُها: تتحول ورقة في صندوق، أو ورقة تعلق على الجدران، أو حتى ورقة تمزق! هذه التداعيات الكثيرة ارتسمت إزاء المشاهد التلفزيونية لنواب مشوا وراء صور شهدائهم للوصول الى الديموقراطية والعدالة والسيادة، وآخرين افرنقعوا في الزوايا، ووراء الطاولات، والأعمدة، والأروقة، فكأنهم ظلال ثقيلة على مساحة ثقيلة من الهواء الثقيل. فكأن نواب الأكثرية ووزراءها وناسها ورثوا شهداءَهم عن حق، وكأن نواب الأقلية وأحزابها تنكروا لشهدائهم! بل كأن نواب الأكثرية هم الذين ورثوا شهادة أهل التحرير في الجنوب، وأهل التحرير نسوا شهداءهم الذين ماتوا في سبيل التحرير: فكان أن أهل التحرير يخونون مبدأ الشهادة من أجل السيادة، ليخونوا من دون أن يدروا مبدأ الشهادة من أجل التحرير! ومن يتنكر لشهدائه يرث الموتى، والعدم، الخسارة، ولو ربح العالم كله. يرث العار!
كانوا هناك كلهم. الشهداء. لبوا النداء. خرجوا من أبديتهم الى الوطن. كانوا هناك. قسماتهم تومئ بالحق والعدالة والحرية. فالذين جاؤوا من حرية الغيب، ينضمون الى حرية الوطن. ها هم لا يريدون أن ينكفئوا. بل أن يحضروا. وحضروا. رفيق الحريري بابتسامته الرضيّة. سمير قصير بنظرته الحُلمية. جورج حاوي بجبينه العالي. باسل فليحان بقسماته الهادئة. جبران تويني بقسمه الصادح. وليد عيدو بنبرته الصارمة. بيار أمين الجميل ببراءاته اللماحة. أنطوان غانم بملامحه الطيبة... كانوا هناك، كأنهم سبقوا الجميع الى الشهادة. وماذا تعني الشهادة سوى الواجب وأكثر: الشغف. والشغف وأكثر: محو الحدود بين الجسد والقضية. بين الحياة والمثال. بين الصوت والصمت. سبقوا الكل: ليقولوا: نحن هنا. لا يرثنا سوى من استشهدنا من أجله: الأرض، الحرية، الاستقلال. ومن يَمُتْ من أجل الأرض والحرية والاستقلال يمتزج بالحياة. يمتزج صوته بالهواء. تهتز ذكراه بالصبح والفصول والأطفال وما سيقبل وما انقضى. كانوا هناك الشهداء الذين استعجلوا شهادتهم. بطيئة كانت صورهم، وحية حركتهم. بطيئة كانت مواكبهم لكن مليئة بالزمن. فالموت لم يعد للتذكار فحسب. ولا للدمع فحسب. ولا للتأسي. ولا للفقد. ولا للفوت، ولا للنسيان. ولا للتاريخ. صار شيئاً من فيض الحضور، والقوة، والعزم، والأمل، والمجازفة من أجل الحياة. ومتى كان العمل السياسي والثقافي والفني غير المجازفة. غير ركوب الخطر اليومي، بأبهة الصاعد الى قمة، أو الى سماء، أو الى ذاته العميقة. لم يعد الموت مجرد طقوس وكلمات من أجل النهاية. أو من أجل تجميل العدم، بقدر ما صار طاقة للبدايات. مع كل شهيد بداية لا نهاية. مع كل شهيد انفتاح. مع كل شهيد أسطورة تصير جسداً، ويدين، وأرضاً وحدوداً وحلماً!
كانوا كلهم هناك. يعبقون برائحة الدنيا كلها لا برائحة الآخرة. يعبقون بتدفق الحيويات الجامحة، والرغبات القصية، والمنعطفات العصية. أهل الخطر ها هم، يواكبون رفاق دربهم الواضعين حيواتهم على أكفهم. الحاملين مصائرهم في جباههم. المتقدمين كذبائح عالية للحرية، والأرض الجاهزين للانضمام إليهم، ترصدهم عيون القتلة الجاحظة والمُفَنْجِرة كالهاوية، وكالجحيم، وتصوب إليهم أصابع المجرمين رصاص الغدر، أو السيارات المفخخة، كفرائس علي مرمى القتل.
