رحلت نازك الملائكة، شاعرة الريادة الشعرية في ثورة القصيدة الحرة، في المنفى، أو فلنقل في المنافي، بعيدة من وطنها العراق، شأنها في ذلك شأن معظم الشعراء والفنانين والكتّاب العراقيين الحديثين، الذين، في ترحالاتهم، ومنافيهم، إما قضوا هناك، في بلاد الله الواسعة، أو ينتظرون العودة...
نازك الملائكة، أسست لمرحلة جديدة من مراحل الحداثة الشعرية. مرحلة تجاوز القصيدة العمودية، الى نظام أو (لا نظام) التفعيلة، وهذا لا يقتصر على تحوّل في الشكل بقدر ما يُعبّر عن التحوّلات الفكرية والسياسية والثقافية التي كان يعيشها الواقع العربي. فالثورة هنا تكون أكثر من مزدوجة، لأن ريادة الشعر تحققها امرأة، ولأن هذه الثورة كانت جزءاً من تفتحات حلم بعهود جديدة، وبأفكار جديدة، وبمجازفات جديدة، وبجنون جديد جميل، أصابت الشاعر كما أصابت المجتمع والناس. أو لم تخض نازك مجازفة، في محاولتها هذه: أي كسر البنية الشعرية التقليدية الموروثة في اتجاه أشكال أكثر حرية، وأكثر استيعاباً لهواجس العصر، ونداءات المراحل "الخطرة"؟
صحيح أن نازك الملائكة تأثرت بالشعر الانكليزي ولا سيما كيتس، وبايرون، لكنها، وبفعل تجذّرها في الثقافة العربية، تليدها وجديدها، تمكنت من إحداث الاختراق من دون أن يكون جواباً على "اغتراب"، أو "وهن" أو اقتلاع. وقد يكون هذا وراء "تراجعها" عن "ثورتها" وعودتها الى الشكل الموروث "العمودي"، لكن حتى في عودتها هذه، عرفت كيف تطعم العمودي بنكهة حداثية مميزة. ولا نظن ذلك "تراجعاً" بقدر ما كان ربما تداركاً، أو تهيّباً، أو استئلافاً للنمط الشعري الكائن.
هذه الشاعرة الكبيرة التي "نفرت" من إلفة السكون، وولجت مكامن التململ العراقي والعربي، ثم استكانت، إنما أكملت مغامرتها في ذلك الهامش، أو خلف تلك الظلال "الرطبة" بعيداً من انخراط في "التزام" مقنن موجه أو حزبي أو قَبَلي او طائفي، وبعيداً من الارتهان للسلطان والسلطة والنظام، ولكل الخزعبلات التي كانت تتم تحت الأضواء... ثارت، ثم هدأت، ثم انتظرت في منأى عن الشعارات، والقفز بين الانتماءات، شاعرة الضوء بقدر ما هي شاعرة "العتمة"، شاعرة الهامش، ولهذا ربما، سبقها "كثيرون" الى "المجد الباطل" أو الشهرة المحسوبة، أو المفتعلة صنيعة الأحزاب والأنظمة والعلاقات والتنازلات.
عاشت سنواتها الأخيرة في منفاها "الداخلي"، الحميم والقاسي والمعزول، ورحلت في منفاها الآخر، بعيداً عن عراقها، في القاهرة. ماتت مكسورة بنت الثمانين، وبنت التفتحات والبراعم والشغف، مكسورة، وهي ترى عراقها الحبيب قد تساقط أمامها، عراقها الواحد وقد تقسّم أمامها، عراقها الرائد، المبدع، الخصب، العربي، وقد تبددت ملامحه، وتشوّهت أمكنته وناسه، وشحبت صورته المصبوغة بدماء أهله، عراقها الذي انقضَّت عليه قوى الاحتلال والشرور والتعصب والخيانة والقتل والمجازر.
رحلت وفي عينيها كثير من الدموع، وفي قلبها كثير من الكسور، وبين أصابعها، حطام حضارة كانت أبهى الحضارات وأعظمها!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.