على امتداد ظواهر الهيمنة الخارجية والوصايات المتصارعة على لبنان منذ عقود كان على اللبنانيين أن يقبلوا فكرة أنهم غير لبنانيين: مجموعة "شلع" من القطعان الطائفية والمذهبية. بلا بوصلة سوى بوصلات الغريزة والقتل والدم، وبلا لقاء سوى لقاءات المصادفة، باعتبارهم "شعوباً" يمكن أن تتقاطع أو لا تتقاطع. وكان على اللبنانيين أن يقبلوا أنهم "شعوب" مسوقة بالعصا (عصا الآخرين) مُقعدة، مريضة، مجرمة بالفطرة وبالجينة وبالوراثة، وعاجزة عن قيادة نفسها، ومضروبة بالغثيان، والتهافت، والغياب. وعليه، كان على اللبنانيين أن يقبلوا فكرة أنهم "لبنانيون" بالاسم في وطن بالاسم. وفي انتماء بالاسم، وأنهم "وهم" (قاتل)، ولبنان "وهم" مجنون. وعليه، كان عليهم أن يقبلوا فكرة أنهم في جمهورية بلا جمهورية، وأنهم شعب بلا شعب، وأنهم في نظام اللانظام، وفي سلطة اللاسلطة، وفي الوجود غير الموجود. وعليه، كان عليهم، أن يقبلوا أن حدودهم الجغرافية بلا حدود، ولأنها بلا حدود، فهي من حدود الآخرين: حدود "الفتح لاند" أيام المقاومة الفلسطينية وحدود اسرائيل أيام الاحتلال الصهيوني، وحدود سوريا على امتداد الجغرافيا السياسية والأمنية.وعليهم أن يقبلوا فكرة أنهم وطن "مؤجل" (أو ملغى)، وأنهم شعب مؤجل (أو ملغى)، وأنهم تاريخ مؤجل (أو ملغى) وأنهم مستقبل "مؤجل" (أو ملغى)، لا يحتاجون لتأصل أو لتجذر... بل عليهم أن يحملوا جذورهم في آنية ويرحلوا... أو أن يبقوا طافين بلا جذور كالفلين أو كالجثث على أديم المياه والمستنقعات، وكان عليهم أن يقبلوا أن كل "الموجودين" بالقوة، على أراضيهم هم "الأصليون"، من وصايات واحتلالات وهيمنات... إلا هم! وتالياً، عليهم أن يقبلوا أن كل القوى والميليشيات والجيوش المسيطرة هي الجيوش الأصلية... ما عدا جيشهم وقواهم الأمنية... فهي إمّا مشطوبة أم مستعارة أم مستوعبة أم وافدة... أم لزوم ما لا يلزم: فالأمن الداخلي بأيدي الخارج، والأمن الحدودي بأيدي الخارج: أي أن قرارات الحروب الأهلية، والحروب الحدودية... ليست لا من شأنهم ولا من شأن جيشهم وقواهم... الافتراضية!
هكذا كان على الوصايات العربية وغير العربية وصولاً الى الصهيونية أن تغسل أدمغتنا به: عليكم أن تختاروا بين أن تكونوا "جثثاً" حيّة في بلادكم بحمايتنا، أو أن تكونوا مشاريع "جثث" وجثامين... دائمة في غير حمايتنا؟ ولهذا، لم يكن لنا، أن نختار بين جثة وجثة... لأننا كنّا نُعامل كجثث "مفخخة"، وأرضنا كقنابل مؤقتة، وأن لا شيء يضمن وجودنا "الجُثثي" إلا وجودهم: أقصد الوصايات المتصارعة التي حسمت بفرض وصاية النظام السوري الذي لعب كل هذه الأدوار، بالتضامن والتكافل والتنافر مع القوى الخارجية الأخرى وصولاً الى اسرائيل وأميركا!
