8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ذكرى بأية حال عدتٍ يا ذكرى!

كان يمكن أن تكون الذكرى الأولى لحرب تموز التي ارتكب فيها العدو الصهيوني ما يرتكبه عادة عدو بربري، متوحش، محكوم بايديولوجيا الكراهية، والهيمنة، والالغاء، والعدوان، والقتل. (وكل ايديولوجيا مغلقة كالصهيونية وربيباتها في القرن العشرين، هي ايديولوجيا قاتلة. ونظن أن هذه الايديولوجيا المتعصبة، العنصرية بقوامها الديني المتطرف الكانتوني، انتشرت كالوباء في الجوار الأقرب والأبعد) كان يمكن أن تكون هذه الذكرى التي تكبد فيها لبنان وشعبه الخسائر المادية والبشرية الجسيمة فرصة للقاء أهل التحرير وأهل الاستقلال. بل كان يمكن أن يلعب حزب الجهاد دوراً محورياً في التوحيد باعتباره آتياً من ساحة التحرير. ولكن، ماذا نرى في هذه الذكرى بعد سنة من ممارسة المنتصر الالهي؟ كيف نلاقي هذه الذكرى. و"عيد بأية حال عدت يا عيد؟" لكن ماذا فعل حزب التحرير بأهل الاستقلال؟ خوّنهم. كفّرهم. وتقلب في طرحه، وتمادى في إظهار شبقه بالسيطرة على السلطة ككل، عبر ذهنية انقلابية، تجلت من غير لبس، عبر التحركات العنيفة، واحتلال الساحات العامة، والاعتصام في وسط العاصمة، وإطلاق شعارات الترهيب والترعيب والتفتيت والتكسير والتحطيم والاستكبار والتخويف والتهديد بالحرب. وإغلاق مجلس النواب، ومصادرة رئاسة الجمهورية، ومحاولة إسقاط الحكومة الحالية التي تمثل الأكثرية المنتخبة.شيء مخيف! وحزين. أن ينتقل حزب التحرير "الالهي" من مقاومة اسرائيل الى مقاومة الدولة، والشرعية، وأكثرية الشعب اللبناني، محدثاً آثاراً بليغة في الوحدة الوطنية، والاجتماعية، والسياسية والاقتصادية، شاهراً تحالفه العلني أو الأحرى شاهراً ارتباطاته العلنية لنظامي الوصاية. فأي حزب تحرير يتحرّك ضد الحرية. وأي حزب تحرير يناهض الاستقلال، وأي حزب تحرير يحاول تحطيم البنى التي تقوم عليها الدولة!
ونظن أن مقاومة حزب الله لاسرائيل في عدوانها على لبنان، كان لا بد من أن تُثَمَّن من قِبَل الناس، تماماً كما ثُمِّنَتْ مقاومته على امتداد عقدين في الجنوب والبقاع. ولكن يبدو أن هذا التثمين الضروري اصطدم بعوامل عديدة، منها أن الحزب قسّم الشعب اللبناني حوله (بعد ممارساته) بدلاً من أن يجمعه. ومنها أنه استغل هذه الحرب التي تحمّلها كل اللبنانيين، ليرتكب انقلاباً بالطرق عير الديموقراطية وفي جولات عديدة تمَّ إفشالها. ومنها استمراره في تنفيذ "ايديولوجيته" للهيمنة على كل لبنان. فإما السلطة كل السلطة وإما الأزمات والحروب والعنف. ومنها بروز "ضيق الهامش" الخاص الذي يسمح له أن يتحرّك ضمنه واتساع ارتباطه بنظامي الوصاية مالاً وسلاحاً وقراراً وموقفاً واستراتيجية!
ونظن أن هذا الهامش المتضائل يوماً بعد يوم أثار قلقاً كبيراً لدى أكثرية اللبنانيين، في اعتبار حزب الله بات "حالة غير لبنانية" تماماً كما هي حال أحمد جبريل كحالة سورية لا فلسطينية.
