8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ماذا في 25 أيلول الجاري؟

...وأخيراً دعا الرئيس نبيه بري النواب الى جلسة تعقد قبل ظهر 25 أيلول لانتخاب رئيس جمهورية (جديد)، خلفاً لاميل لحود (الممدد له بقسريات الوصايتين بالتضامن والتكافل والتآزر). عال! وهل يمكن ألا يتمنى أي لبناني من أن يقوم رئيس برلمانه (الذي انتخبه وليس العكس) بواجباته الدستورية والوطنية؟ وهل يمكن إلا أن ترحب "المعارضة" (بتوع الانقلابات المتنقلة حتى مخيم البارد) وكذلك الأكثرية التي لا تطالب بغير احترام الدستور وانتخاب رئيس جمهورية يكون فعلاً خلفاً لرئيس لم يحكم لحظة واحدة بحسب إرادة اللبنانيين، ويجيء كل ذلك في الوقت الذي حقق الجيش اللبناني انتصاراً على جماعة الارهابي شاكر العبسي المُرسَل كوديعة "إلهية" من لدن "الالهيين" من هنا وهناك لإحداث انقلاب (هو تتمة أو استمرار للمنقلبات التي شهدناها على امتداد السنتين الماضيتين) ويؤدي الى تعزيز التقسيم بطريقة دموية، ويكون استنفاراً لأشكال تقسيم يبشر بها رافعو شعارات إما كذا وإما كذا. إما إملاءاتنا وإما الحرب.إما الخضوع لإرادتنا أو الفوضى أو التقسيم. (ميشال عون ما زال مستنفراً "مُقَصّر وفُصّو حامي" كما يقال في العامية، أي مقصر ويريد أن يضرب بأذرع الآخرين). وترافق دعوة بري الى الانتخاب الرئاسي، مناورات "أقلوية" تهدد بالويل والثبور كما عودتنا منذ خروج الوصاية من لبنان، مع تطرية شكلية عبر الترحيب بمبادرة بري والتراجع عن المطالبة بحكومة وحدة إيرانية ـ سورية كشرط لفتح باب المجلس النيابي والانتخاب بالثلثين لا بالأكثرية المطلقة. وإميل لحود (ما غيرو) رحب، وطالب بدوره أن تتم عملية الانتخاب بالوجه الدستوري "كما اعتاد اللبنانيون"، باعتبار أن التجديد له تم بطريقة ديموقراطية، حرة، يفتخر بها "اللبنانيون"، وتحتذي بها الديموقراطيات العريقة في العالم. وحزب الله رحب أيضاً. وحلفاء حزب الله "القسريون" رحبوا أيضاً. فما أروع هذا الترحيب الذي لم يؤدِ الى رفع احتلال بعض آذاريي الوصايتين معسكرهم عن وسط العاصمة. فهل يعني كل هذا أن "الاخوان" تحولوا فجأة الى مناصرين لتنفيذ دستور (الطائف)، واحترام الآلية الانتخابية، والى "حمائم" ديموقراطية تحلق ببراءاتها وهديلها المخملي فوق سماء الوطن بألف جناح وبألف طيران؟ وهل علينا أن نُصَدِّقهم (وبلا شروط) ونَصدُقهم، لكي لا نتهم بالعداء للدستور، وللمصالحة، وللتوافق، والسلم الأهلي، والوحدة الوطنية والجغرافية والتاريخية والبيولوجية والجينية والمذهبية...؟
ومن لا يحب أن يصدق أي صوت يدعو الى فتح مجلس النواب الذي أغلق بإرادة خارجية وعطل ليُستبدل بحوارات وهمية لم تكن سوى مناورات تخفي وراءَها تحضيرات لانقلابات وفوضى شهدنا فصولاً عديدة منها. ومن لا يتمنى أن ينخرط الجميع في لعبة الصراع السياسي عبر المؤسسات الديموقراطية والاجتماعية والسياسية: ومن منّا لا يُحبذ أن يعمد آذارييو الوصايتين الى الخيار الوطني الاستقلالي، والديموقراطي، واحترام الخصم، والآخر، بدلاً من اعتماد لغة سوقية اتهامية بازارية تخوينية (وما أجمل الخونة والعملاء عندما يخوّنون الآخرين. رائعون!).
