8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أَرَئيسٌ لا ينتخبُه أحدٌ!

هل نريد رئيساً للجمهورية لا ينتخبه أحد. أي لا ينتخبه سوى من يجب ألا ينتخبه، ويمنع من انتخابه من يجب أن ينتخبه، فيكون "رأساً" بلا جسم، ولا جمهورية، ولا أعضاء، ولا ناس. هكذا رأسٌ قُطف من بين الرؤوس "اليانعة" لكل شيء إلا لتكون في مقام الرئاسة الفعلية؟
هل نريد رئيساً يكون لكل شيء إلا للجمهورية، كما هي الحال مع لحود الراهن والسابق والداهِم والغاشم والنائم والعائم، فتكون جمهورية بلا رئيس، ورئيس يعادي الجمهور والجماهير والجمهورية؟
إنها المرة الأولى التي "يناقش" فيه أمر الرئيس، ومواصفاته، وبرنامجه، ومشربه، ومأكله، ودوره، وشخصيته، ومآله، منذ أكثر من ثلاثة عقود. باعتبار أن المرحلة السابقة، بقضها الوصائي وقضيضها الناهي، ما كان لأحد أن يناقش هذا "الحدث" الجلل، ولا أن يجرؤ على أن يُسمّي، أو أن يوحي التسمية، أو يُنكر التسمية، سوى مَنْ لهم من أهل الوصاية أن يُسمّوا، من "لَدُن" الخارج "القسري"، والداخل "المكسور".
وهكذا كان لـ"كلمة السر" أن تعلن ما تريد وتأمر وأن تفعل فعلها السحري، والعجائبي، "الكواليس" المعدنية، والقبب المصفحة، من أرادت أن تعين وحدها، بلا شريك، ولا نصيح، ولا مَشُور، ولا نواب، ولا زعامات، ولا قيادات، ولا مفكرين، ولا إعلام، ولا شيء!... "فكلمة السر" واحدة. بمعنى آخر كانت الوصاية (أو الوصايات المتعاقبة) هي التي تنتخب نفسها عبر الرئيس، وهي تصطفي إرادتها دون أي حسيب، أو رقيب، أو اعتبار، أو خيار. الرئيس يأتي إما موضباً بالسلوفان، أو بقنبلة موقوتة، أو بدمية، أو بروبوت. لا يأتي إلا لأنه جيء به. ومن يجيء به يقرر "برنامجه"، وبرمجته، ويركب صوته، وزلاعيمه وذراعيه، وعينيه، وأزرار قميصه وبنطلونه، وكلامه، ويعيد "تظبيط" "منخاره" وسمرته و"برونزاجه"، ومخه (هل يذكر أحد مُخّ اميل لحود "أشرف الرجال" يا عيب الشوم!)، وعُقَيلَه الباطني، وزلعومه الخارجي، وكيميائيته... رئيس "رمي" من العتمة الى العتمة، ليحوّل كل ما حوله عتمة بعتمة.
إنه الرئيس "المُلهم" الذي انتخبه رئيس آخر "أقوى" إلهاماً، ليصبح عندنا "رئيسان": واحد "مُلهِم" بالعبقرية الممزوجة بالطغيان الوافد، ورئيس "مُلهَم"، ليس له إلا أن يستوحي ما يُوحى له من "ابداعات" قاتلة، ومُعدمة، وقاحلة، فإبداعات الرئيس الذي ينتخبه الرئيس القائد لا تختلف إلا من حيث الرتبة والمرتبة من إبداعات الرئيس المُقود أو القَوّاد أو المستقاد! هذه كانت حالنا مع آخر رؤساء الوصاية: اميل لحود: وزير الوصايتين، وزير العمالة، وإبريز الخنوع.
