...وكانت مؤامرة رهيبة على الجيش هذه المرة وعلى لبنان حَبَكَتها أصابع مِنْ دَوامِ نِعَم الجوار والأهل و"العروبة" ومن دوام نِعَم الجوار الأبعد والأهل و"الأعاجم" لتخريب الدولة، وإشعال فتنة مذهبية في الشمال (وامتداداً الى أماكن أخرى) بين السُنّة والسُنّة بعدما فشلت مؤامرات إحداث فتن شتّى ومن تلاوين دموية متنوعة: فتن بين السُنّة والشيعة (فشلت)، فتن بين الشيعة والدروز (فشلت)، فتن بين المسيحيين والمسلمين (فشلت)، ليرسو خيار "إرهابيي" الدول على فتنة كبرى تصيب الجيش في صميمه وتُعطِّل دوره كحامٍ للمجتمع، وللحدود (كان ممنوعاً أن ينتشر هناك بأمر إلهي ـ جهادي ونضالي عروبي ـ أعجمي فأبشروا يا أولي الألباب!)، وللدستور، وللحياة السياسية التي كانت معطلة على أيدي مختلف الوصايات على امتداد ما يقارب ثلاثة عقود!
فبعد الحكومة، ومجلس النواب (مفاتيحه في أحد جيوب رئيسه المنتخب!)، ورئاسة الجمهورية (ظل رئيسها غير الشرعي يتمدد بكل سواده على جدران القصر الموبوء بحضوره) حتى جاء دور الجيش ليُستهدف في محاولة لتحطيم معنوياته، وتخريب وحدته، وتعطيل دوره، ليعود الدور الأول الى "الحزب الالهي"، المسلح الوحيد، والمجاهد الوحيد، والمقاوم الوحيد "على أرضٍ قد حُرِّرَت". (جميل أن "تستمر" المقاومة على أرضٍ مُحرَّرة في الجنوب وتنتفي المقاومة على أرضٍ محتلة في الجولان! رائع! رائع! تهانينا!). أو ليُستوعَب مِنْ قِبَل مَنْ استوعبه ليصير رديفاً ثانوياً (شرطة مرور) في البلاد وعلى الحدود الجنوبية والشمالية. (تأملوا أنه كان محرّماً على الجيش اللبناني أن يلامس حدوديه مع اسرائيل وسوريا ولو بالنظر، أو بالتصوّر، أو بالمخيّلة أو بالحلم أو بالشوق... فحدوده لسواه! فما أحلى "سواه"!).
والذين كانوا "شغافى" بالجيش البلا دور أيام "الوصايات" كلها، والميليشيات "الالهية" كلها (كل ميليشياتنا منذ أكثر من ثلاثة عقود كُوِّنَتْ باعتبارها أيضاً "أحزاب الله" أي أحزاب "القائد الواحد"، والحزب الواحد، والعمالة لواحدة فلا تعجبوا!). وعندما انتقل الجنوب من "أيدي" المقاومة الوطنية (العلمانية) وامتدادها الحركة الوطنية الى أيدي المقاومة الاسلامية وامتداداتها في دمشق وطهران، استمر الجيش "مأموراً" بلا دور سوى في المناسبات والاستعراضات "الوطنية" العمومية تحت رعاية هذا "المندوب" السامي أو ذاك "المنتدى" الأسمى حفظه الله ورعاه! إذاً "جيش وطني" مُمتَدَح بوطنيته شرط ابتعاده عن أي دور أصيل له، وإيكاله أدواراً "أمنية" داخلية من قبل أجهزة الوصايتين: قمع هذه التظاهرة أو ذاك الاحتجاج أي كان على الجيش أن يكون "شبيهاً" بجيوش بعض النظام العربي لا سيما الأقربين: تحكمه مخابرات، وتتعهد بحماية النظام (والنظام هنا كان الوصاية)، من دون أي دور ينتمي إليه أصلاً كحماية الدستور أو الحريات (التي كانت منتهكة) والمجتمع والحياة السياسية (التي كانت مفقودة أصلاً). عال! إذاً، بما أن هناك مَنْ يحارب بديلاً من الجيش في الجنوب، فلماذا لا يكون الجيش ظلاً باهتاً (بذخيرة محدودة، وبأسلحة خردة وبحضور رمزي وبعقيدة مفقودة). وبما أن هناك مَنْ يحق له شرعياً تنفيذ أوامر الخارج، فالجيش استلحاقاً، عليه أن يكون ملتزماً أيضاً تنفيذ أوامر الخارج، بمعنى دور الدفاع عن الوطن، وبالمعنى السياسي. على هذا الأساس كان على الجيش أن يكون "مُسَيَّساً" تماماً كما كانت أحوال الأمن العام، والقضاء والقضاة حتى القدر أي اقتصار دوره على الحفلات، وعلى تغطية ما تقوم به أجهزة الوصايتين وربيبيها من حلفائهما وعملائهما. بهذا المعنى لم يكن جَيْشُنَا جَيْشَنَا إلا بالاسم واللقب (والانتماء المقموع)، بل كان "جَيْشَهم" وهم أوصياؤه مباشرة أو مداورة عبر الدور الذي أوكل للمقاومة (التي محضناها إيماننا وثقتنا حتى التحرير) دون سواها من المقاومات المحتملة من الشرائح السياسية والطائفية الأخرى. وإذا كانت المقاومة الوطنية التي صفّاها نظام الوصاية متنوعة، ومكوّنة من أحزاب وحركات عدة (الحزب السوري القومي، الحزب الشيوعي، منظمة العمل الشيوعي...) تردفها حركات قومية على امتداد الوطن، وليبرالية ويمينية ومناطقية إلا أن المقاومة بقيادة حزب الله بقيت "أحادية" تُختزل في شريحة واحدة لكن مدعومة من الشعب اللبناني بصفتها التحريرية لا الطائفية أو المذهبية أو السياسية!
