8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الجنرال المستعار أو "رابوق" الوصايتين

عندما يُبتلى قوم ما بمصيبة أو بكارثة أو "بقدر" أسود، يقال إنَّ "لعنة" حلّت بهم. "لعنة" شيطانية، أو "إلهية"، أو كونية... يعني أن هذه "اللعنة" إذا أصابت شعباً، فما عليه إلاّ أن يقول "لطفاً بنا" أيتها "الآلهة". لطفاً أيتها الأقدار. لطفاً أيها التاريخ. نحن في لبنان، أصابنا من اللعنات على امتداد العقود الأخيرة، (وما قبلها) ما يتجاوز حدود "اللعنة". ما يتجاوز التفاسير الضرورية، والعقلية، والسياسية، واللاهوتية، والفقهية. لعنات من كل حدب وصوب. من تحت ومن فوق. من الجوار ومن الأقاصي. من الأخ ومن العدو، حتى بتنا نحسّ أننا تحوّلنا "كائنات" ملعونة. من تلك الكائنات التي جعلتها هذه "اللعنات" أسطورية، أو خرافية، أو موبوءة. حتى لنتساءل: من أين جاءت كل هذه اللعنات! من أين وفدت؟ فلا نكاد نودّع واحدة حتى تضربنا أخرى جديدة.. من لعنات "أحزاب الله" المديدة على امتداد عقودنا السابقة، وحتى اللحظة، الى لعنات "العسكر" والميليشيات، والظواهر الطائفية وميليشياتها، والايديولوجيات وخرافاتها وايتوبياتها، فإلى ظواهر العملاء والأجراء والوكلاء، تتقدم بلبوس أهل التحرير والحرية والوطنية والقومية والأممية والأصولية والرجعية... والإيمانية (بحمده تعالى).
وهل علينا أن نُحصي ما أُنزِلَ علينا، من مثل هذه اللعنات وهي كثرى، تردّها من هنا، فتزحف من هناك. تصدها من أمامك فتغدر بك من ورائك. وهل نسميها، وهي من الأسماء العديدة تنتحل هنا "الأسماء الحسنى"، وهناك الأسماء السامية، وهنالك الأسماء الواطئة... وهناك الصفات "غير الآدمية".
على أنَّ لعنة من تلك اللعنات السود، ولا كاللعنات! إنها قبعة تعتمر "رجلاً". من طينة الجنون. والمرضى. هذه اللعنة "اللامعة" بين اللعنات اللامعة أحد أسمائها جنرال الرابية حالياً، وزغلول بعبدا سابقاً... ميشال بلا عون. أو عون بلا ميشال. هذا "الكائن" الذي تحار كيف تفسّره، وتفسّر "طلوعه" ونزوله، وبزوغه، وغروبه، ووجوده وغيابه، وكأنه مزروع بأيدٍ "مجهولة" في ظهرانينا. مزروع كاحتياطي دائم للخراب، منذ عقود. أداة جاهزة للاستخدام، أو للتفجير، عند كل منعطف أو في كل مناسبة. زُرع عند الكتائب والقوات وكان من غارسونية آل الجميل، ولا سيما بشير، تحت اسمه الحركي "أبو صخر". وخاض معارك عسكرية "خاسرة"، في أكثر من حرب. ثم رُقيّ من رتبة ضابط ـ غارسون الى جنرال ـ مظفر وكان عليه أن يفكر كجنرال يريد أن يصير جنرالاً ـ رئيساً! وكان على صدام حسين أن يستخدمه ليحارب السوريين في لبنان باعتباره جنرالاً مدفوعاً بانتهازيته، وباعتباره مستعداً، من أجل هذا الهدف "النبيل" لأن يفعل أي شيء. وهكذا، وعندما رفض الرئيس الراحل حافظ الأسد أن يعينه رئيساً... أعلن حرب التحرير ضد السوريين تحت شعارات وطنية لكن بدعم صدامي بالمال (أين مال صدام حسين يا ميشال!) وبالسلاح... وبالجنون. وكان سبق أن أعلن حرب "الإلغاء" تحت شعار "توحيد البندقية" (شعار ساحات الحروب التي عرفناها لدى الميليشيات). حربان: واحدة داخل "المجتمع المسيحي" (أو الكانتون المسيحي آنئذ) لتصفية كل من ليس معه ولا سيما القوات اللبنانية، واستفراد التمثيل المذهبي من خلال ركوبه مغامرة الحرب ضد القوات السورية، إغتصب السلطة واحتل بعبدا، وألّف حكومة تقسيمية في وجه حكومة سليم الحص (الذي وصفه مؤخراً بالآدمي يا آدمي! أنت يا سليم). ثم خسر كعادته المعارك، والحروب كلها، وهرب "منتصراً" من ساحة "الوغى" ولجأ منتصراً الى السفارة الفرنسية في لبنان... ثم هرب منتصراً