بين مطرقة بعض الأنظمة العربية وسندان المتطرفين المنتحلين ألقاباً وأسماء "دينية"، و"إلهية"، تخوّلهم فرض نواهيهم الظلامية وتطرفهم، وأحكامهم الجاهلة (في الأمور الدينية) يسحق المثقف العربي الحر، الحي، وارث التنوير والحرية، والديموقراطية، والانفتاح، والحداثة.
ففي سوريا حُكم على كمال لبواني بالسجن 12 سنة لاتصاله بدولة معادية هي الولايات المتحدة (أحد آل سليمان زار الكنيست وخطب، وزار مقابر الضحايا اليهود وبكى، وأجرى مفاوضات مع العدو، واستفاض، ولم يرشقه أحد بوردة، أو يتهم بالاتصال بالعدو!)، وحكم في سوريا على المناضل الوطني والقومي ميشال كيلو بالسجن 3 سنوات "لإضعافه الشعور القومي".
وماذا أبقت هذه الأنظمة من الشعور القومي لكي يضيّعه ميشال كيلو ومحمود عيسى الذي صدر حكم مماثل عليه؟!. وصدر حكم غيابي (هناك أيضاً بحق سليمان الشمر وخليل حسين عشر سنوات بالتهمة ذاتها "إضعاف الشعور القومي" (الذي كان في عزه وقوته حتى جاء هؤلاء...)، فضعف وهزل.
من بتوع الأنظمة الي منتوجهم وصورهم المستنسخة وإنما بشعارات أخرى. فهناك "التخوين"... وهنا بركات "التكفير"، منتوج الأنظمة الاستبدادية: "كيانات دينية" (لا علاقة لها بالدين)، وإيمانية (هي الكفر في عينه)، ارتجلت نفسها حماة للذات الالهية... والأخلاق والنصوص تذكرنا بمساوئ محاكم التفتيش الدينية (مثلها) في القرون الوسطى (المسيحية). التاريخ يكرر نفسه بوجوه مختلفة.
فمن "التنوير" العلماني شهدنا مجازر في حق الثقافة والمثقفين. ومن الظلامية "المدعية الدين" نشهد أيضاً مجازر في حق الثقافة والمثقفين. فقد أعيد تحريك قضية مجلة "إبداع" بضحيتيها الشاعرين المصريين الكبيرين أحمد عبد المعطي حجازي وحلمي سالم برغم كل المحاولات "لطيّها". إذ كانت النيابة العامة استمعت الى أقوال "الواشي" "المعتم" والحالك الذي تقدم باعتداء سماه بلاغاً ضد الشاعرين المصريين حجازي وسالم. حجازي بصفته رئيس تحرير مجلة "إبداع" التي نشرت القصيدة التي كتبها حلمي سالم، وزُعم "أنها تمس بالاساءة الذات الالهية" (وجود هؤلاء الظلاميين هو أكبر إساءة للذات الالهية). النيابة عادت واستمعت الى الواشي يوسف البدري ورهط من الوشاة الذين "أجمعوا" أن مجلة "إبداع" التي تصدر عن وزارة الثقافة المصرية نشرت قصيدة سالم تحت عنوان "شرفة ليلى مراد" تحوي إساءة وتطاولاً على الذات الالهية.
وبعد استماع النيابة الى هؤلاء الوشاة الظلاميين، من المنتظر أن تستدعي النيابة خلال الساعات القادمة الشاعرين حجازي وسالم لسماع أقوالهما.
وحيال هذا التطور الدراماتيكي الذي لا يهدد فقط الحرية، والابداع، بقدر ما يهدد "الدولة" كمرجعية وحيدة للأحكام، أصدر المثقفون المصريون نداء يُهيبون "بزملائهم المثقفين العرب أن يتضامنوا معاً يداً واحدة من أجل رفع حجب الظلامية الصفيقة والثقيلة التي تتربص بالمبدعين، وتربض فوق كاهل الفكر والابداع العربيين، ويطالبوا "الكيانات" الاسلامية المتربصة أن ترفع أيديها الغليظة الطولى عن حناجر وعقول المبدعين والمفكرين، أسوة بعصور الاستنارة الاسلامية القديمة، بل أسوة بجيل لا يفصلنا عنه سوى عقود معدودة في أوائل القرن الماضي حين كان الفكر لا يقارعه إلا الفكر، وليس المحاكم والترويع والارهاب والترهيب وقانون الحسبة".
هذا النداء من المثقفين المصريين الى زملائهم العرب، إشارة الى أن الخطر يدهم الارث الثقافي العربي برمته منذ ألفي عام وحتى اليوم. بل هو إشارة الى أن هؤلاء "الظلاميين" منتوج الأنظمة "العلمانية" الاستبدادية، هم أيضاً منتوج الظواهر المعادية لا سيما الصهيونية التي تسعى منذ مئة عام الى تدمير كل الانجازات العلمية والابداعية العربية، وتصوير العرب وكأنهم مجرد "قطعان" إرهابية، متعصبة، متطرفة، تعادي العصر، والحضارة، والانخراط في صناعة التاريخ.
فخطر هؤلاء يتعدى الاعتداء على "الحرية" الى الاعتداء على ثقافة أمة بكاملها، يحاولون تشويهها وتدميرها... خدمة للصهيونية ولكل أعداء هذه الأمة! تماماً كما فعلت وتفعل بعض الأنظمة التي تقمع كل شيء جميل وكل ما هو فكري، وحر... تقمع هواء الديموقراطية لنتنفس أوبئتهم الاستبدادية!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.