لكن التمني شيء والواقع شيء آخر و"تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"، وقد علمنا معظم هؤلاء آذاريي الوصايتين أن أجندتهم مبرمجة من الخارج. وأن الوطن "تفصيل" أو ذريعة أو ساحة عبور الى ما هو أبعد منه. مفردة في لغة أشمل وأكبر. وإن ما يخفونه أحياناً أخطر بكثير مما يُبدونه ويعبّرون عنه. وعندما يهددون بالتقسيم فإنهم يعنون استكمال عدة التقسيم الواقع في "جغرافيتهم" المعسكرة، والمؤمننة، مربعات ومثلثات هنا حوالي بيروت وصولاً الى الحدودين، وأبعد منهما. وعندما يهددون بالحروب الأهلية، فلكي يعنوا أن ما بدأوه من خطط لافتعال هذه الحروب التي أفشلها الشعب سيكملونه، وان فيروس الحروب الداخلية لا يمكن أن "تدمره" طاولة حوار، أو مبادرة من هناك، أو تعبير عن حسن نوايا من هناك. وعندما يستمطرون "آيات" التخوين إنما يعنون ان الفوضي ومسلسل اغتيالات الرموز الوطنية من 14 آذار، والاعلاميين سيستأنف بإذن أربابهم وباسمهم كوكلاء ومعتمدين لتلك الارادات والخطط، ومبررين لها، ومضللين للتحقيقات، ومتوهين للحقائق. فعدة تبرئة المجرمين جاهزة، وماكنة تحويل الأنظار عن مرتكبي الجرائم، ومفجري السيارات، ومحدثي الفتن (جماعة شاكر العبسي والوصايتين العبسيتين) ولو قال لنا بعضهم انهم فقط قاعدة وإرهاب... من البعيد البعيد!
إذاً نحن ما زلنا في هذه الدوائر "الجهنمية، ولو هَلَّت شآبيب تفاؤل متقطعة من هنا وهناك وآخرها "شؤبوب" الرئيس بري الذي رافقه جنون بوم الرابية بالتهديد بالخراب إذا لم يتم "التوافق" عليه رئيساً. (فالجنرال الذي صار رقيباً متقاعداً يعتبر نفسه مرشح التوافق برغم كل الشتائم والاتهامات والتجريح التي وجهها الى الفريق الآخر، وهو إذا اقتضى الأمر يعتبر نفسه أيضاً مرشح "الصدام" إذا كان أن يقدم كرابوق يستخدم لمنع الانتخابات لا كمرشح فعلي. وهل هناك عاقل يمكن أن يقتنع أن حزب الله مثلاً يمكن أن يوصل عون الى الرئاسة، أو أن يقبله رئيساً. فعون، كما نستشف لا يريده أحد رئيساً، وحتى الآن، وبرغم "ذكائه" الخارق، لم يكتشف ذلك!). ومن هذا القبيل لا نظن أن هؤلاء يريدون "خلفاً" لعميل لحود. بل يريدون لحوداً (وَلَحوداً) نسخة طبق الأصل عنه:
1 ـ يعطل رئاسة الجمهورية من جديد، يجوفها من موقعها، ومن عناوينها، ومن دورها.
2 ـ تعطيل المحكمة الدولية (وهو لب الموضوع). ويا ليت يعطي "المبادرون" اليوم ضمانات حقيقية باحترام قيام المحكمة الدولية!
3 ـ تعطيل القرارات الدولية لتعطيل وجود القوات الدولية والجيش علي الحدود.
4 ـ تعطيل دور الجيش اللبناني على حدوده الجنوبية وحماية الحدود الشمالية. ذلك لأن هؤلاء الذين وضعوا خطوطاً حمراً للجيش وساووا بينه وبين العصابة العبسية، ها هم يرحبون بانتصاره. وكلنا يذكر دفاع أحمد جبريل "كيف دافع عن هذه العصابة مدعياً أن أفرادها كانوا يريدون قبض مرتباتهم الشهرية لا السطو بالقوة على المصرف. ونحن نعرف من هو أحمد جبريل"، وكلنا يذكر كيف أن بعض الأصوات السياسية والاعلامية دأبت على إحباط همة الجيش وضرب معنوياته إبان معاركة مع العصابة الانقلابية. وكلنا يذكر كيف راح بعضهم (وحتى الآن) يقترح حلولاً سياسية مع عصابة العبسي لضرب صدقية الجيش وإخراجه مهزوماً "سياسياً" وعسكرياً من المعركة. (هؤلاء الذين يتكلمون عن النصر المهرب، هم الذين كانوا يدسون على الجيش ليتيحوا للعصابة نصراً "غير مهرّب"...! (برافو! يا قلاع العروبة التي صارت أشداقاً للمخابرات الأعجمية).