الى باريس حاملاً معه تبرعات "المساكين"، طيّبي النوايا.. وعطايا صدام حسين، ليمارس هناك حياة "الأمراء" في أرقى الأحياء الباريسية! صحتين أبو الميش! خسر رهان الرئاسة مع الرئيس حافظ الأسد، مخلّفاً في مغامرته المجنونة الخراب، والموت، والدمار، وقد أبلى البلاء الحسن في التدمير في حرب الإلغاء. قلنا. ذهب الى باريس. عاصمة الديموقراطية. وديكارت. وباسكال. والثورة. والثقافة. والحياة السياسية. والسجال. والفكر. قلنا عال! لا بدّ أن تستفيد "قبعته" غير المعتمرة، من شيء من كل هذا. فيغير "الله" ما في نفسه ويغير هو ما في نفسه وما في عقله. لكن يبدو أن هذا الرجل تخلى عن كل شيء، إلاّ عن أمراضه الرئاسية... وبأي ثمن! جنون متنقل. ونرجسية متورمة. وشبق مرضي بالسلطة. وعنفوان مزيف. قلنا: هل يمكن أن يتحول جنرال فاشل الى قائد ناجح؟ هل يمكن أن يتحول عقل فاشي الى عقل ديموقراطي؟ هل يمكن أن يستفيد هذا الخاسر الأبدي فيقلع عن الرهان على أي شيء وعلى أي كان "ليعمل" رئيساً"؟ وكان علينا أن ننتظر. ولم يخب أملنا: استشهد الرئيس الحريري... وقامت ثورة 14 آذار.. وكان ما كان: انسحاب القوات السورية، ووصول 14 آذار الى السلطة بعد الفوز بالانتخابات النيابية... ثم وثم... وقلنا: هل ارعوى. ها هي الوصاية تنسحب. وها هو يعود. بفضل ما أنجزه الشعب اللبناني. فهل ينضم الى إرادة هذا الشعب. وهل يكفّ عن المراهنة على الخارج. لكن جاء الجواب الطبيعي سريعاً: لم تقبله جماعة 14 آذار رئيساً! ويا للهول! ومن دون مقدمات ولا مؤخرات، ولا تمهيد انضم الى المعسكر الذي حاربه ودفع اللبنانيين ثمن الحرب غالياً: وعده النظام السوري الحالي بالرئاسة، ودعمه النظام الإيراني: فصار "سورياً" متأريناً، وإيرانياً متسورناً! وبعدما أعلن مراراً أن سلاح حزب الله تقسيمي... صار هو خردة في سلاح حزب الله... و"فتوى" من فتاوى ملالي إيران. هكذا. ومن دون أن يرف له جفن. وكان عليه، أن يُعيِّن "حلفاءه" على امتداد عهد الوصاية... أعداءَه الجدد. هكذا بلا مقدمات، سوى ذرائع هي أقرب الى التخريف والهذيانات... تنكرّ لكل من دعمه. عضّ كل الأيدي التي امتدت إليه، وقبّل كل الأيدي التي هزمته وأذلته ونفته... وقمعت أنصاره!
ولأنه لا يعرف لا الاعتدال، ولا المنطق، ولأنه مجروف بهوسه المرضي الأبدي بالرئاسة: فقد جيّر نفسه وسيلة جاهزة عند الغير للتخريب: تخريب الدولة، وضرب الديموقراطية، وتعطيل الحياة السياسية، بالتآزر والتكافل مع أحزاب الوصايتين ورجالاتهما وعملائهما. بل كأنه صار "وكيلاً" شرعياً في لبنان عند نظامي الوصاية: أملاً بالرئاسة! وكان عليه أن يُلبي الوصايتين تلبية طائعة عمياء... صماء لتغيير النظام بالقوة، وتخريب الطائف... والمضي في المؤامرة الانقلابية "المعسكرة" بجيش حزب الله... وما تسلّل من "جيوش" الوصايتين وأجهزتهما، ومخابراتهما... وهكذا، وبعدما طرح نفسه "زعيماً" مسيحياً عنفوانياً في وجه الزعامات الأخرى... تحوّل الى مجرد وكيل ثانوي عند بعض هذه الزعامات المرتبطة بالوصايتين وتحديداً عند حزب الله. وهل يمكن أن يجد هذا الحزب الإلهي كمثل هذه الهدية الإلهية على طبقه... وهل يمكن أن يقع على مثل ميشال عون ليكون تغطية لكل مشاريعه: يريد واجهة "لمّاعة"... وها هي! أبو الميش زغلول بعبدا السابق... وغراب الرابية الحالي ينعق بما يُحشى به من أصداء، ويزأر بما ركب له من "زئير" مستعار، تحت شعار أصنع كل شيء من أجل أن أصبح رئيساً: حرباً أهلية. إنقلابات دموية. فوضى مدمرة. وصايات جديدة... المهم أن أكون رئيساً ولو على حطام وطن. ولو على ركام "قصر"! ولو على مزبلة!