في هذا الخضم ولإنعاش الذاكرة، كان الجيش قبل الطائف من دون أمره! كان "الأمر اليومي" للميليشيات التي تقاسمت إرثه أو اخترقته أو جُعل منه طرفاً هنا أو هناك... وصولاً الى حربي الالغاء والتحرير، في الأول كان عليه أن يكون (أو جزء منه) منحازاً للجنرال، ومن ثم بأمرة الجنرال في ظل حكومتين أي في ظل جيشين! وفي الخضم أيضاً وبعد الطائف، بروازاً جميلاً بلا صورة... أو صورة جميلة بلا برواز. معلقة بلا جدار للتذكار والحنين...! جيش خاضع لأمرة المخابرات والأجهزة... لا حول له ولا قوة، ومستوعب سياسياً وعسكرياً وأمنياً. ومنتزع العقيدة إلا من عقيدة الخضوع لعقيدة النظام الأحادي. بمعنى آخر كان جيشنا جيشاً خاصاً بالوصايتين (تماماً كالمقاومة) أكثر مما كان جيشاً عمومياً للوطن. كان لجزء من "حكام" الوصايتين... تماماً كما كان هؤلاء جزءاً من قرار خارجي. فلا كان السياسيون اللبنانيون من أهل "السلطة" موجودين الى حد ما، أو موجودين ضمن هوامش محسوبة، وفي الحالين كانوا كالجيش، رعاة الوجود الوصائي أكثر مما كانوا "رعاة" الشعب اللبناني. ولأن الأمور بارتباطاتها ووشائجها وأسبابها، فإن كل ما كان يخص "لبنان" من قرارات سياسية وعسكرية وخارجية واجتماعية ونقابية كان شبه غير لبناني، عليه أن يخدم إرادة الوصاية أولاً وأخيراً، ومن يَعْصَ يُعاقَبْ أو يُنْفَ أو يُقتَلْ أو يُخَوَّنْ أو يُهَدَّدْ أو يُرَهَّبْ...
وعندما انسحبت قوات الوصاية، كان جيشنا على هذه الحال، يحمل إرث أكثر من ثلاثة عقود من التغييب والاذلال والتذييل. وكان ثمة قوة واحدة شرعية بكل سلاحها هي المقاومة. بل كأن مجرّد التفكير في تسليح الجيش كان نوعاً من الإثم، والتخوّف باعتبار أن التحرير موكول الى سواه باستثناء أدوار جزئية (نجح فيها بامتياز رغم كل شيء). وأريد له، بعد الطائف، وحتى بعد التحرير، أن يبقى على هذه الحال من التهميش والتبعية (كإميل لحود تماماً!). ولهذا لم يزوّد ذخيرة. ولا أسلحة. ولا طواقم ولا عتاداً... كان جيشنا يمتلك "أسلحة" متواضعة جداً من دون ذخيرة: لا طائرات. لا دبابات (حديثة) لا ملالات (متجددة) لا صواريخ. لا هيليكوبتر. لا شيء. ذلك لأن "الأمر اليومي" بقي موكولاً شرعاً (وبعد التحرير) الى المقاومة! جيش دوره أن يكون بلا دور، ألا يحارب. هكذا. ولكن، كأن شيئاً ما، برغم كل هذه الأمور، ينمو في مشاعر أفراد الجيش من قيادات وأنفار. شيئاً يشبه "الانتفاضة" أو شيئاً يعيد الاعتبار إليه كدور ورمز وحضور، لا سيما وسط محاولات تغييبه وإبعاده عن الحدود حتى بعد التحرير، (انتشاره على الحدود الجنوبية يخدم العدو. هكذا قالوا. أقصد عملاء الوصايتين!) وانتشاره شمالاً ممنوع باعتبار أن الجيش السوري يحمي الحدودين ولا لزوم للجيش الشرعي أن يتوجه الى هناك!