إذاً كان لبنان موجوداً وغير موجود، وشعبه موجوداً وغير موجود. وكانت حقائقه "باطلاً"، وبطلانه "حقائق"، وأوصياؤه شرعيون، وشرعيوه غير شرعيين! فالجيش السوري كان جيشنا الوطني! له الشرع والشرعية. لأن جيشنا مشطوب وغير مؤهل. وغير شرعي، وإفرازات الوصايات من مقاومات (تذكروا كم مقاومة عرف لبنان منذ السبعينات والشعارات والمصادر والمخارج والحروب) كانت هي جيوشنا في غياب الجيش المركزي: من أيام الميليشيات المقنعة، الى أيامنا هذه. كل الميليشيات تقدّمت كجيوش "شرعية" عندما حُلَّت القوة المركزية المتمثلة بالجيش. كل الجيوش كانت "جيوشنا" ما عدا جيشنا! كلها كانت من الفتنا ما عدا جيشنا فكان من غربتنا! فالذي يجب أن يحارب اسرائيل يفترض أن يكون "معيناً" من الخارج، والذي يجب أن "يحمي" الحدود، يجب أن يكون مستنبطاً من الخارج، والذي يجب أن يفرض الأمن يفترض أن يكون مستعاراً، والذي يجب أن يحرس "النظام" يجب أن يكون من الخارج، والذي يجب أن يحافظ على القوانين والقضاء يفترض أن يكون من الخارج؟ وإذا "زُين" لأحدهم أن يطالب بجيش وطني فالويل له... فهو، بلا ريب، إما مجنون أو انتحاري وخائن، أو عميل: إذ كيف للبناني أن يطالب بجيش لبناني... ما دامت كل هذه الجيوش والقوى الخارجية، وإفرازاتها الداخلية موجودة! وبهذه الوطنية والقوة والاخلاص!
وعندما كان لجيشنا الوطني أن يُعاد توحيده، وتأسيسه، (بعد الطائف)، كان عليه، كي يؤسس، ألا يكون جيشاً أولاً، وألا يكون وطنياً ثانياً، وألا يكون أكثر من ديكور فولكلوري (على الحدود) وأحياناً أداة "أمنية" بأيدي الوصاية السورية (ومن ثم الايرانية)، وأن يكون كومبارساً، مجرّد كومبارس، لا يحق له لا أن يحارب، ولا أن يقود حرباً، ولا أن يتخذ قراراً، ولا أن تكون له مرجعية سياسية سوى المرجعية الخارجية التي صارت بحق مرجعية وطنية بامتياز! ليتساوى بذلك مع كل "الموجودات" الشرعية: حكومة لبنانية بإمرة الوصاية. قضاء بإمرة الوصاية. إرادة وطنية بإمرة الوصاية... قرار الحرب والسلم بإمرة الوصاية (الوصايتين). إذاً جيش ولا جيش! جيش ببزات أنيقة. وبرفاهية فاخرة، لكي يبقى في الصالونات والمنتديات على نهج ما هو "مؤسسه المزعوم" المستعار، ورئيس الجمهورية المستعار اميل لحود واللحاحدة والملاحدة الآخرين؟ وهل علينا أن نذكر أنه في غياب "الجيش" (وإن حاضراً!) كان كل شيء يشبهه. حتى الشعب: كان موجوداً (في البال) وغير موجود في أدواته ومؤسساته وأحزابه. فالشعب الافتراضي الاستيهامي يفترض وجود مؤسسات افتراضية، استيهامية، وحالات سياسية افتراضية، وجيش افتراضي، ووطن افتراضي، وقوانين افتراضية، ومجلس نواب افتراضي وحكومات افتراضية. إذ إن تلازم غياب الجيش والقوى الأمنية، تلازم وفكرة التقسيم... وفكرة احتمال اندلاع الحروب الأهلية، وفكرة الأمن مقابل الحياة، والحياة مقابل الموت، والموت مقابل كل شيء... والاستبداد البديل الأول والأخير!