اليوم، يُطلب من ميشال عون، (جنرال الهزائم بامتياز) أن يستمر في دوره الكومبارس، ليعكس تخبّط "القوى" الهجينة، في جنونها سعياً الى هدفين: ضرب المحكمة الدولية، والتهيؤ للردّ على أي تداعيات بشأن المفاعل النووي الإيراني. إنه مسعى الوصايتين. وهذا معروف. جَعْلُ لبنان وشعبه أضحية دائمة على مذبح المصالح الخارجية. أي جعلنا نحارب أميركا بدلاً من أن تحاربها إيران. ونحارب إسرائيل وحدنا من دون أن تحاربها الشقيقة. ونخرّب المحكمة كرمى لعيون القتلة. وندمر كل شيء لإضعاف البلد تمهيداً لاستفراسه. ولأن المحكمة باتت (كما يقال) "وراءنا"! وكذلك شعار إسقاط الحكومة (بمعسكرات الخيم المنصوبة على أملاك الآخرين كمربع أمني مستحدث في وسط العاصمة)، ولأن كل التحركات المشبوهة للانقلاب على الشرعية وإرادة الأكثرية قد فشلت، بقي أمام أهل الوصايتين المحتل جولانها معركة الرئاسة (واجهة لاستمرار التخريب الدستوري والاقتصادي والانقلاب على الديموقراطية)، فالله يعطيهم العافية عطّلوا مجلس النواب. وعطّلوا رئاسة الجمهورية بالتمسك برئيس دمية. وها هم، ولكي يحققوا "نصراً" إلهياً مظفراً بهزيمة جديدة، ها هم يصوّبون على انتخابات رئيس الجمهورية الجديد. براو! ألف "انغلاب" ولا انقلاب. أو ألف انقلاب ولا انغلاب! وفي استبداديتهم هذه، أقصد بتوع الوصايتين، كان لا بد من أن يتخبطوا في مطالبهم، وفي عشوائيتهم: فمن رفضهم قبول أكثرية مطلقة للانتخابات الى الثلثين.. الى بدعة رائعة تولى تلاوتها بالوكالة، الجنرال المستعار: وهي الديموقراطية الشعبية المباشرة بانتخاب الرئيس! ولو مرة واحدة! ولو بتمونو! وبتمون يا جنرال! ولو مرة واحدة: ينتخب الشعب "أبو الميش" ثم نعود الى الدستور ونعدّله من جديد ليعود الى سابق عهده! إنهم الغيارى على الإرادة الشعبية... وعلى الديموقراطية بعدما رفعوا شعار "التوافقية"! وبعدما رفضوا حكم "الأكثرية" المنتخبة "الوهمية" (ولمَ لا. فكل شيء ما عداهم وهم! الوطن وهم! وشعبه وهم. وأرضه وهم. ودولته وهم. ودستوره وهم). وهل هناك من هو أجدر بجنرال الهزائم من أن يلعب دور "الكومبارس" في هذه اللعبة الجهنمية؟ ومن أجدر من ميشال عون في تأدية هذه "الجملة" اليتيمة، التي قد تسمح له، بفضل زميله الجنرال الآخر، من أن يسكن في قصر بعبدا مجدداً... ويجعله "قصر" الشعب، وقصر الحرية، وقصر "التحرير"... بجماهير حزب الله، ومساعدات الوصايتين مادياً ومعنوياً؟ ليحقق "شهوته" الجموح، المريضة باستكراس كرسي في قصر بعبدا ولو خازوقاً، ولو على مسامير... ولو شاغراً!
والله! ليفعل أبو الميش العجائب إذا ما وصل الى هناك... وإذا كان طُرد من بعبدا... سابقاً بالحروب... وإذا كلّف خروجه من هناك ما كلّف اللبنانيين... فماذا سيكلّف إخراج ميشال عون من بعبدا هذه المرة... إذا ما أتيح له أن يحتله عبر "انقلاب" دستوري؟ وعبر تواطؤ جنرال آخر من طينته، ومن جبلته، هو إميل لحود!