هؤلاء يحاولون اليوم احتضان نصر الجيش واستيعابه تمهيداً لتوظيفه ضد الشعب والمحكمة والحدود والقرارات، واستخدامه لشق الأكثرية وزرع البلبلة فيها!) ولا نعرف لماذا شنت حملة "إلهية" من المحطة الالهية (المتوأمة) مع محطة "عربية؟"هي مأوى الارهاب والتخلف والقتل، ومحط السياسة الصهيونية! فيا له من لقاء رائع بين شبيهين أو نقيضين وسيان لا شتان؟
5 ـ إبقاء البؤر الأمنية على حالها، وكذلك السلاح الفلسطيني خارج المخيمات "طليقاً" ضد من؟ ومع من؟ وهذا السلاح الفلسطيني خارج المخيمات لا هو فلسطيني ولا هو لبناني، وإنما هو مؤتمر بإرادة الوصاية عبر بعض "مستخدميها" كأحمد جبريل. إذاً علينا تغيير "التسمية" من سلاح فلسطين خارج المخيمات الى سلاح الفتنة "الوصائية" خارج المخيمات. ونظن أن "الفلسطينيين" براء من هؤلاء العملاء!
6 ـ إبقاء مزارع شبعاً ذريعة لاستدراج حروب مع العدو، تكون وسيلة لانقلابات داخلية (كما حصل في استدراجات تموز الماضي)، ولتدمير لبنان بشراً وحجراً واقتصاداً ودوراً تميهداً لاستفراسه من بعض الأحزاب "الالهية" المتنعمة بمردودات مادية لا تتأثر بهذه الحرب.
7 ـ إبقاء العلاقات اللبنانية ـ السورية ملتبسة من حيث التمثيل الديبلوماسي، لتكون "رسائل" مشفرة تعني "عدم الاعتراف بكيان لبنان المستقل"! ولتبقي على هذه العلاقات الشاذة وغير الطبيعية بين بلدين مستقلين ومجاورين.
8 ـ إبقاء سلاح حزب الله وحده دون سواه، ربما لاستدراج القوى الأخرى للتسلح لإيجاد ذريعة لاستخدام السلاح الالهي في الصراعات الداخلية، أو لاستدراج حروب "أهلية" تكون شبيهة باستدراج العدو لتدمير لبنان! فسلاح المقاومة شيء (ونحن معه) وسلاح حزب الله بعد التحرير) شيء آخر. ونتمنى لو أن حزب الله يختار الانخراط في المجتمع المدني ومؤسساته كحزب سياسي ويقدم سلاحه الى الجيش اللبناني شريكه في مقاومة العدو الصهيوني!
فهل يمكن أن تؤدي مبادرة الرئيس بري الى انتخاب رئيس يواجه فعلاً كل هذه الظواهر المزمنة. وهل يقبل الرئيس بري نفسه بمجيء رئيس يؤمن باستقلال لبنان وسيادته، ومحافظته على القرارات الدولية والمحكمة ووحدانية اقتناء السلاح للجيش، وكسر منطق الكانتونات... وهل يقبل حلفاؤه؟ والله، نتمنى ذلك، وعندها يمكن أن نتفاءل بدعوة بري النواب لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وعندها نصدق ان هذه الدعوة ليست "ملغومة"، وليست "معدة" لتعطيل المجلس، وإفراز حكومتين، وبلدين، وسلطتين، وحروب وانقلابات وفراغ وفوضى.
نحن نتمنى أن تنجح مبادرة بري لسبب أن الدعوة شيء وحضور نواب بري نفسه شيء آخر، فما بالك بنواب الوصايتين!
مع هذا نتمنى لك النجاح أيها الرئيس نبيه بري!
فوا حبذا.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00