هل علينا أن نحدد مواقع الجمهور العربي اليوم، ومواصفاته، وقسماته، وحالاته الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية والاقتصادية، لكي نحدد سمات المسرح، أو على الأقل ما نحلم به، أو ما نسعى إليه؟ وهل يمكن القول، ان هناك، اليوم، أو أمس، أو غداً، جمهوراً واحداً متراصاً، ذا ردود فعل واحدة، واستعدادات واحدة، وذائقة واحدة، ووعي متساوق؟ وهل يمكن القول، ان هناك جمهور مسرح مختلفاً، بحساسيته، عن أي "جمهور" آخر، بمعنى آخر هل هناك جمهور مسرحي "متخصص"، افتراضي، أو تالياً جمهور شعر، أو سينما أو رواية، متخصص أيضاً؟
وإذا لم يكن هناك جمهور واحد، أي إذا كان هناك احتمال وجود "جماهير" ما فكيف يتم ترتيبها وتصنيفها: طبقياً، دينياً، ايديولوجيا، تقنياً، قومياً، سياسياً، معرفياً، وتالياً هل يمكن عبر كل ذلك "خلط الجماهير" عبر الكلام على ثقافة شاملة، أو مثقف شامل، أو جمهور شامل، وماذا ينتج عن ذلك: هل يكون الجمهور عندها مرجعية معيارية أم مجرد كُتل هشة عابرة، تماماً، كطبيعة المسرح العابرة، والهشة؟
نركز على الجمهور عموماً، لأنه العنصر الأساسي في المسرح. ولأنه جزء من "الحالة المسرحية"، ومن الكتابة المسرحية، وكذلك من القراءة المسرحية، حتى ولو اقتصر الجمهور أحياناً على وجود بضعة متفرجين (كما يقول غروتوفسكي). وإذا كان ثمة أزمة مسرح خليجي أو عربي أو حتى عالمي فالجمهور جزء من هذه الأزمة: "أعطونا جمهوراً جيداً نعطيكم مسرحاً جيداً" والعكس صحيح. هذه مقولة متداولة ترسم جانباً كبيراً من الحقيقة.
لكن من يعطينا الجمهور الجيد؟ هل المسرح يخلق جمهوره كما يدعي بعضهم، أم أن المجتمع هو الذي يخلق الجمهور؟ أم هي الأفكار أم القضايا أم الأيديولوجيا أم الاقتصاد؟ أم العولمة؟ (بحسب التعبير الشائع اليوم).
إذا لم يكن ثمة جمهور ثابت، عبر المراحل والظروف، فيعني تالياً أنه ليس ثمة جمهور مسرحي ثابت، عبر المراحل والظروف. وهذا يرتبط بالحالات الثقافية والسياسية والاجتماعية. وإذا كان "الجمهور" المسرحي جزءاً من "الجمهور العمومي" بشرائحه وتحولاته، فهذا يعني أن ما يؤثر في الجمهور العمومي يؤثر في المسرح.
على هذا الأساس، إذا ألقينا نظرة على المرحلة الممتدة من منتصف الخمسينات وحتى أواخر الثمانينات نجد أن حالات الجمهور الخليجي مثلاً (والعربي عموماً) تختلف اختلافاً كبيراً عن حالاته الممتدة من الثمانينات وحتى اليوم.
في المرحلة الأولى كان المجتمع الخليجي الطالع بمؤسساته ومثقفيه مجتمعاً يؤسس أو يبلور مناحي وتوجهات "مدنية" تتصل بالديموقراطية وتتسع في آفاقٍ من التحوّلات التي ترتبط بظهور النفط، وهي تحوّلات أورثت البنى السياسية إلى حد كبير، والبنى الثقافية، والحزبية. كأنما كانت مرحلة خروج من حالة إلى حالة: فترة بروز الصراعات الأيديولوجية، والفكرية وحالات الانفتاح، والبحث عن أسئلة جديدة، وهواجس جديدة. فلنقل إنها كانت مرحلة خروج من الحالات التاريخية، ومن البنى السائدة، إلى صوغ ملامح مجتمع "مديني" ومدني، من ضمن مشروع ثقافي، وحضاري شبه شامل.
وفي تلك الفترة كان ثمة انخراط، وعبر صيغ التنوّع التي ظهرت، محاولة خروج من القيم الثابتة إلى قيم أخرى، تحولية وتاريخية وجدلية وقومية. أي محاولة الخروج من أحادية مجتمعية ما إلى تعددية لا تقوم لا على تعددية طائفية أو قبلية بقدر ما تقوم على تعددية فكرية.
كانت الذات المجتمعية تبحث، بين اختياراتها العديدة، عن هويات مفتوحة، لا عن هويات مغلقة ونهائية.