هذا الانتفاض الجديد الذي بدأت تبرز ملامحه أثناء تظاهرات 14 آذار و8 آذار، بدون انحياز سافر، لأحد الطرفين راح "يوغر" صدور الذين يريدون إبقاءه على "هامشهم" الوصائي. فالجيش اللبناني إذا حاول استرداد دوره، فيعني تعزيز وجود الدولة. ويعني حماية الحياة السياسية. والقانون. والموالاة والمعارضة. والديموقراطية. والناس... وصولاً الى الحدود، ومواجهة الفتن والارهاب والمؤامرة. هذا هو الدور. فهل يكمل لعبه؟ قال الناس. أو الأحرى أكثرية الشعب اللبناني. وقد بدا أنه بالفعل بدأ يتخذ موقعه الأصيل في الوطن. وهنا بالذات أُصيب الانقلابيون من بتوع 8 آذار بالذعر. فالجيش بات منتشراً على حدوده الوطنية وعلى جغرافيته مع اليونيفيل (بعد حرب تموز المظفّرة بإذنه تعالى). إذاً، فليدرج هذا الجيش، المتنامي وجوده، في خانة "المتآمرين" كمصدر تخوّف وتهوّس، لكي لا نقول كعدو. وكما انتقلت المواجهة من الجنوب مع العدو... ومع جيشه، كأنما استبدل العدو... بالجيش اللبناني. وكما عُين معظم الشعب اللبناني "عدواً" ومستباحاً بالاغتيالات والتفجير والتخوين فإن الجيش أُلحق بالشعب. وقد تجلى ذلك في المؤامرة التي حاكتها الوصايتان في نهر البارد مع مجموعات ما يسمى فتح الاسلام، التي هي من تخاريج أقبية مخابرات الوصايتين. قالوا فلنضرب هيبة الجيش على الحامي بالاعتداء عليه. ولنُعدم معنوياته بمذبحة ترتكب بأفراده غدراً. ولنستنزفه كما نستنزف لبنان وشعبه واقتصاده ومجتمعه. وهكذا صار. وفي ظن بتوع الوصايتين من غربان الموت والقتل والكراهية، إن هذا الجيش الذي لم يُهيّأ ليحارب حتى مجموعة "إرهابية" لن ينجح، وسَيُتَوَّج "بالهزيمة"! وانتظروا هزيمته بلهفة وكلمة سرهم للارهابيين: "لا تخافوا! لن يصمد. هناك اعتبارات عديدة تجعله ينكفئ. لا تخافوا يا أشاوس نظام الوصايتين. فهذا الجيش خردة. بلا عقيدة قتالية. وبلا ذخائر. وبلا أسلحة. هكذا أسَرّوا الى الارهابيين. وأكثر: طمأنوهم: أنتم تبدأون بالشمال فيُشعل فتيل الفتنة والامارة والتقسيم ونكمل نحن في المناطق الأخرى. وعندها تستكمل المحاولة الانقلابية المتجدّدة".
