ماذا يعني لك أن تقرأ كلمة تتضمن ما تتضمن من الأفكار والمواقف (والتوجيهات) ولا تفقه ما يفترض أن تفقهه وماذا يعني لك أن تحاول "فهم" القول من خلال "المخفيّ"، و"الظاهر" من خلال المضمر؟ هذا ما شعرتُ به، وأنا أقرأ كلمة الرئيس بشار الأسد التوجيهية في أعمال الدور التشريعي التاسع أمس. نوعٌ من الالتباس؟ ربما! لكنه الالتباس الذي يعني ما يعني، ثم لا يعني ما لا يعني، ثم يعني ما لا يعني، ثم لا يعني ما يعني وإذا تجاوزنا كلام الرئيس الأسد بشأن الأمور الداخلية واطمأننّا على أن التشريع بألف خير، والهيئات التشريعية أيضاً بألف خير، و"النمو الاقتصادي" ملحوظ، وهذا كله من دون لبس بادٍ، (وإن غابت عن الكلمة التوجيهية مسألة المعارضة والمعتقلين السياسيين والمثقفين... وهذا أمر مقلق خصوصاً أن لا أحد من أهل التشريع "الاجماعيين تطرق الى الموضوع)، إذا تجاوزنا ذلك، الى ما هو مرسل الى الخارج: المحكمة والمفاوضات مع اسرائيل، فهنا مكمن ممارسة القول والرد على القول ثم الرد على رد القول.
كأن الرئيس بشار الأسد (ونحن ممن راهن عليه في بداية ولايته)، ومن ضمن المنطق التبريري، "يساجل" نفسه، بدلاً من أن يساجله الآخرون. يرد على نفسه بدلاً من أن يرد عليه الآخرون. يَبْسُطُ القول ليسحبه من الآخرين. وهنا اللعبة الكلامية بامتياز. فصاحة الالتباس. القول وخلافه. يغلق باباً ويفتح أبواباً، ثم يفتح نافذة ويغلق نوافذ، لا من باب الاستدراك، وإنما من باب خلط الأوراق والمواقف لترك المجال للتكهن و"التخيّل" والانتظار.
فالرئيس الأسد يرى أن المحكمة موضوع خاص بين لبنان وسوريا. و"أي تعاون مطلوب من سوريا بشأن المحكمة في حال تطلب تنازلاً عن السيادة الوطنية هو أمرٌ مرفوض". ثم يسأل نفسه عبر سؤال الآخرين له "كيف تتعاون مع اللجنة ولا تتعاون مع المحكمة" فالنظام كما هو معروف تعاون مع اللجنة التي تبحث في أمر المحكمة. ولا نظن أن هذه اللجنة كانت تبحث في الأمور الزراعية أو الحزبية أو القومية عندما كان لها أن تتصل ببعض المسؤولين. فالفصل بين المحكمة واللجنة، كالفصل بين الجريمة والقانون. وهل يمكن أن تقوم محكمة من دون لجنة، ومن دون محاكمة. إذاً علينا أن نُفرِّق، انطلاقاً من هذه المقولة بين اللجنة والمحكمة والمحاكمة. اللجنة تبحث في أحوال المناخ. والحكمة تحاكم مهربي الكوكايين في العالم! والمحاكمة تحاكم نفسها، أو تختار من تحاكمه في قضية غير مفهومة. ليصل الى "أن القرار الوطني هو أعلى من القرار الدولي". عال! إذاً باسم هذا تمَّ التعاون بين المسؤولين السوريين وبين اللجنة. وماذا دار في "مباحثات" التعاون... وماذا كانت المعطيات. ولماذا اعتبر أن القرار الدولي يناقض القرار الوطني بشأن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والشهداء الآخرين؟ وهل أن تصفية هولاء تناقض أو توافق القرار الوطني؟ ويرد على هذه المقولة بالتفريق بين "التعاون" و"التنازل"! كلام صحيح! لكن أي تنازل؟ ولماذا الكلام على التنازل في كلام حول جريمة قتل؟ وهنا التدارك. يقول الرئيس موضحاً "وقعنا على ميثاق الأمم المتحدة ولم نوقع على مصالح الولايات المتحدة وبعض حلفائها". يعني أن ميثاق الأمم بكل قراراته مرتبط بالأميركيين. وأن المحمكة أميركية. وربما اللجنة لا! المحاكمة أميركية، أي مسيّسة. جريمة مسيّسة مقابل محكمة مسيّسة! إذاً رفض "مطلق" لمحكمة أميركية (ولكن من حاكم وأعدم صدام حسين؟ هل هي محكمة وطنية أم إرادة أميركية. فكيف تصح هناك محاكمة أميركية لزعيم عربي وتبارك عدا "الطريقة والتوقيت"، وتدان محكمة أخرى تبحث عن الحقيقة في اغتيال الحريري... باعتبارها أميركية! هناك وطنية بلبوس أميركي، أو أميركية بلبوس وطني، وهنا عندنا في لبنان محكمة أميركية مرفوضة. (حزب الله هلل لإعدام صدام حسين بمحاكمة أميركية! براو!). ثم يوضح أن النظام لم يقدم "ملاحظات سرية"، لكن حول مَ كان التعاون؟ لا ملاحظات سرية. ولا علنية. وقبلها المسألة بين لبنان والأمم المتحدة... ثم الفارق بين التعاون والتنازل. وهل الملاحظات السرية تندرج ضمن التعاون أو التنازل أو تجاوز "السيادة الوطنية"؟ ولماذا يجب أن تكون المحكمة تنازلاً عن السيادة والتعاون تمسكاً بها؟ لم نعرف ما هي الحدود "اللغوية"، والسياسية، ولا حتى الفكرية ولا القانونية ولا الوطنية. هكذا. كأنما القول "المضمر": تكون المحكمة عنواناً لكرامة الأمة وعنفوانها عندما تتعاون مع النظام بـ"ملاحظات النظام"، و"بشروطه" بحيث يؤدي ذلك الى نفي المحكمة ومبدئها وأشخاصها... والمجتمع الدولي الذي أقرها. وكل ذلك يعني، في العمق، رفضاً لمبدأ المحكمة (إلا إذا...) ورفض مبدأ المحكمة أو ليس هو تسييساً لها، وإفراغاً لها من محتوياتها وأهدافها، بحيث قد تصبح محاكمة أداة أو وسيلة للتواطؤ على جريمة العصر (والجرائم الأخرى) وتغطية للمجرمين أياً كانوا؟ فهل يقصد الرئيس الأسد مثل هذه الأمور التي تترتب مسؤوليات تاريخية عليه وعلى النظام وعلى المجتمع الدولي ذاته؟ فإذا كان النظام السوري (أو بعضه) بريئاً من "دم الصدّيق" فليغسل يديه في رحاب المحكمة نفسها، وتحت قبة العدالة وميزانها! فلماذا هذا "الرفض" ولماذا إحالة القضية على المجتمع الدولي ولبنان... فحسب، وكأن الجريمة إما أنها لم تقع... أو أنها وقعت لأسباب قروية أو لخلاف على أولوية المرور!...