هكذا عشنا! على امتداد الوصايات... حتى اختزالها باثنين: السورية والايرانية! بمقاومة استبسلت وحرّرت لكن بجيش ظل رديفاً شكلياً وتابعاً! وبحدود استيهامية يمنع على هذا الجيش أن يتواجد عليها (لكي لا يحمي العدو!). وحتى عندما حُرّر الجنوب، كان على الجيش ألا يبقى إلا داخل "صالوناته" الثكنية أو داخل الأحياء والشوارع بمهمات أمنية: ممنوع على الحدود. فهي لغيره! وإذا وُجد فستقع الخيانة الكبرى! ولكن للصبر حدود! ولكن "إذا الشعب يوماً أراد الحياة..."، ولكن... ليس لوطن موجود أن يبقى مغيّباً! وليس لشعب حي أن يبقى مجمّداً... ولكن ليس لناس أن يبقوا بمعية غيرهم، أدوات وخردة، ومشاريع موهومة!
ولكن لا بد... من أن يرتفع الوجه الحقيقي (غير المطمور) عالياً، وإن بصرخة، وإن بانتفاضة. وإن بشعور أن هناك من لا يزال حياً يرزق في زمن الوصايات المميتة! وهكذا كان لانتفاضة الاستقلال أن تنتفض بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري... (لتلتقي افتراضاً التحرير)، وكان عليها أن تنتصر بالسلم، أي بقوة الناس (لا بسلاح الانقلابات). وكان لكل شيء أن يُعاود مبتدأه، أو ليبحث عن شرعيته ويقدمها، متخطياً "الاستعارات" والمجازات الخارجية المقنعة بالوطنية، منضماً من جديد الى السيادة، والارادة الشعبية، واللقاء على مشاريع الاستقلال، والحرية، والعدالة والحقيقة، واسترجاع "الوطن السليب".
هنا التاريخ يبدأ بحروف جديدة. حمراء من القتل هنا، وبيضاء من إرادة الجماهير هناك، وخضراء من نضرة القيامة في كل مكان (القيامة لونها أخضر)، وملوانة كالعلم اللبناني الذي عُدنا ورأيناه... عندما حمله أهلنا في ظفرهم بالسيادة والاستقلال!
التاريخ يبدأ! والتاريخ يبدأ عندما تبدأ الشعوب بوعي حضورها، وتجسيد إرادتها، وممارسة حقوقها! (بعض شعوبنا العربية الخاضعة للاستبداد مفروض عليها أن تنسى كيف ومتى يبدأ تاريخها!) والتاريخ يبدأ عندما يصنعه أهلوه! بداية جدلية رائعة: أن يصنع الناس تاريخهم، وأن يصنعهم تاريخهم. وفي كل الجهات: أن يصنعوا حدودهم من جديد. قضاءهم من جديد. حريتهم من جديد. ديموقراطيتهم من جديد. وجودهم من جديد. وعدالتهم من جديد! فأي عدالة يمكن أن تكون بلا تاريخ. وبلا سيادة. ولا ديموقراطية! قد تكون عدالة القتل؟ وأي حدود يمكن أن ترسم. بلا سيادة ولا حرية. ولا انتماء. إنها حدود الاستباحة. حدود الموتى يتكاثرون علينا. حدود الآخرين. فحدود الآخرين كان حدود فضائنا. حدود منازلنا. حدود أصابعنا. حدود أبصارنا. حدود حريتنا. حدود استباحتنا! ولهذا، كان لحدود العدالة ن تصير تخومها واضحة كتخومنا! ولهذا، كان على السيادة أن تبحث عن القتلة. قتلة الحريري والشهداء الآخرين. ولهذا كان على الشعب أن يسترجع ما له، عبر كشفه من كان يغتاله في بيته، ومدرسته، وجامعته، وفي السجون... وكان عليه لكي تكتمل سيادته (كحدود واضحة جغرافية وسياسية ووطنية) أن يطالب بمحكمة دولية. وكانت له أخيراً... بعدما دفع من الأثمان