كأنها اللحظة التي اجتمع فيها الشهيد والشاهد والمتواطئ. لحظة اللقاء المأسوية حتى التراجيديا. الشهداء، ورفاقهم، وفي الجهات الأخرى، من لم يكن لهم أن ترف جفونهم بدمعة، أو بأسف، أو بحزن، من لم يكن لهم أن يقفوا لحظة أمام صور الشهداء لحظة واحدة، ويلقوا تحية، أو نظرة، أو كلمة. لا شيء. كان الآخرون من آذاريي عدّ النواب الباقين، كانوا كالحواسيب المعدنية، لا يرون بغير ما أَعمى عيونَهم، ولا يسمعون بغير ما أَصَمَّ آذانَهم، ولا يُحسون بغير ما جَلْمَدَ حوَاسَهم، ولا ينطقون بغير ما سفّه ألسنتَهم. ولو! هكذا ربما، تنفس الشهداء في صورهم. ولو! أنبقى غرباء عنكم يا أهل وطننا من المقلب الآخر حتى بعد استشهادنا. أنبقى "أعداءَكم" حتى بعدما نفذ "حلفاؤكم" الاعدام فينا؟ ولو! تمرون يا نواب الوصايتين ولا تلمحون شيئاً من حزننا عليكم. وغضبنا عليكم. وعتبنا عليكم. وماذا تفعلون هنا؟ يقول الشهداء. ما ذا تفعلون في هذا المجلس، وخارجه؟ أجئتم للفرجة. أم لتزييف الوقت. أو لتعطيل الاستحقاق، أو لتناوروا وأنتم ربما تحضرون لتكونوا غداً أو بعد غد شهود زور، أو محتفلين بشهداء آخرين يسقطون؟ وماذا يعني أن نأتي لنحضر نحن الشهداء، وتأتون أنتم لتغيبوا. ألهذه الدرجة يكون الراحل أكثر حضوراً من "الباقي"، أم أن الباقي هنا رحل من زمان بدون أثر سوى ما يبقى للشاهد الأسود من شهادة سوداء.
كانوا الحلم هناك. خرجوا من صورهم. كلهم. لم تعد صورهم سوى كادرات كانوا فيها وخرجوا منها الى المجلس والناس والقضية والحرية والشوق والشغف. ومتى كان الشهيد بحجم صورة أو كادر أو خشبة مسرح. ومتى بقي الشهيد أسير صورة، عندما يكون له الفعل، والخصب، والفضاء والدور والشارع والبيت والمدرسة. كانوا في الصورة وخرجوا. والذين يخرجون من الحياة لا يبقون في الصورة. ولا على الجدار. ولا حتى على الصدور. ترجّلوا من صورهم. ومن ألوان صورهم. ومن قسماتهم الثابتة، وانخرطوا في الحياة، في الموكب الذي ضمّوه بعدما ضمّهم، الى ممرات المجلس التي مشوها كثيراً، الى الأروقة، وصولاً الى مقاعدهم. احتلوا مقاعدَهم... كلها، فامتلأت بهم، بعدما شغرت مقاعد المنكفئين المكسوة بالغبرة؛ كانوا الحضور بين الحضور، والحضور عن الغائبين، حضروا عنهم وعن الذين يخافون الدخول الى مجلسهم.
ها هم، الشهداء يحتلون المجلس كلَّه. الأصوات كلها. الكراسي كلها. يرفعون أيديهم الكثيرة، ليملأوا النصاب كله. نصاب الحرية. والأرض، والاستقلال. والحق.
الشهداء كثر في المجلس وأكثر من نصابهم المزعوم، فكفوا عن تعدادهم، لأنهم باتوا بلا عدد.
ومَنْ يَصِرْ بلا عدد يملأ النصاب كلَّه من أقصى الوطن الى أقصاه!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.