ولأن "المحكمة" بتفاصيلها، وتسرباتها، وتهديداتها، مرتبطة بقضايا أخرى، فمن الطبيعي أن يكون جانب من موضوع المفاوضات مع اسرائيل من تداعياتها أيضاً، وكذلك عملية السلام... وما قيل وما أشيع عن اتصالات غير مباشرة بين النظام السوري وبين اسرائيل من باب تجديد المفاوضات، ويتطرق الأسد وطويلاً الى هذه النقطة: "لا توجد أي اتصالات مع اسرائيل بشأن المفاوضات لا سرية ولا علنية لأن اسرائيل غير مهيأة خاصة بوجود حكومة اسرائيلية ضعيفة غير قادرة على اتخاذ مثل هذا القرار الاستراتيجي". ويعزز قولته "نرفض كل مفاوضات سرية مع اسرائيل لأننا نرفض المبدأ، باعتبار "أن عودة الجولان أمر غير قابل للتفاوض بالنسبة إلينا". عال! كلام مثل الذهب. الجولان غير قابل للمفاوضات، كأنما يعني "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة". إلا إذا كان علينا أن ننتظر "حكومة اسرائيلية قوية" لإجراء مفاوضات معها! بل وكأن الحكومة الاسرائيلية الراهنة "أضعف" من حكوماتنا العربية، وكأن الحكومة السورية نفسها أقوى منها. نتمنى ذلك. فيا ليت حكوماتنا أقوى من حكومات اسرائيل. إلا إذا اعتبرنا أن حكوماتنا ومنها الحكومة السورية "قوية" جداً لأنها لا تخضع لا للمحاسبة ولا للنقد... بضعف أداء أدوات المجتمع المدني من نقابات وأحزاب ومعارضة وموالاة! فلا تظاهرات كما جرت في اسرائيل. ولا مقالات ضد الجيش الاسرائيلي، والحكومة الاسرائيلية، ولا شيء! (المعارضون عندنا موجودون في السجون أو في المنافي). بهذا المعنى فإن الحكومة السورية أقوى من أي حكومة في أي بلد "ديموقراطي". وهي في وضعها الراهن أقوى حكومة في العالم! عظيم. "أمجاد يا عرب أمجاد".
لكن مع هذا يعود الأسد، بعد نفيه المفاوضات ليفتح بواباتها "العلاقة في هذا الموضوع أي المفاوضات هي بين الدولة والحكومة والشعب. فالشعب السوري يدعم حكومته في عملية السلام وفي المفاوضات في الماضي وفي الحاضر وأتوقع في المستقبل". عال! إذاً المفاوضات إما أنها قائمة بدعم الشعب السوري أو قامت بدعمه وقراره... وستقوم بدعمه وقراره! وهذا ملموس من خلال زيارة شقيق بهجت سليمان الى اسرائيل. مع أن الرئيس الأسد يقول "لم نكلف أي أحد بأن يفاوض عنا"... ثم يقول "إننا نشجع أي جهة للقيام بهذا الشيء! إذا لماذا لا يكون النظام قد شجع شقيق بهجت سليمان (أو كلفه) لزيارة اسرائيل وذرف الدموع الممانعة والمتصدية... على ضحايا بني صهيون في الحرب العالمية الثانية! وزيارة الكنيست... إلخ. والتصريح بنبرات "سلمية"، و"مسالمة" حتى الميلودراما. وكما فهمنا من خلال الالتباسات اللغوية أن المحكمة مرفوضة... نفهم من خلال الأسلوب ذاته ان المفاوضات أيضاً قائمة. لكن بأي شروط؟ يرد الأسد، بما معناه: لا شروط، "الأرض رقم واحد". يقصد الجولان المحتل. عال! لكنه لا يتكلم إلا عن المفاوضات (والمباشرة)... وإن في غياب "الراعي النزيه". لكن لم نعرف ماذا سيفعل النظام السوري إذا فشلت المفاوضات مع العدو الصهيوني... والجولان محتل منذ 30 عاماً! هل يلجأ الى "الحل" الحربي؟ هل يسترجع الجولان بالقوة... أم يبحث عن جبهة بديلة في لبنان أو فلسطين أو العراق؟ فالحرب إما أن تكون في الجولان أو لا تكون. والعدو واحد: هو المحتل، ولا يمكن "اختراع" أعداء بدائل منه في لبنان أو في فلسطين أو العراق، فالمعركة من أجل استرداد الأرض السليبة تتم من داخل الأرض السليبة. لأن جيش العدو موجود فيها وليس موجوداً لا في بيروت ولا في كسروان... ولا في الجبل. وقد قالها الرئيس الأسد "إرادة الصمود قادرة على فرض ذاتها مهما بلغت التحديات"، الصمود، عال! لكن بمن؟ وكيف وأين؟ فالصمود في لبنان وعبر هذا الحزب أو ذاك... شيء والصمود في المكان السليب الذي "هوَّدَه" العدو شيء آخر. ونقل معركة الصمود الى داخل لبنان أو غيره، بعيداً من الجولان، هو تخل عن هذا الصمود... وتحييد مباشر للعدو المحتل. لا سيما وأن الرئيس الأسد قال "عملنا بكل إمكاناتنا لمواجهة المحاولات الرامية لتصفية معاقل المقاومة"، عال! لكن أي مقاومة؟ لقد أجهض محاولات تصفية المقاومة في لبنان... من دون أن يقول لنا: أين المقاومة في الجولان؟ كلنا وقفنا ضد تصفية المقاومة الوطنية التي صُفيت على أيدي من يرفض تصفية المقاومة الاسلامية، ونقف ووقفنا ضد تصفية هذه المقاومة لكن من ضمن منطق ألا تكون هذه المقاومة بعد انسحاب العدو الاسرائيلي جزءاً من التناقض الداخلي، وورقة لترتيب المصالح الخارجية، وبديلاً من معارك الآخرين على أرضهم! وهنا نشير: إن البحث عن جبهات أخرى بعيدة من الجولان... وإبقاء الجيش المحتل في حالات الهدوء والدعة والسلام، أوليس ذلك "تنازلاً" عن السيادة الوطنية؟ وعن الكرامة الوطنية؟ بل إن إعادة الساحة اللبنانية ملعباً بديلاً للصراعات ولمصالح النظام السوري... أوليست انتهاكاً للسيادة اللبنانية. فالذي يتمسك بسيادة بلده (وهذا من حقه وواجبه) عليه أن يحترم سيادة البلد الشقيق. ونظن أن كل من يقبل بانتهاك سيادته مرشح لانتهاك سيادة الآخرين!
إذاً: هذا ما فهمناه: نعم! للمفاوضات "بدعم" الشعب السوري ودولته وحكومته. ولا للمحكمة ومبدئها... إلا إذا اتخذ "التعاون" شكل الاستيعاب. وفهمنا أن لا تنازل عن الجولان... من دون أن نفهم ماذا بعد المفاوضات! ولا ما قبلها! وفهمنا أن "الصمود" ما زال وارداً... لكن لم نفهم أين: في الأرض المحتلة في الجولان أم في الأرض المحررة في لبنان. وفهمنا أن دعم المقاومة اللبنانية (على الأرض المحررة) قائم ولم نفهم لماذا لا تنشأ مقاومة علي الأرض التي ما زالت محتلة. فكيف نحرر بالقوة أرضاً حُررت، ولا نحرر بالقوة أرضاً ما زالت محتلة! هذه هي المفاوضات!
ونظن أنه إذا أردنا أن نضع عنواناً لخطاب الرئيس الأسد الذي غاب عنه التوقف طويلاً عند "المقاومة"، وعند "لبنان"... وغابت عنه لهجات العنف والانفعال... وهذا جيد فهو أنه "خطاب الانتظار"، وهو قد لا يختلف عن خطب الانتظار التي سمعناها على امتداد ثلاثين عاماً... ودفع اللبنانيون أثمان هذا "الانتظار" على أرضهم من خلال توافد الوصابات عليهم من كل حدب وصوب! لكن انتظار ماذا؟ أن تنحل المحكمة الدولية وتعرقل بفعل تطورات دولية؟ وأن تتوفر ظروف "أجمل" لمفاوضات تاريخية قد بدأت منذ زمان لكن بظروف ملتبسة؟ انتظار تغيّر الظروف العربية والدولية، لمفاوضات متعددة، نتمنى ألا يكون "لبنان" محورها... بل الجولان! ولا العودة الى لبنان، بل استعادة الجولان!
ولهذا نقول: صحيح أنها كانت خطبة الانتظار لكن الصحيح أيضاً ألا يستعيد هذا الانتظار أحلاماً بالوصايات، ومصادرة القرارات اللبنانية، واسترجاع نفوذ هنا أو هيمنة من هناك!
فإذا كان البعض في "غرفة الانتظار" فاللبنانيون أيضاً ينتظرون انتظارهم بكل جهوزية واستعداد ووطنية!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.