إذاً، أبو الميش الذي اعتمرته قبعته طويلاً في هزائمه العسكرية ـ الميليشياوية، جاهزٌ. تماماً كما كان جاهزاً في التسعينات لارتكاب أي حماقة أو مجازفة لقرصنة لقب رئيس، أو كرسي رئاسة... أو جلسة رئاسة ولو يوماً واحداً... ها هو بات "دمية" صغيرة صغيرة في يد حزب الله. يقول ما لا يريد أن يقوله الحزب. يعلن ما يستبطنه الحزب. لكن ينفذ كل ما يمليه عليه الحزب. ونظن أن الحزب الإلهي الذي يعرف كسواه نقطة "ضعف" ميشال "الزغلولي"، وهي "الرئاسة" يلعب جيداً على الوتر. يعزف عليه ما شاء من المعزوفات "الإلهية" ويدوزنه كما يشاء جاعلاً منه "قناعاً" هشاً لمخططاته داخل البلد! كما أن حزب الله وكذلك أهل الوصايتين عرفوا أن هذا الرجل "مريض" حتى الغيبوبة بطموحه "اللوناتيكي" الهستيري، وإنه، عبر تخديره بالوعود، يمكن أن ينفذ كل ما يؤمر به: روبوت! فهذا الجنرال الذي سبق أن اعتبره حزب الله "حالة صهيونية" عندما كان يحارب السوريين في لبنان، والذي سبق أن اعتبره السوريون وعملاؤهم "عميلاً صهيونياً"، عرفوا دواءَه: الوعد الكموني بالرئاسة!... وليفعل ما يشاؤون. وها هو اليوم، ومن خلال القرارات الموضوعة لتخريب الانتخابات الرئاسية، وتدمير الدولة، وتقسيم البلد، وجعله ساحة للآخرين، أو ورقة في جيوب الوصايتين، ها هو في "أبهى" حلله، في "أجمل" لحظات "صحوه!" في "أعقل" أفكاره... أي في أروع هذياناته. فميشال عون لا يرى الدنيا جميلة إلاّ فوق كرسي! ولا يعرف "الصحو" إلاّ في غيبوبة وصوليته... ولا تعقل أفكاره إلاّ عندما ينتهز كل شيء في نظامه النفسي... إزاء حلمه الأبدي "المستحيل" ها هو اليوم، يمتطي صهوة الآخرين، للوصول الى هناك، الى جنة الجنان، وفردوس الفراديس، ولو على جثة الوطن كله! ولو على مصير شعب بكامله!
إنه يمتطي شيئاً ما! لكن ماذا... هذا هو السؤال؟ ذلك أنه ما أعطيه كي يمتطيه ليس أكثر من "جواد" خشبي لا يوصله إلاّ ما هو عليه: راوح مكانك يا أبو الميش! فالتاريخ لن يعود الى الوراء! ذلك أن الذين خدعتهم في السابق لن يخدعوا هذه المرة... ذلك أن المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين... فما بالك إذا كان اللادغ مستنفر ولم يبقَ له سوى اللدغ حتى نفسه، ولم يبقَ له سوى سموم سيبتعلها في النهاية في لحظة تراجيدية لا تليق إلاّ بالذين يقفون دائماً أمام الهاوية! وأنت يا أبو الميش كأنك صرت اليوم في الهاوية، تماماً كما كنت دائماً!
أو فلنقل صرت بعد الهاوية. فأَبشر! فكأنك مدمن "هاويات". مدمن سقوط الى أعلى. مدمن ارتفاع الى أسفل! ذلك أنك كنت "رابوقاً" عند صدام حسين! واليوم أنت "رابوق" عند الوصايتين! وللأمانة، فإن هذه العبارة "رابوق" إقتبستها من أحد الأصدقاء. فـ"رَوْبِقْ" يا أبو الميش بين الروابيق المزروعة في صدر هذا الوطن!
وأخيراً أبشرك يا أبو الميش أن الذين وعدوك بالرئاسة، أول من سيتخلى عنك. لا لشيء سوى لأنهم صنعوا منك مجرد "رابوق" مستعار يعرضونه للبيع والشراء في سوق نخاستهم وتحسين شروطهم ومفاوضاتهم! صدقني! لا أحد يريدك أن تكون رئيساً، خصوصاً بتوع الوصايتين!
أوليس هذا مصير كل الروابيق؟
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00