الباهظة من الأرواح والممتلكات والدم وما زال! وما بين الاغتيال والانتفاضة والاستقلال جلجلات ومأثرات وصمود وممانعة. فأهل الثماني من آذار (التصحيحيون) المرتبطون بالنظام الأمني المشترك البائد، وبالوصايتين، والمتقاطع بعضهم (سراً أو علناً) مع الصهيونية كهدف (لتدمير مقوّمات لبنان وإبقائه محنطاً ضمن موجودات الوصاية) كان لهم أن يخططوا للانقلاب: أي أن يبقوا أوفياء لأساليب النظام العربي الانقلابي المعروف، وهم يتظاهرون أحياناً إما بالانخراط في الحوار، أو في الحكومة أو في الحياة السياسية المدنية. وفي "الباطن" يحضرون لانقلاب يطيح السيادة والحكومة والشرعية لاستعادة الوصاية، ومن ثم يضرب فكرة المحكمة للتغطية على القتلة، ومن ثم استيعاب المؤسسات كأشلاء بين أيديهم. فلنُطح الحكومة! قالوا: فانسحبوا. ثم عسكروا. وفشلوا. فلننفّذ انقلاباً في الشارع! وحاولوا بإحراق الدواليب، وقطع الشوارع والاعتداء على الممتلكات! وفشلوا! قالوا فلنفجّر السيارات ونزرع القنابل... ففشلوا! قالوا: فلنصنع حروباً مذهبية: بين المسيحيين والاسلام... وفشلوا. قالوا: فلنشعل حرباً مذهبية بين السُنّة والشيعة تكون مقدمة للفوضى وللحروب الأهلية... ففشلوا. قالوا: فلنثر حرباً سنّية سنية تكون تمهيداً لحرب سنّية ـ شيعية، أو لحرب مسيحية مسيحية، أو لحرب مسيحية اسلامية... عال! أين في المخيمات! وتحديداً في مخيم البارد في الشمال، وهناك تكون جغرافيا التقسيم، والعصيان المدني، والأمني، وإمارة، وتندلع الحرب بين أهل السُنّة... (تجنباً مرحلياً لحرب مؤجلة بين السُنّة والشيعة) وجيء بعصابة فتح الاسلام (العربية ـ الاسلامية الملمح والصهيونية المرمى). وهكذا "نصيب" عصافير عدة في الوقت ذاته: حرب سنية ـ سنية، حرب فلسطينية ـ لبنانية، حرب لبنانية ـ لبنانية! ولكن هذه المرة، خسئت الوصاية السابقة عبر صنيعتها المخابراتية فتح الاسلام. (لا فتح ولا إسلام، ولا عروبة: فلول من خريجي الاجرام والسجون والخَوَنة). فشل فشلهم من جديد. أو توجت مسلسلاتهم الانقلابية بنكسة جديدة: والذين أفشلوهم عبر محاولاتهم الانقلابية على امتداد السنتين الآفلتين هم الذين أفشلوهم هذه المرة، لكن بإضافة عنصر جديد: هو الشعب الفلسطيني:
1 ـ الشعب اللبناني.
2 ـ الجيش اللبناني والقوى الأمنية
3 ـ وعي الشعب الفلسطيني في المخيمات وخارجها.
أولاً: الشعب اللبناني ـ يكاد يكون البطل الجديد الذي لولا صموده وصبره وعزيمته وإصراره على الحفاظ على إنجازاته والدولة والمحاكمة، لنجح "الانقلابيون" المخربون، الموصوفون بـ8 آذار امتداداً الى قرار الوصايتين: الشقيقة والأعجمية! فهذا الشعب يُحس للمرة الأولى منذ عشرات السنوات انه لا يدافع عن هذه الطائفة او حقوق هذا المذهب، او طموحات تلك الفئة، بقدر ما يدافع عن وجوده وارضه... بات له انتماء جماعي مشترك من الشرائح الطائفية والسياسية والثقافية المشتركة. فهو السلاح الأول (السلمي والحضاري والديموقراطي) دفاعاً عن الدولة.