وهذا يعني إعادة لبنان ساحة لصراع الآخرين، ومصالحهم، ليكون اللبنانيون، وأرضهم، ومصيرهم، نهب هذه المصالح، ووقوداً لها. بل ليكون لبنان كله مجرد "ذريعة" أو "محطة" أو قصاصة أو معبراً، في مشروع إقليمي أوسع منه، لا حول لأهله فيه ولا قوة ولا إرادة. يعني "مستقبلاً" مجهولاً، تصوغه خطط خارجية وتنفذه أيدٍ "بلدية"! وهذا فعلاً ما يؤسف له، عندما نرى أن جبهات التحرير في العالم، وحركات المقاومة، انخرطت عموماً في دولها، وبعد التحرير، وشاركت في صناعة النظام، والديموقراطية، والسيادة، والاستقلال. وهذا ما يؤسف له، عندما نجد أن حزب الله ممثلاً، لشريحة أساسية في البلد، يحاول أن يفصل هذه الشريحة، المفترض أنها تحريرية، (يعني استقلالية) عن محيطها الكبير، في شبه مربعات كانتونية، تذكرنا بالمربعات الكانتونية التي حاول إقامتها بعض الميليشيات المذهبية، على امتداد حروب الآخرين على لبنان في السبعينات. وتلك أيضاً كانت تتحرّك ضمن مسميات المقاومة!
وكان يمكن أن ننتظر في هذه الذكرى أن يكون حزب الله (حزب التحرير) الظهير الأول للجيش اللبناني، شريكه في المقاومة، وفي الشهادة، وفي الدفاع عن الوطن. وبدلاً من ذلك نرى حزب الله "يضع خطوطاً حمراً" لهذا الجيش في حربه مع عصابات العبسي المرسلة والمدربة من الجوار العربي. شيء مؤسف في هذه الذكرى، أن يبث حزب الله (و8 آذار) سموماً خبيثة تتسم بالعدائية الخفية للجيش تحت شعار "الحرص عليه"، وتتهم الحكومة بتوريطه في معارك مخيم البارد، في الوقت الذي ذبحت فيها عصابات العبسي أكثر من 30 عنصراً من الجيش غيلة وغدراً. شيء مؤسف بل مُزرٍ يخفي ما يخفي من مخططات لإفشال الجيش وضرب دوره، ليبقى حزب الله هو القوة الوحيدة التي تحمل السلاح (وعلى من) والقوة الوحيدة التي تقرر الحرب والسلم، والقرارات المصيرية. أكثر: من المؤسف أن تبث السموم الاعلامية الصادرة عن محطات حزبية "إلهية"، لتشويه دور الجيش، وحضوره، وعلاقته بحماية الدولة، والأمن، والمجتمع والحياة السياسية!
إذ كيف لنا نحن الذين وقفنا وراء المقاومة زهاء عقدين، بكل ما نملك، ومن دون أي شرط، أن نحيي هذه الذكرى من دون الجروح العميقة التي يحدثها حزب الله في تعاطيه مع أهل الاستقلال، ومع الجيش! بل كيف نتقبل قولة حزب الله بالاعتراض على تسليح الجيش من أميركا ومن العرب، في الوقت الذي لا يعترض على تدفق السلاح الى المجموعات الارهابية، وبعض البؤر الأمنية المفلتة داخل المخيمات وخارجها! ممنوع تسليح الجيش، ومحظور عليه أن يكون جيشاً، ومسموح له (أي حزب الله) بامتلاك 30 ألف صاروخ وترسانة أسلحة وعتاد تقدر بمليارات الدولارات! وبدلاً من أن يُمدّ حزب الله الجيش بما يمتلك من سلاح ووسائل راح "يدين" توفير السلاح والذخيرة للجيش الذي حوله اميل لحود، والوصايتان، وبالتواطؤ مع حزب الله، مجرَّد جيش أعزل، نظري، "جمالي" لا سلاح لديه، ولا ذخيرة. أيريد حزب الله أن يُجَرِّد الجيش من سلاحه ومن ذخيرته، ويحوّله ظلالاً ومجرد شاهد زور، وملحقاً لمخابرات الوصايتين. ولماذا لا نقابل اعتراض حزب الله على تسليح الجيش باعتراضنا على سلاحه بعد التحرير والذي هدد بعضهم الشعب اللبناني به ("نستطيع الوصول الى بشري بست ساعات". براو! ولكن المهم كيف الرجوع إذا رجعوا!).