وفي غضون ذلك كان على "إعلام" الوصايتين، وأبواقه، وأحزابه أن ينظم خطة خبيثة مفادها: تحطيم معنويات الجيش من خلال الحرص عليه. وبدأت "بكائيات" تمساحية: مَنْ وَرَّطَ الجيش في هذا الاستنزاف. وكأن الجيش عندما اعتُدِيَ عليه وذُبِحَ منه غدراً أكثر من 30 عنصراً لم يكونوا في الخدمة، هو الذي تورّط، أو عليه "العض" على "الجراح" وقبول "حل" سياسي مع المجرمين العملاء. وقد تنامت هذه الدسائس عندما بدا لهؤلاء (المرتزقة من بتوع الإعلام) أن ثمة جيشاً آخر غير الجيش الذي يعرفونه. إن ثمة جيشاً، برغم تواضع إمكاناته، محارباً، شجاعاً، أفشل المحاولة الانقلابية، وهزم الإرهابيين. أما كلمة "الإرهابيين" فيستعملها ساسة الوصايتين وصحفيوها (الأبرار بقومجيتهم)، كلمة حق يراد بها باطل. وكما حاولوا تبرئة المتهمين بقتل رفيق الحريري وسائر الشهداء (متهمين آنذاك إسرائيل) فها هم يركزون على عبارات "التكفيريين" و"القاعديين" و"الإرهابيين"، ليبرئوا أيضاً ارتباط "فتح الإسلام" بالوصايتين أو أقله بالوصاية الشقيقة. فكم كانوا غيارى على "جيشهم" عندما راحوا وبدسيسة خبيثة وبوطنية (مزعومة) يضربون معنوياته من جهة، ويربطون بين عصابة العبسي والإرهاب العالمي لينتقلوا بعد ذلك، ومن ضمن الحلقة ذاتها، الى الاعتداء الذي تعرّضت له القوات الإسبانية (ضمن اليونيفيل)، وأسفرت عن استشهاد 6 عناصر. إنه الإرهاب أيضاً. ولا علاقة له لا بهذه الشقيقة ولا بتلك، هكذا قالوا! إرهاب عالمي. وأكثر: قالوا: إن فلول لحد هي التي قامت بالاعتداء، الجهات ذاتها وكما تعاملت مع قضية اغتيال الحريري بتعمية الحقيقة، تتعامل مع العدوان على الجيش، وعلى اليونيفيل. والهدف واحد: تدمير هيبة الجيش كمقدمة لتدمير الدولة (استلحاقاً بمجلس نواب الرئيس بري، وبرئاسة جمهورية الظل إميل لحود، وتهميش الحكومة وتخوينها. ما أجمل الخونة عندما يُخَوَّنون)، وتهشيل اليونيفيل لاستعادة "السيطرة" على الحدود وتسليمها للوصايتين فيعود لبنان كما كان ورقة في مهب الحروب، وساحة للمهزومين في حروبهم ومعاركهم. إذاً العودة على بدء. فلا سيادة. ولا بلد. ولا استقلال. ولا حرية. ولا حدود. ولا جيش. ولا درك. ولا حتى كشافة. فقط أمر يومي يصدر من الخارج. فقط جيش خاص مرتبط. أي قوة وحيدة يختزلها حزب الله، أو سواه غداً. من يدري. نظام إرهابي يُعيدنا الى أيام زمان، والقمع والنهب والفساد والاستبداد والدكتاتورية...
جيشنا اليوم ينهض الى دوره، في مواجهة الأدوار المتآمرة عليه. وأشد ما أدهشني فيه، وخلال رده على الاعتداءات الآتية مبرقعة من الخارج الإرهابي المنظم، تلك المناقبية التي تكاد لا تعرفها جيوش العالم الثالث وخصوصاً "جيوشنا" العربية، والتي ظهرت في تحمله مزيداً من الخسائر والشهداء لكي لا يؤذي المدنيين، ويحرص على سلامتهم. وهذا نادر. ويمكن أن نتذكر "جيوشاً" عربية وغير عربية دكّت البيوت والكنائس والأحياء والمساجد على رؤوس من فيها وأوقعت ألوف القتلى هنا وهناك. جيشنا "الحضاري" وهذا ما "يربك" بتوع الجيوش ذات التواريخ البربرية على شعوبها، ينتصر بقوته على الإرهاب، وكذلك بمناقبيته النبيلة، وكذلك بالتفاف الشعب حوله. ربما للمرة الأولى يلتقي الشعب والجيش على غير عداء، وخوف، وريبة، عندنا. ربما للمرة الأولى ينضم الجيش الى دوره في الدفاع عن الحدود (وربما غداً الدفاع عن الحدودين: الجنوبية والشمالية)، يقابله الناس، يدعمونه، ويدافعون مثله، عن قيم الديموقراطية، والعدالة، والسيادة، والاستقلال والحرية.
سيتعرض الجيش لكثير من المؤامرات تحاك هنا وهناك بأصابع معروفة، وقد يتعرض أيضاً "للتشكيك"، وقد يوصم كذلك بالتُهم... "إياها"، وقد تتم محاولات إحباطه، أو ضرب معنوياته، أو استنزافه، وهذا "مقدّر" أو متوقع من "أولي الباب" بتوقع الوصايات وأربابهم، لكن هذا الجيش بقدراته المتنامية، وبأخلاقياته، وبمعنوياته العالية، وبارتباطه بالشعب والناس... قادر على تجاوز كل المصاعب، والمؤامرات والانقلابات لا سيما من هؤلاء "الغيارى" الذين كانوا "ينتظرون" هزيمته على أحرّ من الشوق، وهم "يبيعونه" كلاماً معسولاً... مسموماً وزعافاً... وكذلك خطوطاً حُمراً وإشارات استكبارية يبدو أن زمانها على أفول بإذنه تعالى!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.