وربما للمرة الأولى نجد هذا الشعب يرتفع من مسألة النظام إلى مسألة الدولة (كل الحروب الطائفية كانت حروباً للنظام، ولتقاسم النظام)، فالدولة فوق "النظام" وهو منها أو ليس أعلى منها أو خارجها! ولهذا بدا دفاعه هذا وكأنه تأسيس لثقافة وطنية جديدة مقابل ثقافة التقسيم والتخريب والعمالة والحروب والوصاية والكانتونية، اي مقابل ثقافة تهشيم الدولة (8 آذار) للوصول إلى النظام الاستبدادي الاحادي، وعندما كان أهل "الثقافة" الدكتاتورية وغير الآدمية (الالهية) يُمنعون تهويلاً وتخريباً وتمويهاً عن القتلة والمجرمين، ويعسكرون هنا ويحطمون ويعتدون هناك، كانت الأكثرية تنزل الى الشارع... مظاهرات مليونية سلمية ديموقراطية حضارية مقابل مظاهرات تخريب واعتداء وانتقال فتن واستعراض ارهاب... ومحاولة تحقيق انقلاب، هذا الشعب حمى الحكومة عندما قررت الوصايتان عبر 8 آذار وعلى رأسهم حزب الآلهة الجدد بكل ماكياج الأدوار الثانوية، اطاحها بالقوة. هذا الشعب افشل كل المحاولات لذرع بذور الفتن المذهبية. استوعب كل المغامرات والمجازفات والقرارات الأحادية (حرب تموز) واستقبل المهجرين الجنوبيين واحتضنهم كأخوة وأهل، ليخرج بتوع حزب "الالهة" ويسفرون عن جحودهم وتنكرهم.... باتهامه بالخيانة وبالعمالة لاسرائيل وأميركا. (هم العملاء العمليون الميدانيون لاسرائيل واميركا عبر مخططاتهم التخريبية للاقتصاد والسلم الأهلي والكانتونية!).
وهذا الشعب هو الذي ساند جيشه الذي يخوض للمرة الأولى منذ عشرات السنوات حرباً وطنية دفاعاً عن الدولة في مواجهة عملاء النظام السوري من فتح الاسلام (ذات الأهداف والمرامي الصهيونية تزامناً مع انفتاح الوصاية على اسرائيل... لتقدم لها "هدايا" تخريب لبنان... وضرب دولته... و"كما تراني يا جميل أراك"!
شعب للمرة الأولى وراء جيشه، وجيش للمرة الأولى (منذ عقود) وراء شعبه! ذلك ان هذا الشعب أحس ان اعداء الدولة والمؤسسات والمرتهنين للوصايتين "الالهية" الأعجمية، والاستبدادية الأخرى سيحاولون النيل من هذا الجيش واضعافه لكي نبقى قوة حزب الله العسكرية هي الوحيدة التي تتحكم بقرارات الدولة والحرب والسلم. وهكذا ساوى هؤلاء (لا سامحهم الله) بين الجيش الذي كان شريكهم (الخلفي) في مواجهة اسرائيل وبين عصابة العبسي، ووضعوا له خطوطاً حمراً! (من اعطى حزب الله "وكالة" وضع خطوط حمر للجيش. ومن أي موقع؟ ومن أي وظيفة، ولماذا لا يضع الجيش والحكومة والدولة خطوطاً حمراً لحزب الله ولسلاحه واعوانه من "الفلسطينيين" المرتهنين بإيران وسوريا خارج المخيمات! (ولا لا داخلها)... ونظن ان للشعب ايضاً، ان يضع بنفسه عبر مؤسساته الشرعية الخطوط الحمر لكل قوة عسكرية داخلية... خارج المؤسسات الشرعية.
ثانياً، الجيش اللبناني والقوى الأمنية، وكما اشرنا، انتقل جيشنا من جيش مؤتمر، ومسوق ومجرد من كل دور دفاعي عن حدوده (قالوا: ان انتشار الجيش على الحدود خيانة... لأنه سيحمي اسرائيل ، باعتبار ان وجود الجيش السوري على حدوده مع اسرائيل يحمي اسرائيل! براوا!) ومنعزل عن الارادة الشعبية، ومخترق بالمخابرات السورية وغير السورية، وموظف احياناً للقمع الداخلي، كسلاح في ايدي النظام الأمني المشترك، الى جيش يفرض وجوده مستنداً الى خلفية شعبية كاملة واكاد أقول شاملة!