ألا يحتاج الجيش الى مجهود الشعب اللبناني كله؟ أوليس من لبنان هذا الجيش؟ بل ولماذا لم يعترض حزب الله مثلاً، (بالمقابل، على ترسانة الجيش السوري في لبنان. بل كيف لا ينتقد على الأقل وجود هذه الكمية من الجيش السوري (إبان الوصاية) وهذه الكمية من السلاح، في الوقت الذي لم يكن للجيش "وجود" عسكري فاعل بسبب تجريده من السلاح). بل لماذا كان حزب الله يمتدح الجيش باعتباره "وطنياً" ومقاوماً، عندما كان ملحقاً "شبه أعزل" وبالمخابرات، واليوم ما هو يزرع الشكوك حوله، عندما استقام دوره، وأبدى فاعلية، وبسالة، وخبرة، في مقاومة عصابات العبسي الوافدة من أقبية المخابرات الشقيقة! أكثر: في الوقت الذي تبث بعض محطاته السموم حول جيشنا، لم نلحظ لحزب الله أي موقف من الحشود السورية والفلسطينية التابعة لأحمد جبريل كعميل سوري، على الحدود اللبنانية! على هذا الأساس يطالبنا حزب الله بأن نحييه في ذكرى تموز (ونحن نحيي صموده برغم الخسائر، وبرغم عودة الجيش الصهيوني مسافة 20 كلم داخل الأراضي اللبنانية...)، وما علينا نحن أن نطالبه بأن يلتقي وأهل الاستقلال، وكذلك الجيش الذي يخوض أيضاً (مثل حزب الله) معركة تحريرية، ومقاومة ضد الارهاب... أتراه تواطؤاً؟ أتراه جزءاً من "خطة" انقلابية تتمة للمحاولات الانقلابية السابقة لإقامة إمارة "تقسيمية" في الشمال تقابلها (ربما) إمارات تقسيمية مذهبية في مناطق أخرى!
كيف يطالبنا حزب الله بأن نعتبره شريكاً في العيش المشترك... ومنخرطاً في المشاركة، ضمن الدولة ومؤسساتها، عندما يتصرّف كقوة منفصلة عن واقعها الأوسع. قوة متفردة بقرار الحرب والسلم والحكومة! بل كيف يريدنا أن نصدقه بأنه يؤمن بالوحدة الوطنية المختزنة تنوعاً وتعدداً في الوقت الذي يخوِّن فيه معظم الشعب اللبناني... ثم يجلس الى طاولة حوار معه، ليس في لبنان... وإنما في الخارج... وحبذا لو في دمشق أو إيران! بل كيف يريدنا أن نأمن جانبه، كشريك فاعل في الحياة السياسية، إذا كان من شروطه للمشاركة... الهيمنة، والاحادية، واستغلال كل العناصر، لضرب وجود "الآخر". أكثر: كيف يريدنا أن نأمن جانبه، وهو يعبئ "جموعه" ضد كل من ليس معه، بل ليصل الأمر الى توزيع الحلوى والزهور والبقلاوة "احتفالاً" بعد كل استشهاد رمز من رموز الأكثرية؟ هؤلاء ربما خصومك يا حزب الله... لكنهم لبنانيون. فهل علينا أن نقبل مباركة إهدار دم أكثرية الحكومة والمجلس والكتّاب والمثقفين... وحزب الله ساكت أو متواطؤ أو محتفل بكرنفالات الاغتيالات والتفجير والتهديد والتخويف؟
يريدك حزب الله أن تكون معه... شرط أن يكون ضدّك ويريد أن تحترم موقعه شرط أن تلغي موقعك. يريدك أن تحيي ممارساته وهو يعدمك ويحقرك ويذلك ويتنصل منك!
وماذا كانت حصيلة ذلك! أن بَدّد الحزب رصيده اللبناني والعربي. وماذا كانت حصيلة ذلك؟ أن شوَّه حزب الله، عبر ممارساته وإعلامه إنجازاته الكبرى، وهي أيضاً إنجازات كل لبنان وكل من دعمه من شرائح وكتّاب وصحفيين وناس.
في ذكرى تموز نتذكر حرباً اسرائيلية دامت 33 يوماً وصموداً من حزب الله. لكن إذا اختزلنا الـ33 يوماً من هذه السنة نجد أن حزب الله نقل المقاومة من الصمود ضد اسرائيل الى الساحة اللبنانية في لعبة البدائل والتحويل. فاستبدل عدواً بعدو. وتحوّل من ساحة مقاومة اسرائيل الى ساحة مقاومة الدولة وأكثرية اللبنانيين. ومن يسمع ويقرأ إعلامه من "مناره" الزاهية يعجب كيف استبقيت اللهجة التي وجهت للعدو، وتغيّر الاسم. النبرة ذاتها من العنف والقوة والتهديد. المفردات ذاتها، القاموس الهجائي ذاته. ولكن استبدل اسم اسرائيل إما بالأكثرية (العدوة الجديدة) وإما بالحكومة (العميلة المتواطئة) وإما بالسنيورة. فكيف يمكن لمقاومة أن تضع في المستوى ذاته من العداء والهجوم والبذاءة اسرائيل واللبنانيين، في الوقت الذي لم ترشق فيه ولو وردة الى ممارسة الوصايتين، أو ترد عليهما عندما كانتا تتدخلان بشكل سافر في الشؤون الداخلية. إذاً عدو (اسرائيل) بعدو (لبناني). الأمر سيان! وكما كان يحتفل بقتل الاسرائيليين يُحتفل باستشهاد اللبنانيين.