اليوم، ينصّب هموم بعضهم من أهل "الكرامات" (الصوفية ربما)، ومن "هجائن" الانتماءات البرانية، ومن حَمَلَة البراثن الأخوية ان يُعيدوا كل شيء الى ما كان عليه قبل 14 آذار. أي العودة الى "الناخب" الواحد والوحيد، وحامل "كلمة السر الواحدة والوحيدة"، ومسترجع زمن الوصاية الجميل، والبهي، عبر المنطق الذي ساد عقوداً: على "الخارج" أن ينتخب الرئيس، وعلى الداخل أن ينفذ. على الارادة الوافدة المدججة بالوعيد والحروب والقتل والخراب أن تنتخب، لا البرلمان، ولا الناس، ولا الأحزاب، ولا الديموقراطية، ولا "القيادية" ولا المجتمع! فهؤلاء كلهم من "لزوم ما لا يلزم": واجهات هشة، "لا تهشّ ولا تنشّ"، وديكورات يمكن نقلها من مسرح الى مسرح، ومن موقع الى موقع؛ ومن قال ان "الجمهور هو الذي ينتخب الرئيس في الوقت الذي يجب أن نعرف أن الرئيس (في بلاد الديكتاتوريات) هو الذي ينتخب الجمهور. إنه منطق (99.99 في المئة الذي وصل مع صدام الى 100 في المئة. وربما سيصل مع "أشباه" صدام، وبعجائبية مجترحة الى 150 في المئة من الشعب، إذا احتسب من مات أو من سيولد بعد عقود. فالرئيس المعجزة لا "ينتخبه" الأحياء فقط، بل يُصر الموتى ولو من سنوات، والمواليد ولو بعد سنوات مديدة على انتخابه، لكي لا تفوتهم هذه "المأثرة"، وهذه "المعجزات" الديموقراطية الخارقة! وكما أن الرئيس القائد هو الذي "ينتخب" الموتى أيضاً، فلماذا لا ينتخبه الموتى؟ وكما أن الرئيس القائد هو الذي ينتخب "الآتي"، والمولودين فلماذا ينتخبه هؤلاء قبل أن "يأتوا" وقبل أن يولدوا... باعتباره مجترح الغيوب، والأبديات، والخلود، و"نبي" الأزمان و... كان يا ما كان!
اليوم، يريد الناس في هذا البلد المنكوب بجَوارِيه وبجِوَارَيْه، أن يقلبوا صفحة "الوفيات": أي الرؤساء الذين يولدون وكأنهم مدرجون في صفحات الوَفَيَات! تنتهي مدتهم الرئاسية قبل أن يبدأوها. ويمدد لهم لأن مدتهم الرئيسية لم تبدأ. يجددون لرئيس ليس له أن يبدأ! (هكذا مدّد لرئيس حيطان بعبدا). يريد الناس بعد 14 آذار رئيساً شاركوا في انتخابه، ويشاركون في حكمه. لا يريدون إميل لحود آخر: متواطئاً ضدهم، ومعادياً لجمهوريتهم، لا يعمل إلا ضد مصالحهم، ومدمراً ديموقراطيتهم، وسارقاً إرادتهم... يريدون رئيساً للجمهورية، وجمهورية برئيس فعلي.
اليوم، وبعد عدة قرون، وبعد انتفاضة 14 آذار، وما دُفع من أجلها من أثمان باهظة، وشهداء، يريد الناس أن يكون عندهم رئيس لهم، لا رئيس عليهم. وهل هذا كثير على اللبنانيين أن يكون عندهم رئيس لا تنتخبه وصاية عربية من هنا أو وصاية أعجمية من هناك! وهل أن الشعوب التي تختار رؤساءَها بأفضل من اللبنانيين. وهل ان اللبنانيين، كما دأبت الآلات الاعلامية الشقيقة، قاصرون، ليكون هذا القائد الملهم من هنا وهناك "أرشدَ" منهم، لأن "جمهوره" المُفتَرَض افترض أنه اختاره في الوقت الذي اختار هو "جمهوره" وإرادتَه وصوتَه!