وها هو اليوم، على الحدود مع اسرائيل (سيحاولون تفشيله، أهل 8 آذار وحزبهم الالهي، ليسترجعوا قرار الحرب والسلم على الحدود) وفي مواجهتها (وكلنا معه في هذه المواجهة!). ولو ألا يحق للجيش ان يكون على حدوده الشمالية مع سوريا وحدوده الجنوبية مع اسرائيل؟
فالجيش الذي سُيّس ايام الشهابية، وقُسم وتوزع على الميليشيات الطائفية ايام الحروب، ها هو اليوم، يحمي لبنان من الارهاب العربي ـ الصهيوني المتمثل بفتح الاسلام وجند الشام وفتح الانتفاضة.... ومن الانقلابيين.
فهو للجميع، اي يحرس الحياة السياسية سواء المعارضة منها او الموالاة اي يحمي اللعبة الديموقراطية التي تقوم عليها الدولة، وها هو اليوم، في امتحانه الحاسم، واعداء "لبنان" والدولة كانوا ينتظرون (ويتمنون) سقوطه في الامتحان باعتباره انه غير مؤهل (هكذا كانوا يشيعون وهكذا كانوا يريدون ان يبقى )، وانه بلا اسلحة ولا ذخيرة (تأملوا ان جيشنا كان جيشاً بلا سلاح فعال وبلا ذخيرة! فاي مؤامرة دنيئة عليه!)، وانه قابل للشرذمة بفعل التجاذبات (المذهبية).. ولكن خسئوا مرة أخرى. والخاسئون اخذوا على جيشنا تسلحه من مصادر عدة ومنها الولايات المتحدة والاردن ومصر والسعودية (والأسلحة الحلال تتدفق من بلاد الشقيقة العربية، والشقيقة الأعجمية من صواريخ وقنابل وعتاد ومال... فاسلحتهم حلال واسلحة الجيش حرام!). زعقوا. وجعروا واحتجوا. كيف للجيش الوطني ان يتسلح وان يكون قوياً! بل وكيف تكون قوة هذا الجيش معادلة لقوتهم الخاصة المؤتمرة بالخارج.
وهل يتسع البلد بجيشين واحد شرعي وآخر بات في خانة غير الشرعي بعد التحرير!
ثالثاً ـ وعي الشعب الفلسطيني ومؤسساته الشرعية، وكادراته على مختلف مستوياتها ومواقعها، كان لها دور اساسي في افشال مخطط اثارة حرب بين الجيش والمخيمات وتالياً بين اللبنانيين والفلسطينيين ذلك ان هؤلاء كلهم ما زالوا يتذكرون جيداً من قاد معركة اسقاط مخيمات تل الزعتر وضبيه وجسر الباشا في منتصف السبعينات. ويعرفون جيداً ان ما بدأته اسرائيل في فلسطين ولبنان لا سيما عبر غزوها عام 1982في مخطط تدمير المقاومة الفلسطينية (والمقاومة اللبنانية) واستباحة دم الفلسطينيين (مذابح صبرا وشاتيلا) قد اكملته الوصاية عبر حلفائها الجدد سواء في نهر البارد ام في البداوي... ويتذكر الفلسطينيون جيداً من حاول احراق مخيم صبرا وشاتيلا بالبنزين. ولهذا تأكدوا ان مؤامرة جديدة نسجت ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني عبر المخيمات، لتهجير الفلسطينيين، وتشريدهم من جديد... تمهيداً للبحث عن أماكن "أخرى" لتوطينهم، اذاً سفاحو المخيمات الفلسطينية في السبعينات والثمانينات ها هم يصرخون من شدة الغيرة عليهم... لتصدح أبواقهم ومحطاتهم الاذاعية وليزقزق عملاؤهم... استنكاراً حرب الجيش ضد المدنيين! فهؤلاء الذين شاركوا في مجازر المخيمات الفلسطينية (وعلى رأسهم أبو موسى واحمد جبريل وتواطأوا مع المجرمين ومع الذين حاولوا ان يصفوا المقاومة الفلسطينية ويصادروا قرارها خدمة لاسرائيل، وجوازاً دولياً (أميركياً) ليكونوا اوصياء على لبنان. وحصيلة الاشتباكات لم تتعد الضحيتين المدنيتين في البارد... لقاء مذبحة في حق الجيش اللبناني!