في هذه الذكرى الأولى (ولا نعرف متى المغامرة التالية بإذنه تعالى وبإذن الوصايتين لا الشعب اللبناني طبعاً)، لحرب تموز، حرب تدور في نهر البارد بين الجيش ـ المقاومة وبين إرهابيي الوصايتين بتوع العبسي. فهل يكون لحزب الله أن يتوجه شطر أهله من الاستقلاليين، والمجتمع المدني... وخصوصاً الجيش المفترض أنه جيشه (لا جيش الآخرين، ولا جيش العدو) ليكون لهذه الذكرى معنى لبناني ووطني عالٍ! هل يكون لحزب الله في هذه الذكرى أن يتأمل دوره كمشارك في صنع الدولة لا كمتواطئ على تدميرها؟ هل يكون لحزب الله في هذه الذكرى أن يكف عن اعتبار كل من ينتقده أو يعارضه في خانة العدو أو الخائن (وما أسهل التخوين: يمكن مقابل اتهام حزب الله الأكثرية بالعمالة أن تتهمه هذه بالعمالة لايران وسوريا... أو حتى لخدمة المصلحة الصهيونية عبر تدميره الاقتصاد والبنى والدستور والديموقراطية والمجتمع). وهل يكف عن شبقه في "ذهنيته" المتسلطة: إما السلطة لنا وإما الفوضى. إما الهيمنة الكاملة وإما الخراب! وهل يكف عن منحاه الكانتوني (الانتحاري) ومربعاته الأمنية وتهويساته الانقلابية، فينضم الى اللعبة الديموقراطية والى الشرعية؟ هل يكف إعلامه عن التضليل، وبث روح التقسيم، والاشاعة، والتخريب، وتدمير المجتمع، والتهويل، والاستكبار، واستجلاب "قطعان" المخابرات والمرتزقة من هنا وهناك ليمارسوا "عدواناً" مبرمجاً على اللبنانيين، وعلى بعض الشرائح والرموز اللبنانية البارزة: حتى إهدار دمهم، بل وحتى الاحتفال بإهدار دمهم؟
في هذه الذكرى لا يُمحى من ذاكرتنا العدوان الصهيوني لكن لا يمحى من ذاكرتنا أيضاً استفراد حزب الله بقرار الحرب. (فهل يعقل أن يعلن حزب ما في العالم الحرب على دولة أخرى وحده من دون علم أهل الدولة، وأهل القرار، والنيابة والوزارة؟ هكذا وحده يعلن حرباً. تأملوا أن يعلن (مثلاً) حزب الوفد المصري، أو أي حزب عربي أو أعجمي حرباً على دولة أخرى من دون معرفة السلطة! سوريالية بسوريالية يا أهل الهوى!
وفي النهاية إذا كان علينا أن نعتبر من هذه الذكرى: إن العدو الصهيوني لن يتوقف لا عن ايديولوجيته العدوانية ولا عن أطماعه في لبنان (وفي غير لبنان)، فعلينا أن نعتبر أيضاً أن روح المقاومة يجب أن تبقى مستنفرة، لا من طرف حزبي واحد، بل من طرف كل اللبنانيين على اختلاف مستوياتهم ومواقفهم في ظل الجيش اللبناني. وإذا كان لنا أن ننظر حولنا في هذه المناسبة فسنجد الجيش اللبناني رمزاً حياً لهذه المقاومة وهو يواجه عصابات مأجورة ممولة ومدربة ومرسلة من الخارج الأقرب، فهل يكون لحزب الله (كما معظم اللبنانيين أن ينضم الى هذا الجيش بالمعنى على الأقل إذا لم يكن متوفراً لديه الآن أن ينضم بالسلاح والعدة والعديد) وبالدعم، وبالتقدير، والدور.
هل يفعلها حزب الله ويقول: هذا هو جيشي الحبيب يحارب من أجلي في الشمال والجنوب... كما حاربت أنا من أجل التحرير؟
هل يفعلها حزب الله ويهدي هذه الذكرى لشعبه ولجيشه ولناسه ولأرضه كلها؟...
هل يجترح حزب الله المستحيل ويفعلها؟ هل يتفوّق على نفسه ويفعلها؟ هل يتحرر من الخارج ويفعلها؟ فتكون الذكرى مكتملة العبرة والتعبير... والاستعبار.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00