فالذين انتفضوا، وثاروا، وقلبوا الموازين بالديموقراطية، ليسوا أقل من سواهم ولا أقل رشداً ممن استلب منهم خِياراتهم! إنهم اختاروا... وها هم يرفضون أن ينتزع منهم اختيارهم، واللعبة الجارية اليوم من بعض المرتهنين المعروفين تقضي بأن "يُلغوا" كل الانجازات الديموقراطية والسياسية والبرلمانية والاجتماعية التي تحققت مع 14 آذار ويُعيدوا المنطق الماضي المشين، عبر تجاوز نتائج الانتخابات النيابية، ووجود مجلس نواب منتخب، وحكومة نالت الثقة، وصفحة جديدة تفتح على المستقبل. كل هذا كأنه لا يعنيهم! بل كأنه لم يحدث: فكأن منطق "الأكثرية" الوهمية ما زال مشهوراً في تلاييب مُخوخهم المستعارة! وإذا كان الأمر كذلك: فلماذا الانتخابات أصلاً، ولماذا "تعذيب" الناس ودعوتها الى ممارسة حقوقها الديموقراطية، ولماذا عناء أن يختار مجلس النواب حتى رئيسه، وتالياً رئيس الجمهورية، ما دام يمكن، عبر التهديد، والجنون، والفجور، والقتل، ألا يختارهم سوى من لا يحق له أن يختارهم: الوصاية أو الوصايتان أو الأكثر! وسياسة عزل الناس وإعدام "وجودهم" السياسي الحر (كما هي الحال مع الأنظمة الاستبدادية) يجب أن يستمرا: يريدون جمهورية بلا جمهور وجمهوراً بلا جمهورية: قطعاناً تائهة بين قبضات المخابرات والأجهزة والقمع والفقر والخضوع واليأس وتالياً يريدون رئيساً بلا جمهور ولا جمهورية، ليكون عندنا جمهورية وجمهور بلا رئيس: خيال رئيس مضى، وظل جماهير "منقرضة": ظلال بظلال، وما أسهل تحريك الظلال على شاشات الوصايات والأصابع والأقبية! أكثر: كان دأب أهل الوصاية (والوصايات) أن تكون الجمهورية "جمهورية ظلال" أو جمهورية رمال متحركة، بمعنى أنهم دأبوا على أن تكون الجمهورية، بلا نظام أو أن يكون "النظام" بلا جمهورية. أو أن تكون الجمهورية مجموعة جمهوريات "غير معلنة" "مُلَزَّقة" بقوة "سلطة" عليا، بحيث لا يلتقي أحد أحداً: أي جمهورية بلا نظام ولا جمهور إلا من باب الافتراض. وعندما اتفق على "الطائف" كدستور لنظام، كان عليهم أن يفعلوا كل شيء لكي لا يصل الدستور الى النظام، والنظام الى الدستور. وهكذا يكون النظام السياسي بلا نظام: أي نظام اللانظام لكي تكون هشاشته مرتبطة بمنظومة النظام الخارجي الواقع أيضاً بنظام اللانظام على قاعدة حصر السلطات في قبضة أقلية مهيمنة على الدستور والصلاحيات والاعلام والبرلمان والحكومة: بحيث تكون مجرد افتراض أو وسيلة أو مطية! ولهذا ربما راعهم أن يتمسك أهل 14 آذار بدستور الطائق كمكوّن أساسي للنظام السياسي وعناصره: الديموقراطية، السيادة، الاستقلال، الحرية، راعهم أن يكون للجمهورية نظام ما تنتظم فيه السلطة والدولة والقانون. ذلك لأنهم يريدون أن تستمر جمهورية بلا نظام، ولا نظام في جمهورية نظرية. وهكذا، تستمر "أنظمة" عديدة داخل النظام، وجمهوريات عديدة داخل الجمهورية، فتكون الظاهرة الكانتونية، (أو الغيتوية) على الأرض، وفي الأيديولوجيا، أقوى من "الوحدة الوطنية"، وأقوى من وحدة الأرض والناس وما ينتظمهما، أي أقوى من الدولة. وهذا ما ارتكب فعلاً: فصل مجلس النواب عن الجمهورية والدستور، وفصم رئاسة الجمهورية أيضاً عن الجمهور، ومحاولة تعطيل الحكومة كناظم للعلاقات التنفيذية، وتالياً جعل هذه السلطات أشلاء ومجرد بؤر منفية ومتباعدة في شبه دويلات لتقوم مكانها دويلة من هنا "إلهية"، أو أخرى قبلية... وما نراه ميدانياً، ان انصباب بعضهم ممن لا يعرفون الجمهورية إلا حصيلة تواطؤات مع الخارج، على تفتيت مكوّنات الدولة الجمهورية والنظام ما هو إلا محاولة لتنفيذ سياسة معروفة عند الصهاينة: ضرب كل بنية متماسكة حول دولة بني صهيون العدوانية، فبتشتت كل ما حولها، تتماسك على تشتت الجوار. ذلك أن فصل النظام عن الجمهورية عن السلطة عن الدولة عن الناس هو إرساء الفوضى والعدمية والخراب والتفكك في أوصال البلاد. هذا ما يحاولون ارتكابه في فلسطين والعراق ويريدون ارتكابه في لبنان لخدمة الصهيونية وإراحتها وطمأنة اسرائيل وتحقيق حلمها بالتوسع والسيادة والطغيان. وماذا أرادت أن تفعل اسرائيل منذ إنشائها القسري سوى بلبلة العالم العربي وتخريب البنى القائمة إزاء بدائل عينية الآن في فلسطين والعراق: وما يفعله بعضهم في هذين البلدين (إضافة الى أميركا) يصب عند مصالح الدولة العبرية. وكلنا يعلم أن المحاولات الانقلابية التي أفشلها الشعب اللبناني كان من ضمن رؤاها الجهنمية عرقنة لبنان وتحويله بؤرة تقسيمية كما فعل "أخونا" هنيّة بغزوته المبينة على غزة!