فكأن سياسة النظام السوري واتباعه من "فلسطينيي" القيادة العامة... والانتفاضة..
استكمال سياسة الاجهاز على المخيمات عبر محاولة توريطها في حرب ضد الجيش اللبناني، وعبر استخدامها كواجهة لحرب سنية ـ سنية ولمخطط انقلابي يستهدف الدولة... ويستهدف هذه المخيمات بالذات التي سيطر عليها منذ الثمانينات عملاء الوصاية المدججين بالسلاح والمال والطغيان والعمالة.
ان وعي الفلسطينيين ساهم وبشكل كبير في إجهاض مخططات "الوصاية" عندما اعلنوا عبر قياداتهم الشرعية والشعبية ان "فتح الاسلام" عصابة مرتزقة من صنيعة المخابرات السورية... وانها لا فتح من حيث "فلسطينيتها" ولا اسلام كانتماء وعقيدةء، بل حفنة عملاء لا دين لهم، ولا انتماء سوى الارتزاق والارهاب والتخريب وخدمة الصهيونية المقنعة بممارساتهم.
ولهذا علينا ان نحيي الشعب الفلسطيني الذي فضح هذه الظاهرة "الزنديقة " والمارقة والمجرمة دفاعاً عن نفسه أولاً ودفاعاً عن الدولة اللبنانية، حاضنته والجيش اللبناني الذي تحمّل ان يتكبد "خسائر" في صفوفه مقابل الا يعرض المدنيين الفلسطينيين للأذى او للاصابة في مواجهة مع عصابة العبسي وأبو هريرة (أو خريرة!) ذلك ان هذا الشعب الذي لدغ من الجحر مرات لن يُلدغ مرة أخرى!
عصابة أبو هريرة والعبسي تحتضر في مخيم نهر البارد وهي في طور اعتماد الاستسلام لكن هل يعني ذلك اننا انتهينا من موجة التخريب التي ينظمها انقلابيو 8 آذار نيابة عن اسرائيل ونظام الوصاية؟ لا! فلكل شيء ثمن. سيستمر الانقلابيون في مخططاتهم اليائسة، والشقية، وفي محاولتهم تهديم الدولة، وإغراق البلاد في الفوضى والخراب وضرب الاقتصاد وتيئيس الناس. ومجرد ان تقرأ جرائدهم او تشاهد تلفزيوناتهم او تسمع اذاعاتهم المتواطئة مع عصابة فتح الاسلام، وتشكيكهم بالخبيث والباطني بالجيش، ومساواته بالمجرمين، واقتراحهم حلولاً "سياسية" لهذه الجريمة وهذا التمرد وشروطهم "المشبوهة" للاشتراك في حكومة وحدة وطنية ليتسرب عبرها العملاء وكتبة التقارير ومعطلو الدولة... مجرد ان تطالع خطاباتهن تعرف ان "المخطط" الانقلابي "اليائس" و"البائس" سيستمر، لعل تستكمل حلقات التخريب التي بدأتها اسرائيل في حرب تموز ارضاء لهذا العدو وتقرباً منه وتزلفاً اليه، وإرضاء لعقد الدونية، وامراض التسلط، والثأر والانتقام، والكراهية لهذا البلد...
لكن الشعب اللبناني ينتظرهم. والجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي تحمي الدولة والناس وتصر مدعومة بالشعب، على مقاومة كل من يحاول تدمير المجتمع المدني، وادواته ومكوناته وصولاً إِلى الدولة.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.