بهذا المعنى، كان الجمهو في حالة إصغاء كبيرة لكل هذه التحوّلات. إصغاء خاص، خارج أنواع القراءات الجاهزة. وعندما، نتكلم على هذه المرحلة، فهذا لا يعني أننا نفصلها عن المراحل التي سبقتها، والتي مهدت لها في كثير من الجوانب والمستويات.
هذا الاصغاء الكبير من قبل الجمهور لهذه التحوّلات يتضمن، في عمقه، إصغاء للجديد. للمختلف، إصغاء يتجاوز إلى حد كبير الاصغاء الجماعي إلى علاقة فردية وخاصة. فالجمهور، بهذا المعنى، كان يتشكل أو قيد التشكل من مجموعة أفراد. لا من قطيع. وكل فرد له وعيه الخاص. ورهافته الخاصة وتكوينه الثقافي والنقدي المختلف. وهذا انعكس على المسرح نفسه، الذي تعددت أساليبه واتجاهاته، تعدد الجمهور، بل تعدد الفرد.
ولهذا وجدنا في الخليج العربي، وفي البلدان العربية عموماً، كل الاتجاهات المسرحية المحلية والشعبية والكلاسيكية والموروثة وحتى الفولكلورية إلى جانب الاتجاهات الغربية: من البرشتية إلى المسرح الفقير إلى مسرح القسوة، إلى الاتجاهات السينوغرافية والكوريغرافية، ومدارس الاخراج، والأداء، والفضاءات المسرحية، ليكبر بذلك دور المجاز في العرض، أي الدلالات والرموز التي يحتوي عليها. بات المسرح مكاناً للتجريب والاختلاف وطرح الأسئلة والالتزام والسياسة. وصار الجمهور جزءاً من هذا المكان، ومحرضاً على التوغل في المغامرة، ومثيراً للمسائل الجمالية والايديولوجية والفكرية. وكما أن المسرح، كلغة واختبار ودور، بات قضية المسرحيين، بات أيضاً قضية المتفرج.
،كما انتقل هذا المسرح من مرحلة "البراءة" إلى مرحلة "غير البراءة"، صار الجمهور بمقارباته الفكرية جمهوراً غير "بريء". يقرأ العمل من داخل طبقاته الجوانية، ومن داخل مجازاته المفتوحة، تحوّل من متفرج سلبي، كسول، مستسلم، جاهز، عقيم، إلى متفرج إيجابي، مبدع، حيّ، مشارك، ومجادل، أي متفرج ذي ذائقة نقدية متطلبة غير سهلة.
وعلى هذا الأساس رأى في المسرح، مكاناً، من بين الأمكنة، لأحلامه الشتى: الجمالية، القومية، السياسية، والايديولوجية والاجتماعية. أي رأى فيه بؤرة حية أساسية من بؤر المجتمع المدني. رأى فيه مكاناً خاصاً به، بقدر ما هو مكان عمومي مشترك. هناك يلتقي الرفيق والنقيض والأليف والغريب وما يصدم وما يثير وما يمتع وما يُعلِّم وما يُنفِّر وما يطرح أجوبة وما ينسى أسئلة. إذاً اخترق الجمهور عتبة المسرح، العتبة السحرية، وانضم إلى الداخل. لكن هذا الانضمام الحميم والواعي لم يلغ المسافة بينه وبين الخشبة. ومن هذه المسافة غير الملغاة، يبقى الجمهور مستنفراً، مقارعاً، يعرف كيف يجمع بين الواقع والمجاز، بين الواقع والمخيلة، بين الواقع ودلالاته المقترحة.
وإذا أردنا توصيفاً عمومياً له فيكمن القول إنه كان جمهوراً داخل جمهور. جمهوراً عمومياً داخل جمهور مسرحي، تماماً كما يقال في الشعر المجازي "لغة داخل اللغة". وهذا أدى إلى تعددية المتفرج الواحد. إلى البحث عما وراء الظاهر، عما وراء المستويات الأولى، عن المقاصد المطروحة. بمعنى آخر لم يعد المتفرج الواحد مجرد متفرج أحادي. ولم يعد الجمهور مجرد جمهور واحد أحادي. صار على صورة ما ينبني في المدينة، من هوامش ومراكز واختلافات. صار جمهوراً مركباً كالمدينة المركبة.
هذا الجمهور "المركب" هو جمهور غير ناجز، في مسرح غير ناجز، وفي مدينة غير ناجزة، وفي مجتمع غير ناجز. لا يركن إلى "هوية" ولا يبحث عن هوية محددة. الماضي عنده معطى، وكذلك المضمون. وهذا هو جوهر التجريب. التجريب في الأفكار، وفي الايديولوجيا... وكذلك في مستويات التعابير المسرحية.
كان ذلك الزمن الذهبي، بامتياز، لأنه كان زمن من اليوتوبيا بامتياز.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.