ونظن أن هذه الاتجاهات الانقلابية لم تيأس بعد. وها هي اليوم وبرغم ما يشاع عن مبادرات (المبادرة الأهم فتح مجلس النواب للنواب "وليس للنوم حتى انتخاب الرئيس"!) وها هو الاستحقاق الرئيسي ماثلاً: كل همهم استمرار تعطيل مجلس النواب كمنفذ لهذا الاستحقاق عبر لعبة الأكثرية والأقلية، أي عبر الديموقراطية. كل همهم أن يأتوا برئيس لا تنتخبه الجمهورية عبر ممثليها الشرعيين. كل همهم أن يأتوا برئيس من "خارج" الجمهورية يكون "لا رئيساً" على لا جمهورية... هذا في أفضل الأحوال. أما في أحسنها: فتعطيل كل شيء! الانتخابات. الرئاسة. الحكومة. الفوضى. الجنون. الاغتيالات. الفراغ. أي الوصول الى نظام اللانظام، الى جمهورية اللاجمهورية، الى دولة اللادولة. الى سلطة اللاسلطة. وعندها وإذا تم ذلك (لا قدَّر الله والشعب)، يكون لكل القرارات الدولية 1559، و1701، وسواهما المصير الأسود... من المحكمة الدولية، الى وجود الجيش اللبناني على الحدودين الجنوبية والشمالية، الى استعادة مزارع شبعا (تأملوا أنهم لا يريدون أن تستعاد مزارع شبعا. تأملوا! فقط! أهل التحرير عندما يصيرون ضد التحرير. براو! أكملوا بربكم!)، الى قرار الحرب والسلم (الذي يجب أن يكون بداهة في أيدي الدولة)، الى السلاح غير الشرعي، الى وضع المخيمات، الى الدويلات المذهبية داخل الدولة...
إنه نظام اللانظام يريده أهل الوصاية أن يعود كما كان (بإذنه تعالى!) في عصر الوصاية! والمناسبة "الأجمل" للعودة قد تكون بالنسبة الى أهل الورع والتقوى والمال الوفير "المتناظف" و"المتناقئ"، هو الاستحقاق الرئاسي!
أنكون سوداويين؟ ربما! لكن حذرون وواقعيون (اسمعوا ميشال عون الرقيب المتقاعد تعرفوا "السر"! وكذلك بعض إعلام الوصايتين: المذهبي منه (عريق) والآخر المعروف). مع هذا، لا يمكن إلا أن نكون محكومين بالأمل (رحمك الله يا صديقي العلماني التقدمي الحر سعدالله ونوس! ليتك ترى موقف أصدقائك لبكيت في قبرك!". أن نكون محكومين، وإذا كانت مبادرة الرئيس بري بصيصاً، فلنفتح نوافذنا... وإذا كان بداية فتأمل أن تستمر، وإذا كانت جدية فلنجذَّ في تطويرها. ذلك أن اللبنانيين يفتحون صدورهم لكل بارقة، ولكل هبّة هواء، شرط أن تخدم حريتهم، وسيادتهم، واستقلالهم وديموقراطيتهم، وقضاياهم: من المحكمة الدولية الى قرارات المجتمع الدولي الى تعزيز الدولة عبر وضوح نظامها، وتمتين الجمهورية بدستورها، وقوانينها، وتراتبياتها.
هذا ما نأمله: أنكون في آمالنا مخطئين؟ ربما! لكننا ما زلنا "محكومين بالأمل"! فهذا قَدَرُنا!
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00